حوار فكري حول أولويات الفقه الاسلامي مع الدكتور مصطفى عطية جمعة


 

يعد الفقه الاسلامي التشريع الإلهي الوحيد في العالم الذي راعى بمفرداته الإنسان روحا وجسدا ونفسا وعقلا ، فوضع قوانين تسمو بالإنسان إلى مصاف الملائكة دون إغفال واقعية هذا الإنسان، إضافة إلى كونه متناسبا مع الإنسان في كل عصر حوارنا اليوم مع المفكر والأديب د .مصطفى عطية حول أولويات هذا الفقه.

س – د. مصطفى…برأيك ما هو تعريف فقه الأولويات؟
مرحبا بك أخي الحبيب أ. حسين ، سعيد بهذا الحوار معك ، الذي سيتيح بلاشك مساحات للتفكير والتحاور المثمر ، الذي نحتاج إليه في حياتنا الفكرية والثقافية .
بالإشارة إلى السؤال الذي تفضلت به ، فإن فقه الأولويات يمثل منظورا جديدا ومهما في الفقه الإسلامي عامة ، بل هو باب من أبواب الفقه التي نحتاج إليها بقوة في حياتنا المعاصرة . وحسنا فعل علماؤنا بتنبيههم على هذا الفقه ، بعيدا عن التناولات التقليدية للفقه الإسلامي والتي تجعله مدروسا ضمن المذاهب ، فيما يسمى الفقه المقارن بين المذاهب . أما فقه الأولويات وغيره من أبواب الفقه المعاصر مثل فقه الواقع ، فقه المآلات .. إلخ ، فهي تمثل دراسة للفقه بشكل أفقي ، ينظر إلى منهجيات الفقه ومبادئه وأحكامه وغاياته ، دون الإغراق في القضايا المكرورة في كتب الفقه ، وإنما لابد من التعرض للقضايا الفقهية المعاصرة .
وعودة إلى سؤالك فإن فقه الأولويات يعني ببساطة : النظر إلى الأهم ثم المهم ثم المطلوب ثم الفرعي ثم الهامشي في المسألة أو القضية المعروضة . وهذا يعني قيام الفقيه عند النظر في القضية إلى الأهم ، في ضوء الواقع المعيش ، وما يهم السائل أو المستفتي ، فكثير من الفقهاء لا يمتلكون هذه المهارة ، وينشغلون بما هو جزئي على الكلي ، وما هو فرعي على الأساسي . فمثلا إذا أردت النظر في قضية ذبح الأضاحي في الحج ، فهل الأولى ذبحها من قبيل الحجيج في مكة المكرمة ، أم يتم ذبحها في بلدان فقيرة ، باسم الحاج وفق صك ، بدلا من تراكم كميات من اللحوم تفسد في النهاية ، ولا يستفيد منها أحد . تكون الأولوية هنا لما يفيد الأمة ، ويمنع الضرر ، ويوفّر أموال المسلمين ، ويحقق المقصد المبتغى الشرعي .
وهذا متحقق في قوله تعالى : ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ( الزمر، الآية 55) ، ففيه إرشاد رباني إلى ضرورة إعمال المسلم بصره وبصيرته فيما أنزله الله من أوامر ، كلها خير ، ليختار الأحسن له من جملة المحاسن ، فيختار الأولى له : ثوابا وإفادة وتيسيرا ،

