هل أصبحت ” قوارب الموت ” أقل بؤسا من البقاء في الوطن ؟


 

انتشرت في السنوات الأخيرة بالمجتمع التونسي ظاهرة ٍاجتماعية خطيرة , وهي ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو ما يعرف عنها ب”الحرقة” , التي ما أنفكت تتفاقم وتعرف تناميا كثيفا تعكسه حجم الأرقام المتزايدة سنة بعد الأخرى . فهي تعد مشكلة حية من خلال الأحداث المأساوية وما تخلفه من مآسي في صفوف شريحة هامة من الشباب التونسي , حيث أصبح من المألوف الحديث عن انتشال غرقى وموتى وضياع من بين هؤلاء , الذين يصرون على الهجرة بأي ثمن ولو على حساب حياتهم وبكل الطرق والوسائل وعبر قوارب الموت . وها هي تعود هذه الظاهرة اليوم لتصنع الحدث مجددا في تونس , اثر غرق مركب بحري يقل مهاجرين تونسيين غير شرعيين , مساء الأحد (08 أكتوبر) ولقي 8 أشخاص مصرعهم , جراء اصطدام وحدة بحرية تابعة للجيش التونسي بهذا القارب على بعد 54 كلم من جزيزة قرقنة التابعة لولاية صفاقس , فيما تم ٍانقاذ 38 آخرين والبحث عن البقية , وفق وزارة الدفاع التونسية .
ومن المؤكد أن مسلسل الهجرة غير الشرعية بتونس لن يتوقف , ٍاذ لا يكاد يمر أسبوع دون أن تلقي السلطات المعنية القبض على المهاجرين السريين , بعد سلسلة من العمليات أحبطتها خلال الشهور الأخيرة , والتي شهدت ٍاعتراض عشرات القوارب في عرض البحر وعلى متنها مهاجرون من فئة الشباب , التي تعتبر أهم ما يعتمد عليه المجتمع في تحقيق التنمية ٍانطلاقا من أن الٍانسان هو وسيلة للتنمية وغايتها . وهذا ما يدفعنا ٍالى التساؤل عن الأسباب التي تدفع بشبابنا ِالى تقديم أنفسهم وأرواحهم قربانا , من أجل الٍانتقال وبلوغ “الفردوس الأوروبي” التي يحلمون بها , بالرغم من مشاكلها ومن العنصرية التي قد يتعرضون لها ؟ ما الذي يدفع الٍانسان ٍالى اختيار الموت بدلا من العيش في وطنه ؟ وهل باتت قوارب الموت أقل بؤسا من البقاء في الوطن ؟
لاشك أن الحرقة أو الهجرة غير الشرعية تعد حاليا حلما رائعا , يراود تقريبا معظم الشباب التونسي وحتى الفتيات والأطفال القصر , وباتت مشكلة تقلق الحكومة التونسية وتؤرق الدول المستقبلة لهؤلاء المهاجرين وعلى رأسها دول أوروبا . فقد ارتفعت حالات الهجرة غير الشرعية في تونس بشكل غريب وملحوظ ومثير للقلق في الآونة الأخيرة , الأمر الذي يؤدي ٍالى فتح هذا الملف الشائك ودق ناقوس الخطر بشدة , خاصة مع تزايد معدلات ” الحرقة” من السواحل التونسية ومع وجود شبكات كبيرة وعصابات لتنظيمها , وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على القضاء عليها بشكل نهائي ! .
ولا يخفى على أحد أن هذه الهجرة السرية تعتبر من المشاكل الٍاجتماعية الخطيرة , التي تعرقل تقدم المجتمع التونسي وتمنع تطوره في كافة النواحي , وذلك من خلال هجرة أعداد كبيرة من شبابنا خارج تونس بشكل سري عبر البحر , بسبب فقدان الأمل في ٍايجاد فرص عمل سواء في تخصصهم أو حتى في غيره , وأصبحت البطالة مثل الشبح الذي يراود الشباب . فهؤلاء يبحثون كغيرهم عن مكان يوفر لهم العيش الكريم والٍاستقرار المالي , لذا في ظل الأوضاع الٍاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد , وصعوبة الحياة وغلاء المعيشة وانتشار البطالة , صار معظم الشباب مصابا بالاحباط الشديد من المستقبل ومن تحقيق أحلامهم , مما جعلهم يفكرون في ترك بلادهم والبحث عن فرص عمل خارجها حتى ولو بطريقة غير شرعية , وعلى حساب حياتهم وعبر قوارب الموت , فقط من أجل ترك الفقر والحرمان والتهميش والبطالة ومغادرة الوطن بدون رجعة . وبالتالي يقعون في دائرة المحظور , من خلال اللجوء ٍالى سماسرة السوق ووسطاء الهجرة السرية الذين يتقاضون منهم مبالغ طائلة للسفر على متن مراكب قديمة ومتهالكة , تنتهي بهم الرحلة ٍاما بالموت أو السجن والترحيل مهانا ! ومن هنا السؤال الذي يطرح نفسه , كيف يصل الشباب التونسي ٍالى حد ٍادارة ظهورهم ٍالى تونس الوطن ويتوجهون نحو البحر ؟ كيف نفهم أن شبابنا يتخلون وبسرعة عن أمهاتهم وزوجاتهم وذويهم ويهرعون لركوب البحر ؟ أين هي اذن روابط القرابة والوطن ؟ فركوب المغامرة والذهاب عبر موت محقق للهجرة ٍالى عالم آخر , أليست كلها سلوكات تقدم لنا الوطن وكأنه سجن , والكل يريد التخلص منه ؟؟ والمخيف أن الأمر يتعلق براشدين وليس بأطفال وٍان كانت هذه المأساة قد بدأت تلهم وتشغل حتى عقول الصغار والتلاميذ ! فماهو دور الأسرة والمدرسة التونسية من كل هذا ؟ وما دورهما في التنشئة الٍاجتماعية التي من المفترض من خلالها يتمثل الفرد قيم المواطنة ويتطبع بها ؟؟ أليس “الحرقة ” تعبر عن ٍارادة قطع بصفة فعلية للصلة بجذور الفرد وبهويته وبوطنه, على أمل أن يجد هوية جديدة في بلدان الاستقبال ؟
لعل الهجرة السرية أو الحرقة ما هي ٍالا ترجمة للواقع الذي نعيش فيه , وما يشوبه من خلل ومن فشل للحكومات وللسياسات العامة . فهي تعبر عن ردود فعل يائسة لشباب فقدوا أي ٍاحساس بالمواطنة والانتماء لوطن لم يمنحهم الشعور بالأمان والٍاستقرار والعيش الكريم ! والأنكى من ذلك أن المتمعن في هذه الظاهرة , يكتشف مدى مأساوية الأوضاع التي يعيشها هؤلاء الشباب المقبلين على “الحرقة ” وذلك من خلال شعاراتهم “تأكلني سمكة (غرقا في البحر ) أفضل من أن تأكلني دودة بعد الدفن في الأرض ” , وهو ما يحمل من دلالات البؤس والاحباط الشديد لديهم من المستقبل , فقد ضاقوا ذرعا من الفقر والتهميش ومن الوعود وطمحوا للوصول ٍالى” الفردوس الأوروبي ” , حسب ما ساهم في الترويج له شبكات تهريب وعصابات تتاجر في مستقبل شبابنا , الذي أصبح همه الوصول الى الضفة الأخرى من المتوسط ,منبهرا بدنيا الآخر وطريقة عيشه في سياق الاغتراب والبحث عن الذات المفقودة والهوية المجزأة , التي ترفض البلد الأصلى وتأمل في تحقيق هوية البلد الأوروبي المستقبل .كل ذلك تجعلهم يضحون بأرواحهم ويغامرون بها بين أمواج المتوسط , فالذين تكتب لهم النجاة يهرعون ٍالى التخلص من أوراق هويتهم لٍاكتساب هوية جديدة . فكيف السبيل ٍالى ٍانقاذ شبابنا من هذا الوهم ومن مخالب من يتاجر في تهريب الأرواح البشرية والٍالقاء بهم في أعماق البحر وايقاف هذا النزيف ؟
في ضوء كل ذلك , باتت ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين قطاعات الشباب تمثل قضية خطيرة ,وتحديا من التحديات التي تواجه المجتمع التونسي والحكومة الحالية , لذا يجب مواجهتها والعمل على ايقاف نزيف ضياع مستقبل آلاف من شبابنا باعتبارهم ثروة بشرية وطنية . لهذا ينبغي التصدي لها وهي مسؤولية جماعية , لابد أن تقوم بها كافة أجهزة الدولة وكل مكونات المجتمع المدني من خلال منظومة متكاملة , تعمل على ٍاعادة التنشئة السياسية للمواطن التونسي وجعله يدافع ويفتخر بانتمائه لوطنه , وعلى تجاوز حالة انسداد الأفق بالنسبة له وٍاعطائه شحنات ٍاضافية من التشجيع على القدرة في استثمار مؤهلاته وٍامكانياته المادية والفكرية داخل بلاده.

