مستقبل العرب – ج 2


 

إلا أن أي عمل عربي محض يجب أن يأخذ بعين الإعتبار الخصائص المحلية والواقع العالمي المعاصر وما يفرضه من هيمنة وسيطرة ورأسمالية متوحشة، فالنظام العالمي الجديد قائم على السيطرة والمركزية وتوجيه رؤوس الأموال من أجل إنتاج وإعادة إنتاج التفاوتات الإجتماعية وخلق مجتمعات هامشية وكذا خلق نخب وطبقات في داخل المجتمع نفسه كضامن لاستمرارية الهيمنة والإستغلال الإقتصادي والاجتماعي.
وحتى المؤسسات الدولية الراعية لحقوق الإنسان والضامنة للتعايش لم تعد سوى أداة في أيدي المسيطر والغالب ووسيلة لشرعنة عنف ممنهج تقوده دول عظمى باسم نشر الحقوق والمبادئ الإنسانية، فالسؤال المطروح : كيف يمكن تحقيق دواتنا واستقلالنا عن الآخر في ظل عولمة اقتصادية متوحشة؟ وهل الإستقلال الإقتصادي وحده قادر على تحقيق نهضة عربية؟ أم أن التحولات والتغيرات الداخلية في المجتمع العربي يجب أن تكون في المنحى الإيجابي؟
لا أحد ينكر ما فعله الجيل الأول ونضاله ضد المستعمر، لا أحد ينسى عمر المختار ولا الأمير عبدالقادر ولا عبدالكريم الخطابي ولا كل شهداء الوطن العربي الذين قاوموا الإستعمار من أجل الحرية والكرامة. فقد حقق أجدادنا الجزء الأهم في تحرير الأراضي من المستعمر، إلا أن وصول النخب إلى الحكم طرح أكثر من تساءل حول المشروع الوطني للدولة ما بعد الإستعمار واتضح أن الجزء الثاني من الإستقلال لم يتحقق بعد وأن النضال من أجله لازال باقيا.
يتضح أن أحلامنا لم تتحقق بعد، فلسنا أسياد قراراتنا وتحكمنا الكثير من الجهات السياسية والإقتصادية كالبنك الدولي وصندوق النقد ونخب سياسية ومصالح عالمية استطاعت أن تسيطر على مجريات الأحداث وتسخرها لمصالحها ومصالح التحالف الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى تحقيق حلمه وتقسيم وتشتيت العالم العربي.
فجل الدول العربية المعاصرة غير قادرة على اتخاذ قرارها الخاص دون ضغط أو إكراه فهي غير سيادية ويصعب اعتبارها مستقلة.. فضعفها وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات وعدم استطاعتها تحقيق اتحاد بينها سهل عملية السيطرة والتدخل الأجنبي..
فالعالم المعاش الآن يجعل مهمة تحقيق الإستقلال شبه معقدة في ظل الاحتكار الإيديولوجي للدول القوية وفرض لغة مصالحها وثقافتها، كما أن تحرير رؤوس الأموال يحد من قدرة الدولة على اتخاذ القرار ويهدد استقرارها وأصبح عامل الربح السبب الوحيد للغزو.
كما أن مفهوم السيادة الوطنية أصبح من الصعب تحقيقه في ظل منظمات دولية باسم حقوق الإنسان والأفراد تتدخل في تشاريع الدول وقوانينها الداخلية، وأصبحت هته المنظمات تدافع عن الإنسان وكأنها تجرده من وطنيته وأنها الساهرة على حقه وتتحمل مسؤولياته.
فالدول العربية غير قادرة اليوم على التحكم بواقعها ومستقبلها في ظل الأوضاع الحالية، فحتى المواطن الذي يمكن أن يعول عليه كضامن لاستمرارها أصبح يعيش أوضاعا بئيسة يصعب عليه تقرير مصيره.
كما أن قضية الأمن الداخلي أصبحت هاجس الدول جمعاء، وأصبحت أيضا وسيلة للتدخل في شؤون الغير تحت راية العديد من المبررات إضافة إلى وقوعها في ظلال الأخطبوط الإقتصادي والسياسي المسيطر باسم رأسمالية متوحشة أتت على الأخضر واليابس.
فما الذي يمكن تحقيقه في ظل الوضع الحالي، أي ما الذي يمكن تكهنه بالنسبة لمستقبلنا العربي، فهل ما نعيشه اليوم ظرفا عابرا أم إعادة إنتاج استعمار جديد وعصري؟

لا تعليقات

اترك رد