س- يقال إن فقه الأولويات هو فقه الموازنات وفقه مراتب الأعمال…. ماذا يعني ذلك ؟
يمكن القول إن فقه الأولويات وفقه الموازنات وفقه مراتب الأعمال وفقه الواقع وغيرها ، هي أبواب مستحدثة كمصطلحات في دراسة الفقه وفي تدريسه أيضا ، وإذا تأملنا في مفاهيم هذه الأبواب ، سنجد أنها متسقة فيما بينها ، بل هي ضرورية للفقيه لفهم المسألة الفقهية ، فالفقيه يحتاج لفقه الواقع لقراءة واقع القضية وأبعادها وتداعياتها ، كما أن فقه الموازنات مهم ومكمل لفقه الأولويات لأنه يجعل الفقيه ممتلكا مهارات الموازنة بين الخيارات المعروضة فقهيا لحل المسألة ، والنظر فيما هو أولي وأساسي ومدى فائدته ، على ما هو فرعي وثانوي .
أما فقه مراتب الأعمال فهو فقه مرتبة كل عمل في الدين ، ومدى أفضيلتها ، فهناك أعمال في الدين أركان وهناك واجبات وهناك مستحبات ، ومن الخطأ الذي يسقط فيه كثيرون ، أنهم يهتمون بالمستحب على حساب الواجب ، ويضخمون السنة على حساب الفرض . ولا زلنا نذكر بعض الداعيات المتحمسين ، عندما كانوا يدعون الفتيات إلى الحجاب والنقاب ، وهم لا يعلمون أن هؤلاء الفتيات لا يعرفن فقه الصلاة ولا أركان التوحيد ولا الكثير عن أساسيات الدين . وتكون النتيجة أن الفتاة ترى أن ارتداءها الحجاب / النقاب هو الدين ، فتعلقت بالمظهر على حساب الجوهر. ولا زلنا نتذكر موقف أحد الدعاة المشهورين ، عندما كان يقدم سلسلة محاضرات في جامعة القاهرة في سني الأربعينيات من القرن العشرين ، فجاءته إحدى الطالبات ، وقالت له : لقد قررت يا شيخ ارتداء الحجاب . فقال لها : إن محاضرة فقه الحجاب ستكون بعد أسابيع ، تمهلي كي تتعرفي على فقهه . فقالت له: ولماذا التمهل ؟ فقال : ارتداء الحجاب عن التزام وطاعة وفقه ، أفضل من ارتدائه عن حماسة وقتية قد تخبو سريعا ، إذا لم تسبقها قناعة .
ومن ذلك أيضا : قوله تعالى : ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (التوبة، الآية19 ) . وفي الآية مفاضلة واضحة بين أمر عقدي أساس، وخدمة فرعية لبيت الله الحرام ، والسؤال استفهامي يتطلب الإجابة بلا ، لتكون المسألة حسما لمفاضلة بين أولويات ومراتب الأعمال . وكذلك نجد هذا المنحى في قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ردا على سؤال حول أي الجهاد أفضل؟ فقال: كلمة حق عند سلطان جائر. (سنن النسائي).


فالمرتبة هنا غاية في السمو ، عندما وضع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مقولة في ميزان الجهاد بكل ما فيه من حسنات ، لأن تلك المقولة لردع حاكم جائر، استبد به الغرور ، فجاءه رجل يقول له كلمة حق ، معرضا نفسه للشهادة .
إذا تمعنا فيما سبق ، سنجد أن فقه الأولويات ومراتب الأعمال وجهان لعملة واحدة ، والقضية لا تتصل بالعمل ، وإنما بفقه الداعية وذكائه وخطابه الموجه لعموم الناس وخاصتهم ، يكفينا ما نراه من دعاة وعلماء ، يثيرون قضايا هامشية وفرعية ، في كتب الفقه القديمة ، لا وجود لها في عصرنا ، وبعضها تستثير غضب العلمانيين وسخريتهم من دعاة الإسلام ، ويتم إثارتها في الغرب على أنه من عجائب الإسلام ، وعلمائه ، فيتعاظم تشويه الإسلام في أذهان الشعوب غير المسلمة .
ونفس الأمر يتجه لما يسمى بإسلام العوام / البسطاء ، الذين يميلون إلى التجسيد والتضخيم لأعمال على حساب أخرى ، فالناس تهتم في شهر رمضان بالعبادة ، وهذا مطلوب ، ولكن مع انتهاء رمضان ، بعضهم لا يصلي من الأساس . والبعض الآخر يتحمس في أول رمضان ، ثم تخفت حماسته بقية الشهر ، وتتعاظم بشدة في ليلة القدر ثم ينتهي كل شيء مع دخول العيد . فمن المهم توجيه البسطاء إلى التمسك بأساسيات العبادة في هدي الكتاب والسنة المطهرة ، ثم إيضاح ما هو أولوي وفرعي وثانوي ، كي لا تختلط الأمور عليهم . فيمكن القول : إن كلا من العالم ، والداعية ، والفقيه ، والخطيب ، يحتاج لهذا الفقه على مستوى المهارات والرؤى والأدوات والقضايا . وهذا فكر عظيم نحتاجه في إعداد الدعاة .