1 تعليقك

  1. “الحرقة” هي حرقة للوطن والاهل لكل دلوه فيها والحديث يطول لكن لي بعض الملاحظات :
    – 2010 قام الشباب بثورة على ما كان سائد (فقر بطالة تهميش انسداد افاق ….) وظنوا بتهاوي الرموز سيبنى على انقاضه صرح العدالة والحرية والعيش الكريم
    – كل الحراك السياسي في السنوات الاخيرة جاد علينا برسكلة المنظومة القديمة واعادتها للعمل رويدا رويدا ليحكم العجائز بلد الشباب بتفكير الشيوخ
    – المطلبية الزائدة عن الحد والمال الفاسد دفع وقود منظومة الانتاج في البلاد للتواكل (الدفع لمن يعطل السير العادي للعمل والحياة واسئلوا الاحزاب عن ذلك
    – صعود طبقة جديدة من المستثرين المتوحشين والذين يفقهون قانون اللعبة فانخرطوا في شراء ذمم السياسيين للحماية الماجورة بل أكثر من ذلك لتصفية الخصوم
    المعذرة يكفي ما عددت فلم اعد قادرا على المزيد للالم الذي احس به فمزيد فتح الجروح لن يزيد الغيورين على هذا الوطن الا نزيفا اخاف عليهم من مخلفاته

اترك رد