مقترب أولي: البيئة المحلية في التشكيل العراقي


 

العالم من حولنا متغير في حالة حركة مستمرة وهو ليس سوى سلسلة من الاشكال والابعاد والافعال ،المنظور في هذه الحالة يرى كسلسلة من المناظر اللامتغيرة المنفصلة ((عالم يعترف بوجهة النظر الثابتة للناظر ،المقيد بوصف ليوناردو دافنشي ،حيث أكد ان على الفنان ان ينظر الى المشهد الذي أمامه )).

فزاوية النظر /زقاق مثلا موضع واحد ساكن ،كذلك النهر والقرية والجبل ،فهي صور فوتوغرافية تؤخذ فقط من الوضع الثابت (للكاميرا ) لحظة التقاط الصورة ،لحظة إدراك المشهد الطبيعي المتمثل أمام العين .

ان مدركات الفنان على السطح المستوي تنتقل من هذه الزاوية -زاوية الالتقاط -الى أخرى وهي وجهة نظر مفردة تحددالفنان الواقعي وتسقطه في المنظور الذي يعتبر المعيار لتمثيل الشكل حتى في الانطباعية ،يخالفهم في ذلك التكعبيون حيث إستطاعوا جمع أكثر من زاوية نظر على السطح المستوي اللوحة .

أسوق هذه المقدمة وانا اتطلع الى المنجز التشكيلي العراقي الذي أستمد من البيئة المحلية موضوعة عمله الفني ،وهنا لابد من تحديد البيئة في التشكيل العراقي قبل الدخول في منطقتها ،البيئة التي سنتحدث عنها هي بيئة الفنان نفسه اي المكان الذي هو فيه ،فالبيئات وفق هذا التحديد مقسمة الى المدينة / القرية والريف /الاهوار / الجبال والشلالات /الصحراء والبادية .

فالمدينة كما هي عند جواد سليم تعج بالحياة ،ضاجة بالمواضيع ،زاخرة بالاسرار والسبب في ذلك هو زاوية الالتقاط الغريبة لدى الفنان فعينه رأت ما لم يره المتفرج البسيط الا حينما يصطدم باعمال جواد سليم ويكتشف ان ما رأه مألوف لديه كبيئة ،كما ان السطح الذي يعمل عليه جواد ممتلئ بالبساطة والتجريد معا وهو سهل ممتنع فتراه يبتعد عن الفوتغراف الحرفي للكاميرا ويقترب من التصوير بعينه على السطح بفعل غياب المنظور ،وهو ايضا يضيف الى المشهد اللون غير الواقعي الممتد من الرسوم والنقوش والزخرف الاسلامي وبذلك يضيف الى البيئة حياة مستمرة بفعل التراكمات اللونية والخطوط منتميا بذلك الى المدارس الحديثة في الرسم .

جواد سليم
لوحة للفنان جواد سليم

اما القرية والريف ،فنراها ممتلئة وشفافة عند نوري الراوي على سبيل المثال ،فهو يفترض قرية حلمية يوتوبيا اساسها واقعي تتجلى امامه زاوية الالتقاط الفوتغراقية ،وان كانت تنتمي الى الانطباعية الا انها تبقى اي القرية اسيرة وجهة نظر الفنان الذي استطاع تحريك الصورة الفوتغراقية من حالة الثبات والسكون الى حركة تؤكدها الخطوط الدائرية والالوان الشفافة وغياب المنظور .
الصدى نوري الراوي

كذلك يفعل الفنان ماهود أحمد في بيئة الأهوار حيث حيث البيئة هنا تتكون من مياه وقصب ومشحوف وشخوص ،كادر الصورة الفوتوغرافية هنا مليء بالحياة وهو وان كان نقلا لما هو متمثل في الطبيعة الا ان الفنان يضيف هنا الموروث الشعبي المتمثل في وشم اجساد النساء القرويات وايضا الالوان الريفية الضاجة بالواقعية .

ولعل تفرد الفنان فائق حسن والتقاطاته الذكية في رسمه للمناظر الجبلية الخلابة الالوان تتاصل في عينه الخاصة وكادره المتميز حيث ان يرسم من زاويته التي يرى من خلالها مالايراه سواه من الرسامين دليل الخبرة والمهارة الفنية في تحويل الطبيعة بكل منظورها وافاقها الى السطح المستوي وبلطخات فرشاة فريدة في سلسلة من التكرارات اللونية ذات الشحنات العاطفية التي تجعل العين لا تصدق ماترى حين تلتقي مع لوحات هذا الفنان المميز .
الصدى-فايق حسن

ما ذكرتهم اعلاه من الفنانين هم مقدمة لبحث طويل سنجد فيه البيئة اكثر تمثلا في اعمال العديد من الفنانيين التشكيلين العراقيين من الرواد والاجيال اللاحقة بينهم الرسامة وداد الاورفيلي التي رسمت بغداد باشكال وزوايا متعددة ولعل لوحتها الشهيرة لبغداد المدورة شىء غاية في التفرد حيث ترى بغداد ودجلتها ونخيلها وطيورها وعصافيرها على شكل دائرة البيوت والنخيل يطلع من كل الجهات وينزل من السماء لوحة حلمية لمدينتها الاثيرة لديها وكانما بغداد في هذه اللوحة هي الكرة الارضية او مركز الكون وايضا غنى اللوحة يكمن في استخدامها الى اللالوان والخطوط المستمده من الفن الاسلامي مما يمنح لوحتها بعدا روحانيا اخر .

وايضا الفنانة عشتار جميل حمودي ورسمها لبغداد والمدينة والباديه بتعبيرية مختلفة عما رسمه من سبقها . وهناك ايضا سعاد العطار ومدنها الاسطورية المستمدة من المدينة مضافا اليها البعد الاسطوري من حضارة وادي الرافدين . وخضر جرجيس الذي يصنع مدينته من الالوان فقط ،واما صحراؤه فهي تدرجات لونيه كثيفة حيث انه يستخدم السكين او شفرة بدلا عن الفرشاة ليعطي سمكا وثراء للون تتدحرج على سطح اللوحة ..

من هذا نخلص ان التشكيل العراقي زاخر بموضوعة البيئة المحلية وهيةتتوزع في الفن الواقعي والانطباعي والتعبيري والتجريدي وتجد حضورها في ذلك . على ان الفنان التشكيلي لم يكف عن مزاولة البحث في حركة الثابت في البيئة وتحريكه باسلوبه المختلف عن الاخر …..

لعلي هنا قد توصلت الى بعض الاشارات الدالة كقترب اول لبحث طويل يضمن الكثير من التجارب الفنية التي ابدع فيها الرسام العراقي تحديدا في رؤيته لبيئته المحلية .

لا تعليقات

اترك رد