س- ماهي الأسس والمعايير التي تضبط عملية الموازنة بين المصالح المتعارضة أو المفاسد المتعارضة مع المصالح؟
للإجابة عن هذا السؤال ، لابد من العودة إلى علم أصول الفقه وما يتصل به من قواعد فقهية والتي هي كليات عامة ، ومنها تشتق الأحكام والجزئيات ، ثم الآليات والأدوات التي يستخدمها الفقيه . فهناك قواعد عديدة تحكم الموازنة بين المصالح المتعارضة والمفاسد وغيرها ، وأرى أن القواعد الفقهية الخمسة هي المعايير الأساسية، وهي : اليقين لا يزول بالشك ، والمشقة تجلب التيسير ، ووجوب إزالة الضرر ، والعادة محكمة أو العرف معتبر ، والأمور تتبع المقاصد .
ويمكن أن نعيد ترتيبها في ضوء السؤال المطروح ، بحيث تكون قاعدة : الأمور تتبع المقاصد هي الأولى ، والواضحة في ذهن الفقيه / الداعية . ومعلوم أن مدار الأمر في شريعتنا الغراء حول مقاصد الشريعة ، والكليات الخمس ، وهذا أول ما يضعه الفقيه في ذهنه ، وهو يبحث المسألة المعروضة .
ثم تأتي قاعدة : وجوب إزالة الضرر ، بمعنى تهيئة الأرضية وإزالة كل شيء أضر الناس ، قبل الإصلاح ، ذلك أن الهدم يسبق البناء ، ولا يمكن البناء على أنقاض وآلام وأضرار . ومن ثم يأتي اجتهاد الفقيه على أساس قاعدة : اليقين لا يزول بالشك ، فيثبّت اليقينيات ، ويرد الظنيات والشكوك . فإذا وجد مشقة على المستفتي فإنه يعمل قاعدة : المشقة تجلب التيسير ، وعلى قدر ما تكون المشقة ، يأتي التيسير ، والذي يكون نابعا مما هو متاح أمام الفقيه والسائل من إمكانات ، ومن ثم يكون إعمال قاعدة ” العادة محكمة أو العرف معتبر ” ، فكثير من الأعراف الاجتماعية تكون بمثابة حلولا مقبولة عند الناس ، فيما لا يتعارض مع الشرع .
س-ما معنى قول القاعدة الفقهية ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح “؟ وكيف يكون ذلك؟
إذا بحثنا في القاعدة الفقهية ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ” ، سنجد أنها لا تبتعد كثيرا عن القاعدة المتقدمة : وجوب إزالة الضرر ، وتلك من حكمة الفقهاء وذكائهم ، فالمفاسد متى ما كانت أكثر من المصالح فإن الواجب دفعها قدر الإمكان، لأنها طغت على المصلحة ، وصارت هي الظاهر في الواقع ، ولا سبيل إلى خير يرتجى وهي كائنة بفسادها ، ومن هنا لا ينظر الفقيه في تحقيق المصلحة لكونها مغمورة في المفسدة ، لأنها أشبه بالسم إذا بسبع متوحش ، هدد سكان مزارع قرية وهم يحصدون ثمرات زراعتهم من الخضر مثلا ، فلابد من دفع السبع وقتله ، وإرجاء حصد المحصول وإن خسروا بعض الثمرات أو كلها ، فدفع السبع يحقق مقصد الشريعة الكلي في حفظ النفس والمال ونشر الأمان .
ودليل القاعدة قول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }(البقرة ، الآية 219), فوجه الاستدلال من الآية: أن الخمر حرمت في الشريعة وإن كان فيها بعض المنافع لمن يعمل فيها ؛ لكون مضارها أعظم من المصالح الموجودة فيها .
أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة فالراجح هو الإتيان بتلك المصلحة لكون المفسدة مغمورة في تلك المصلحة، وإن تساوت المفاسد والمصالح وهو أمر يكاد يكون متعذراً فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة. القول الثاني: إن جلب المصلحة أولى من دفع المفسدة.
القول الثالث: التوقف أو بالتخيُّر في كل حالة بحسبها وما يلابسها.
وهنا نعود إلى فقهي الموازنات والأولويات، ومدى وعي الفقيه بفقه الواقع ، كي يكون الحكم دقيقا ، مفيدا للناس ، غير مهدر للمصلحة على حساب دفع المفسدة ، وفي جميع الأحوال ، فإن هذا يحتاج إلى فقيه غير منعزل عن واقع المسألة ، فإذا كانت في تخصص صعب ، يستعين بأهل التخصص . لذا ، فإننا ننادي بأهمية تفعيل المجامع الفقهية التي تجمع في عضويتها أهل الاختصاص في القضايا المثارة، وإغلاق ما يمكن أن نسميه بالدكاكين الفقهية ، والتي ينحبس فيها كل فقيه على نفسه ، وعلى كتبه ، ولا يكاد يحيط بالتطورات المتلاحقة في عالم اليوم .

كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (سورة الأنعام ، الآية 10 ) ما الأولوية الراجحة في منع سب آلهة المشركين مع أن المشركين كثيرا ما يسبون الله ؟
وهنا نجد أن في سب آلهة الكفار مصلحة للمسلمين على المستوى الآني / الحالي ، ألا وهي ازدراء ما هم عليه من كفر ، وما في عقائدهم من فساد وانحراف، وأيضا تحقير دينهم وإهانتهم لشركهم بالله سبحانه، ولكن على المستوى البعيد ، فإن هناك مفسدة ستأتي للمسلمين تتمثل في سلوك الكفار المقابل ، حيث سيسبون الله عز وجل عنادا وجهلا ، فنهى الله سبحانه وتعالى عن سبهم ، درءاً لهذه المفسدة.
س-هل العقيدة أولى بالتقديم من الشريعة ؟ وما الدلالة على ذلك من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة؟
لاشك ، أن الأولى هو تقديم العقيدة على ما سواها من أمور التشريع ، فلابد من تصحيح العقيدة ، وتنقيتها ، من أجل قلوب صافية على التوحيد الخالص والحنفية السمحاء ، فالقلوب موضع النيات ، والنية مدار الأعمال في الشرع الحنيف.
وقد كان الصحابة ( رضي الله عنهم ) حريصين غاية الحرص ، على معرفة الأَوْلى من الأعمال، تقربا إلى الله تعالى به، لذا ، تعددت أسئلتهم عن أفضل العمل، وعن أحب الأعمال إلى الله تعالى، كما نجد فيما يرويه ” عمرو بن عَبَسة ( رضي الله عنه ) ، قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن يسلم لله قلبك، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك؟ قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت. قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، وقال: وما الهجرة؟ قال : أن تهجر السُّوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال أن تقاتل الكفار إن لقيتهم، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده وأُهريق دمه .
الحديث السابق فيه أوجه فقهية عدة ، ففي فقه فهم الإسلام حقيقة وعقيدة وسلوكا بأوجز عبارة ، ويمثّل أرضية فكرية ، تم توجيه أسئلة بعدها للرسول ، اشتملت على فقه مراتب الأعمال ، لنجد تدرجا عقديا واضحا ، يجيب عن القضية المتقدمة ، بأن العقيدة مقدمة على التشريع ، فقد سبقت الهجرة والجهاد .
مع ملاحظة أن بنية الحديث اللغوية أساسها : استفهام ومفهوم ومفاضلة بين الأعمال تدرّجا . والجديد أيضا ، أن الحديث طرح المزيد من المفاهيم ، المضافة إلى ما سبق من مفاهيم لمصطلحات ، فالإسلام تسليم القلب عقيدة ، والجوارح سلوكا إلى الله سبحانه وتعالى ، فلم يخرج عن المفاهيم السابقة عن الإسلام ، بقدر ما عززها وجعله جامعا للعقيدة والسلوك . في حين جاء الإيمان بنفس المعاني المبثوثة في أحاديث ونصوص أخرى ، مؤكدا لها ، أما الهجرة ، فتطور معناها إلى بعد روحي قلبي ، متمثل في هجر السوء وليس الانتقال المكاني فقط . وتلا ذلك الجهاد الذي يأتي أعلاه سناما لمن ضحى بدمه وجواده في سبيل الله تعالى .

