مقابلة مع مرآة


 

عندما كانت في الخامسة من عمرها لم تملك الكثير من الأصدقاء او بالأحرى لم يكن لديها اي صديقة لأَنِّها ببساطة لم تكن بحاجة لها فكانت تجلس امام مرآة جدتها العتيقة المزركشة الحواف ، المعلقة على باب خزانتها البنية ، كانت تبرز على حافات تلك المرآة مسامير وأخشاب صغيرة.
تجلس لساعات طويلة تدْخِل اظافرها الصغيرة الناعمة بحواف زواياها وكأنها ترسم مستقبلها وطريقها في قادم الايام .
تتفحص وجهها الطفولي المنعكس على المرآة وتحدث ذاتها وكإنها تقول لها انتِ أفضل وأجمل صديقة لي. لم تمل او تكِل من الجلوس أمامها والحديث معها بكل تفاصيل يومها، وعندما تكمل حديثها تقبلها وتودعها وكأنها كائن يتحسسها كائن لا مثيل له. مرت الايام واحلام تلك الفتاة الصغيرة تكبر كل يوم، لكن دوام الحال من المحال
ففي العام 1991 م حدث ما غيَّر نظام حياتها المعتاد، فهربت مع عائلتها نحو الحدود السعودية العراقية طمعا ًباللجوء الى مكان آمن والتخلص من النظام الديكتاتوري لكن السلطات السعودية ابت ان تدخلهم مدنها، حينها استسلمت العائلة مع الاف من طالبي اللجوء للامر الواقع واستوطنوا الحدود الصحراوية بمساعدة الامم المتحدة و لسنوات طويلة.
عاشوا كالبدو ينامون بالخيم ويطبخون على الحطب، فقدوا كل شيء، حتى المرآة لم تكن تملكها بطلة قصتنا في ذلك الحين وبقي هذا الحال لسنوات عدة ، شعرت بفقدان تلك الصديقة ونسيت اثرها وعندما سنحت لها الفرصة بالحصول على مرآة جديدة اكبر وأوضح وأجمل من مرآة جدتها ، اعتراها فرح عارم لأنها كانت تعتقد بأن تلتقي بصديقتها القديمة بعد طول انتظار وفراق، الا انها فوجئت عندما قابلتها وجه لوجه، فلم تتعرف على ذالك الوجه الجديد. أدارت المرآة نحوها علِّها تجد وجهها الذي اضاعته بالجانب الاخر الا انها فشلت، لم تجد سوى وجها اخر لا يشبهها ولم يعد صديقها. وجه فتاةٍ لم تكن تعرفها فرغم ملامحها الطفولية لكنها كانت شاحبة باهتة الألوان تجردت من اي نظارة واشراقة للحياة، وكأنها تلبس قناعا اكبر حجماً مما هي عليه، ربما كانت تشبه عجوز بائسة مرت بأقسى هموم الحياة، راحت الفتاة تبحث في حافات مرآتها الجديدة ، فلم تجد مسامير جدتها على حافتها، لم ترى سوى اقلام لكحلة العين وبعضُ عُلبٍ للتجميل لم تعرف ماهي، فضلا عن عدم معرفتها باستخدامها. هذه العُلب التي حولتها من فتاة صغيرة الى إمرأة كان عليها انت لعب دور امرأة .

لم تكن حافة المرآة تلك تحتوي على اي زخارف او مسامير ترسم بها طريقها أو تلتمس بها مشاعرها، كما كانت تفعل في بيت جدتها، حينها تملكها شعور يقول ما سيفرض عليكِ رسمه بعد اليوم لن يكون بإرادتك واختيارك لم تعودي تلك لطفلة البريئة .
ورغم إرتدائها لطرحة شفافة جعلتها أشبه بـ الملائكة وفستان ابيض كفستان الأميرات وكان وجهها مغطى ومجمل بتلك المساحيق الغريبة ، الا ان عيونها كانت تخفي بداخلها ضياع وخوف ورعب من المجهول من شيء أسموه فرحة وعرس فأسمته بعد حين جريمة إغتيال الطفولة.

وبعد ٢٥ عاما عادت الى وطنها، كان الشوق يحدو بها والأمل يكبر كلما اقتربت خطواتها نحو مرابع طفولتها، توقفت ذات حين فوجدت نفسها امام خزانتها القديمة وامام مرآة جدتها التي رحلت وتركت أشيائها العتيقة ورائحتها التي تعبق بالمكان ، وكأنها تذكرها بوجودها وحنوها، كانت تتلمس أشياء البيت وكأنها تستعيد ذكرياتها، كانت فرحتها بحجم الغربة التي عاشتها حينما وجدت تلك المرآة البالية وبعض من حاجيات جدتها المعتقة برائحة الحب الذي كانت تسبغه عليها.

لم يتغير الطريق الذي رسمته هناك بأظافرها الناعمة لكن الغبار قد غطى خطوطه.
نظرت لصديقتها القديمة التي هجرتها منذ سنين، جلست أمامها لتحدثها كسابق عهدهن إلا صديقتها صمتت وأبت ان تكلمها وكأن ما حل بها كان اكبر من الحديث ابتسمت الفتاة واقتربت نحوها لتودعها ، فهمست بصوت خافت “اعتقد ان ما تغير لست انا إنما مرآتي فاطمأني.”

وعندما التصقت مرة اخرى مع صديقتها التي ابت ان تترك مسكنها عند تلك المرآة وتترك برائة طفولتها التي سرقت منها تعلمت حينها انه عندما تُنتزع من الانسان جميع مفرداته الانسانية ويصبح سلعة تباع وتوهب او ترمى اذا لزم الامر، فلا بُد لهذا الكائن العظيم الجبار الذي يدعى الانسان والذي يمتلك قوة جامحة تكمن في أدواته الانسانية كالمشاعر والكرامة وألاحاسيس، ان ينتفض لذاته ويسترجع إنسانيته ليلتصق مع مرآته وحقيقتها كي يُصبح كياناً متكاملاً.

1 تعليقك

  1. اجمل ايام العمر ليست الطفولة ولا في منتصف العشرينات ولا حتى في الخمسينات، بل هي السنوات التي يكتمل فيها وعينا بذاتنا عندما نبدأ بالتحكم بحياتنا بكامل قوانا العقلية عندها يبدأ العد الحقيقي وتبدأ اجمل سنين العمر، وهذا الوعي لا يأتي من فراغ بل من تجارب فاشلة وصعوبات وعقبات نتخطاها لنصل إلى بر الأمان. اتمنى لك مستقبلا يملؤه الوعي والحكمه والتدبر في اتخاذ القرارات .

اترك رد