س- قال ابن القيم رحمه الله تعالى « وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما»….ماذا يعني هذا؟
تمثل هذه المقولة لب فقه الأولويات ، عندما يتقاطع مع فقه الموازنات ، حيث يضع الفقيه نصب عينيه وهو ينظر في المسألة ؛ كيف يمكنه تحقيق أعلى درجة من الإفادة في المصلحتين بعدما فاته الأدنى منها . فإذا كان بين المصلحة والحكم تكافؤاً، فلكل حكمٍ مصلحةٌ تناسبه، ولكل مصلحةٍ حكمٌ يناسبها . أيضا هناك ” رتبة المصلحة ” ، والممثلة في ترجيح أعلى المصلحتين رتبة عبر النظر في مرتبة المصالح أهي ضرورية أم حاجية أم تحسينية .. ؟ ونستعيض هنا فكر الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات ، حيث يفصل القول في تلك القضية ، فيرى أن الضرورات بها قيام الحياة ولا بد منها ، ثم تليها المصالح الحاجية والتي بها يرتفع الضيق والحرج عن العيش في الحياة ثم المصالح التحسينية ، وفيها تتم زينة الحياة ورفاهيتها . وعندما تتعارض هذه المصالح ، يتم تقديم أعلاها رتبة على ما دونه، فالضروري هو المقدَّم لا محالة فلا غناء عنه ، ثم الذي يليه على الذي يليه . إضافة إلى ذلك ، فإن الكليات الضرورية تمثل أنواعاً من المصالح أيضا ، تتدرج وفق درجة الأولوية في خمسة كليات هي منازل ومستويات أيضا ، ألا هي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فأي نوع من المصلحة يتعلق بالدين مقدم على مصلحة تعود على نوع في النفس، ونوع النفس يترجح على ما بعده وهكذا . والفقيه لابد أن يكون واعيا لما تقدم : للمصالح ودرجاتها ، والكليات ومراتبها .
س-يقول القرطبي: «المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين.» وضح لنا ذلك .
هنا نجد أن القرطبي يعلي من شأن الدين بوصفه كلية من الكليات الخمس ، على حساب ما عداه ، وهذه تراتبية في فهم الفقيه للكليات الخمس ، فالحفاظ على الدين في النفوس ، ومنع الفتنة عن القلوب غاية أولى . وهنا نجد من الفقه السكوت على بعض الضرر ، إذا أدى إلى ضرر قد يصيب الدين ذاته .

س- عن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي:;دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء – أو ذنوباً من ماء – فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين.» ما العبرة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟
تبدو العبرة هنا في موازنة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بين أمور متعددة ، تتصل بشخصية الأعرابي وهل سيفتن في دينه ونفسه ويشعر بالحرج الشديد ، إذا عنّفه الصحابة ، ومن ثم إشاعة مبدأ التيسير وخلقه بين الصحابة ، وبين الفساد الذي أحدثه الأعرابي في المسجد بفعله المشين . فالفعل وقع ، وعلينا التصرف فيما بعد الفعل ، وفي جميع الأحوال لابد من تنظيف المسجد ، وشتان ما بين تنظيف مع تعنيف الأعرابي وإحراجه ، وبين تنظيفه واحتواء الموقف مع الأعرابي ، وستصله الرسالة حتما ، عندما يرى الصحابة وهو يريقون سجلا من الماء على ما فعل .
إن العبرة هنا واضحة : تصرف بيسر ، أرشد برشد ، ليكن الإرشاد عمليا، مع مراعاة الأبعاد النفسية ، وبذلك يتحقق فقه الموازنات والأولويات أيضا .

س- لم نقدم حقوق العباد قبل حق الله ؟ .
بداية لابد من إقرار حقيقة ألا وهي : أن هناك تكاملا في حقوق الله وحقوق الناس وتلك هي القاعدة العامة بينهما ، فلا يوجد تعارض أو تنافي بأي شكل . فهناك تكامل في هذه القاعدة العريضة بين حقوق الله ، وحقوق العباد ، فأداء حقوق العباد هو أداء حقوق الله ، وأداء حقوق الله يعني ألا نهدر حق عبد من عباده .
فلا نحصر حقوق الله في العبادات وفرائض الدين ، وبالتالي لا يلزم من تنفيذ حق الله أن نهدر حق الناس . والمثال على ذلك : الجهاد، في سبيل الله هو حق لله يقوم به المسلم القادر والمكلف به ، لكن لا يلزم منه أن نظلم فنقتل غير المقاتل أو نقتل الصبي أو نقتل المرأة .. إلخ ، ولا يخرج للجهاد مسلم هو المعيل الوحيد لوالديه.
سنلاحظ أن حقوق الله هي الالتزام بأحكام الإسلام وفقهه في أمور الدين والدنيا ، وبعبارة أخرى فإن التزامنا بحقوق الله يعني التزاما بحقوق البشر الخاصة .
لكن قد يبدو هناك – أحيانا – تعارض لدى فهم البعض ، فيفرقون بين حقوق الله وحقوق الناس ، وفي الواقع أن المسألة كلها تنصب على أداء حق الله ، بمعنى أن الشاب الذي يترك والديه المسنين ويخرج للجهاد ، هو لم يؤد حقا بشريا خاصا ، من أجل الوفاء بحق الله العام ، وهذا خطأ في الفهم ، فمنع ولي الأمر / الحاكم / المسؤول للشاب عن الجهاد هو أيضا أداء لحق الله في بر الوالدين ، وهكذا .
وبالتالي ، وبعبارة أوضح ، فإن تقديم حق العباد في الإيفاء هو أداء وايفاء لما أوجبه الله ، مثل قضاء الدين أولى من أداء الزكاة . وقضاء الدين حق خاص للعباد ، والزكاة حق عام لله ، ولكن يتقدم الحق الخاص بمفهوم أن إيفاءه هو طاعة لله .

س- ماذا يعني تقديم المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة ؟
إن التعدي على المصالح العامة تعدٍّ على حقوق المجتمع بأكمله، وهو ضرر يلحق بالجميع، بل إنه جريمة في حق المجتمع ؛ لما له من آثار سلبية خطيرة، ولا نبالغ في القول إن ذلك أصبح مشكلة واقعة مع المجتمعات النامية ، ومنها كثير من المجتمعات في عالمنا الإسلامي .
إن مفهوم المصلحة الخاصة يعني مصلحة / منفعة / فائدة / مزايا خاصة لشخص أو فئة أو جماعة في المجتمع ، فإذا تعارضت المصلحة العامة للمجتمع مع المصلحة الخاصة ، يلزم علينا تقديم المصلحة العامة في هذه الحالة ، لأن مصلحة المجموع / الدولة / المجتمع / الناس ، تتقدم على المصالح الخاصة ، وهذا أمر مستقر فقهيا وفي فقه الدولة المسلمة ، وسيؤدي حتما إلى منع كثير من مظاهر الأثرة والاحتكار والتمتع بمزايا خاصة لفئة أو لأشخاص على حساب الشعب . وتلك آفة من آفات مجتمعاتنا الآن ، عندما تحتكر فئة أو شخصيات مصالح بعينها، وتقصرها على نفسها ، وتتحكم في المصالح العامة ، والأمثلة لا تحصى على ذلك. وقد اشتهر تسمية ذلك في علم السياسة والإدارة بـ ” الفساد الإداري “، وأي فساد، وضرر أعظم من التعدي على المال العام، والحقوق العامة ؛ والتساهل في ذلك من قبل السلطات عواقبه وخيمة ، وآثاره مدمرة .
ويندرج أيضا تحت هذا المفهوم ما يسمى الشفاعـة المفسدة للحصول على توكيلات أو مزايا أو مناصب .. ؛ والتي يسعى لها بعض الناس دون إدراك ووعي في أنها تعدي على المصالح العامة، واهتزاز للموازين في العدل، والمساواة بين الناس، فتلك من سمات المجتمعات الظالمة التي تضع الأمور في غير موضعها.
فإذا اعترض البعض على أن هذا سيكون ضررا على الفئة أو الأشخاص المتمتعين بالمصلحة الخاصة ، وإذا تعارضت مصلحتان دفعنا أعلاهما بأدناهما، هنا قد يظهر لنا أن هناك ضرر هو قطعا سيكون هناك ضرر مثل الذي يقدم على عملية من أجل طلب الشفاء يريد أن يستأصل لا بد من ضرر يقع عليه لكن لا يقصد الضرر في ذاته ولكن يقصد هو المصلحة من وراء ذلك . وهو لبّ فقه الموازنات من ناحية الموازنة بين مصالح الناس ، ولب فقه الأولويات عندما ينظر لأولوية المجتمع على حساب أولويات الأفراد والفئات .
س- ما معنى تقديم الاهتمام بالمضمون أكثر من الشكل؟ وضح لنا ذلك من خلال الأمثلة .
إذا قرأنا مفهوم ” الاهتمام بالمضمون أكثر من الشكل ” ، في ضوء فقه (الأولويات ، الموازنات ، مراتب الأعمال ) ؛ سنجد أن القضية تأخذ أبعادا جديدة ، فالمضمون وفق هذا الفقه يعني : تحقيق المصلحة المبتغاة ، والتي تخص القضية سواء كانت مصلحة خاصة أو عامة ، بغض النظر عن الشكل الذي قُدِّمت به . وهذا لا يعني إغفال الشكل الذي يعني الأطر الإدارية والقانونية والتشريعية التي يستلزمها المضمون من أجل تنفيذه ، وإنما لابد أن يضع الفقيه في حسبانه هذا البعد في صياغته اللغوية للفتوى ، مع أهمية أن يكون على دراية قانونية وإدارية وتشريعية وسياسية ، حتى لا يتم تفريغ الفتوى من مضمونها ، أو يتم التلاعب بها من قبل الإداريين أو القانونيين . وكم من فتاوى وأحكام شرعية ، تحولت لحبر على ورق ، عندما نزلت إلى أرض الواقع ، فلم تحقق غايتها ، وأساءت لمن أصدرها .

س- ماهي أولويات المسلمين اليوم؟
يمكن ترجمة أولويات المسلمين في مطلبين أساسيين وهما: الحريات ، النهضة. ونعني بالحريات : تمتع الشعوب المسلمة بحرياتها وحقوقها الإنسانية ، فلا يتعرض أفرادها لإذلال وإهانة في أوطانهم ، ومنحهم حق التعبير الكامل في أطر القانون، فإذا نالوا حرياتهم ، واختاروا من ينوب عنهم في السلطة على أسس تشمل التقوى والمقدرة والعلم ، ومن ثم يتم العمل على نهضة الأمة واستغلال طاقاتها الهائلة : البشرية والمادية . ومخطئ من سلك طريقا واحدا من الطريقين السابقين ، فالمنادون بالحريات والمشددين عليها ضمن أطر الديمقراطية الغربية وآلياتها ، لا يعون أن القضية ليست في الديمقراطية من عدمها ، وإنما من توافر البيئة الفكرية والسياسية والقانونية والأمنية التي تحترم الإنسان لذاته ، وتحترم حق اختلافه ، ولا تحصر القضية في وجود أحزاب سياسية وتداول سلمي للسلطة ، فغالبا ما يؤدي إلى ديمقراطية شكلية ، تحصد أصوات الناخبين ، لتصل للسلطة ، ومن ثم تستميت من أجل البقاء في السلطة ، غير ناظرة كثيرة لقضايا النهضة . ونفس الأمر ، لمن ينادون بالنهضة الاقتصادية فقط ، ويغضون الطرف عن مسألة الحريات ، ويستحضرون في ذلك نموذج الصين أو كوريا الشمالية ، ونحن نقول إن النهضة المبتغاة إنسانية في المقام الأول ، تحقق حريات الإنسان وحقوقه المادية ، فكيف يمكن لمجتمع مقهور أن يتقدم ؟ ويمكن للصين أو كوريا الشمالية تحقيق إنجازات هائلة ، عندما تتيح للعقول الحريات كي تبدع وتتألق ، وساعتها ستكون النهضة أضعافا مضاعفة لما هو حادث الآن .

س- ما الأولويات التي يجب أن يهتم العلماء بها; اليوم تجاهه حكام المسلمين وعامتهم؟
إن أولويات حكام المسلمين لا تخرج عن أولويات الشعوب المسلمة ، وهما الحرية والنهضة . وهما قوام عزة الأمة وسيادتها ، فأمة بحرية فقط دون تحقيق نهضة اقتصادية وتعليمية وعلمية ، إنما هي أمة كلامية سوفسطائية ، وأمة باقتصاد مزدهر دون حريات ، إنما هي أمة قمعية ، وسرعان ما ستسقط تحت ثالوث الشر: الاستبداد ، والفساد ، والقمع . وهذا الثالوث إن حما المسؤولين عنه فترة ، فلن يحميهم فترات أخرى ، فإن ماتوا لن ينجوا من حساب الآخرة ، ولا لعنات أهل الدنيا الأحياء ، ولا مدوني التاريخ .

حاوره المستشار الأدبي: حسين علي الهنداوي

…………………………. ………… .. …….. .

سيرة ذاتية
د. مصطفى عطيه جمعة
– الدكتور مصطفى عطية جمعة
• روائي ومسرحي وناقد وباحث أكاديمي
• عضو اتحاد كتاب مصر، ونادي القصة بالقاهرة.
• جوائز دولية :
– جائزة مختبر السرديات بالأسكندرية، عن بحث “اختراق الوعي في سرد محمد حافظ رجب”، 2011م.
– جائزة اتحاد كتاب مصر ( علاء الدين وحيد في النقد الأدبي ) عن كتاب اللحمة والسداة، 2011م.
– جائزة مكتب التربية العربي لدول الخليج العربية، في أدب الطفل، عن رواية المحطة الفضائية الدولية، ومسرحية سفينة العطش، 2011م.
– جائزة المركز الأول في النقد الأدبي، مسابقة إحسان عبد القدوس، القاهرة 2009م.
– الجائزة الأولى في الرواية، دار سعاد الصباح، الكويت، 1999م.
– الجائزة الثالثة في النقد الأدبي، جائزة الشارقة، 2000 م.
– الجائزة الثانية في الرواية، نادي القصة، القاهرة، 2001 م.
– الجائزة الثانية، لجنة العلوم السياسية، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1999م، بحث مصر والعولمة.
– الجائزة الثالثة، مركز الخليج للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة / البحرين، 2002 م، بحث مؤشرات التطور الديمقراطي في البحرين.
– أربع جوائز عن بحوث فكرية في مسابقة الكويت الدولية الإسلامية،
– ثلاث جوائز عن قصص قصيرة في مسابقة الكويت الدولية الإسلامية
– جائزة ( المركز الثاني ) في مسابقة الشخصيات الخيرية في الكويت، 2007م.

• الإصـدارات :
1- وجوه للحياة، مجموعة قصصية، نصوص 90، القاهرة، 1997م
2- نثيرات الذاكرة، الجائزة الأولى في الرواية، دار سعاد الصباح، القاهرة / الكويت، 1999م
3- دلالة الزمن في السرد الروائي، نقد، جائزة النقد الأدبي، الشارقة، 2001م
4- شرنقة الحلم الأصفر، رواية، الجائزة الثانية في الرواية عن نادي القصة المصري، 2002، ومركز الحضارة العربية،2003م.
5- طفح القيح، مجموعة قصصية، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2005م.
6- أشكال السرد في القرن الرابع الهجري، نقد، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2006
7- أمطار رمادية، مسرحية، مركز الحضارة العربية بالقاهرة، 2007م.
8- هيكل سليمان ( إسلاميات )، دار الفاروق للنشر، القاهرة، 2008م.
9- ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2010.
10- نتوءات قوس قزح، رواية، سندباد للنشر، القاهرة، 2010.
11- اللحمة والسداة، نقد أدبي، سندباد للنشر، القاهرة، 2010
12- الرحمة المهداة، خلق الرحمة في شخصية الرسول ( ص)، إسلاميات، مركز الإعلام العربي، القاهرة، 2011 م.
13- مقيم شعائر النظام، مسرحيات، دار الأدهم للنشر، القاهرة، 2012م.
14- قطر الندى، مجموعة قصصية، مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة، 2013م.
15- الظلال والأصداء، نقد أدبي، مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة، 2014م.
16- سفينة العطش، مسرحية للأطفال، مكتب التربية العربي، الرياض.
17- المحطة الفضائية الدولية، رواية للأطفال، مكتب التربية العربي، الرياض.
18- رواد فضاء الغد، روايتان للأطفال، نشر: منتدى الأدب الإسلامي، المركز العالمي للوسطية، الكويت 2014م.
19- لكل جواب قصة ، مسرحيات للأطفال، نشر: منتدى الأدب الإسلامي، المركز العالمي للوسطية، الكويت 2014م.
20- الحوار في السيرة النبوية، مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة، 2015م.

• تحت الطبع :
– الوعي والسرد، نقد أدبي، سلسلة الكتاب الفضي، نادي القصة، القاهرة.
– الفصحى والعامية والإبداع الشعبي : قضايا وجماليات.
– جامع الأمة، الحسن بن علي، رواية للأطفال، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
– الإسلام والتنمية المستدامة، (إسلاميات).
– البنية والأسلوب، دراسات أدبية ونقدية.
– شعرية الفضاء الإلكتروني : ( قراءة في منظور ما بعد الحداثة ) .

لا تعليقات

اترك رد