ابداً لم يكن تاريخاً … قراءة في فيلم المصير

 

تحليلات ومقالات كثيرة تقابلني على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والتي تتحدث عن الأخطاء التاريخية الفادحة التي وقع فيها شاهين في فيلمه المصير والذي يتحدث فيه عن الاندلس والفيلسوف الإسلامي ابن رشد والذي انتج في العام ١٩٩٧ . وشملت قائمة الأخطاء مواقف ابن رشد من الفن والغناء والرقص وغيرها من الاحداث التاريخية الخاصة بالخليفة الاندلسي .
والذي اعرفه عن شاهين غير ذلك ، فشاهين لم يقم بعمل فيلم تاريخي في حياته ابداً ، فلم يكن المصير أو المهاجر او حتى الناصر صلاح الدين فيلماً تاريخياً ، وانما كعادة شاهين يتخذ التاريخ مدخلاً مناسباً لمعالجة الاحداث الحالية للمجتمع المصري والعربي .
ولنري ماذا فعل شاهين في فيلمه …..

فصراعه مع الخليفة يتفاقم لدرجة تصل بابن رشد إلى تقديم استقالته من منصبه كقاضي قضاة الأندلس. ثم يتكشف هذا الصراع عن أنه صراع يغذيه الشيخ الديني الباحث عن السلطة الذي يستطيع كسب الخليفة إلى جانبه ليصبح هذا الصراع بين الفيلسوف العقلاني من جهة والسلطة ورجال الدين المتزمتين من جهة ثانية

ونرى زعيم الجماعة “الإسلامية” الإرهابية الذي ينسج حول نفسه هالة من التقديس يقدمها المخرج بأسلوب تهكمي ساخر؛ فهو “لا يظهر” إلا مرة في السنة، وهذا”الظهور” يتم وسط طقس ديني يشترك فيه الجميع ، طقس يعزز فكرة قدسيته ويجعله في نظر أفراد الجماعة أقرب إلى الملاك منه إلى البشر. إنه الوحيد الذي يعرف كل شيء، وكل شيء واضح أمامه؛ يرى الماضي والحاضر والمستقبل . أما طعامه فهو “بلحة واحدة” فقط في اليوم . وعندما يظهر في الفيلم يظهر على ظهر حصان، ويتكشف عن شخص طويل القامة كثيف الذقن حليق الرأس يذكرنا مباشرة بجماعات النازيين الجدد والذي هو في الواقع واحد منهم، لكن هذا النازي الجديد هو في نظر أفراد جماعته “ملاك”!. وهذا ما نطق به أحدهم معبراً عن مدى استلابه العقلي وإلى أي درجة تستطيع هذه الفئات إلغاء العقل عند الناس .
كما يلقي الفيلم الضوء على الأساليب التي تتبعها الجماعات الإسلامية الإرهابية في التعامل مع المواطنين لكسبهم إلى صفوفها، سواء أكان المواطن رجلاً عادياً أم رجل سلطة، وهذه الأساليب تندرج ضمن مفهوم “الترغيب والترهيب”، فأسلوب الترهيب هو ما اتبعته مع المغني مروان، أما الترغيب فهو ما اتبعته مع الخليفة المنصور وابنه عبد الله

يطرح فيلم المصير أربعة موضوعات هامة تخص الواقع الراهن للمجتمع العربي على وجه العموم والمجتمع المصري على وجه الخصوص.
الموضوع الأول : إن ظاهرة التطرف والإرهاب الديني ولدت وترعرعت تحت رعاية السلطة. فالسلطة هي التي افرزت الجماعات الإرهابية المتسترة بالدين الإسلامي، وهي التي رعتهم وفتحت لهم المساجد والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام ليسيطروا عليها وعلى المجتمع وذلك لسببين: أولاً خوفها من الفكر العلماني. ثانياً بحجة أن هذه الجماعات تمتلك الشارع ولديها القدرة على تعبئته لصالح السلطة في أي وقت كان . لكن هذا التحالف بين الجماعات الإرهابية، أو رموزها من رجال الدين ،

والسلطة ليس تحالفاً يصب في مصلحة السلطة، فهدف هذه الجماعات النهائي هو تدمير المجتمع وتدمير السلطة على حد سواء، وإقامة مجتمع بديل أشد تخلفاً، وسلطة اكثر بطشاً.
اما الموضوع الثاني : إن معالجة ظاهرة التطرف والإرهاب الديني لا تتم بقتل وإعدام الشباب الذين ينفذون العمليات الإرهابية، وهنا نذكر مشهد اعتراض ابن رشد على إعدام الشباب الذين نفذوا محاولة اغتيال مروان، وقد أراد الخليفة شنقهم، بينما أصدر ابن رشد حكماً بسجنهم خمس سنوات مخالفاً بذلك إرادة الخليفة، فهؤلاء الشباب، مجرد أدوات لتنفيذ الجريمة دفعتهم ظروف الفقر والبطالة واليأس والإحباط إلى الانضمام إلى الجماعات الإرهابية. ومعالجة هذه الظاهرة تتم بالقضاء على قياداتهم وإيقاف تحالف السلطة مع رموزهم من رجال الدين، ونشر الفكر العقلاني بين صفوف المجتمع، وتأمين فرص العمل لجيل الشباب. وهنا نصل إلى الموضوع الثالث للفيلم.


يؤكد الموضوع الثالث : على أن ظاهرة التطرف والإرهاب لم يكن بالإمكان ظهورها لولا غياب الدولة بمؤسساتها المدنية، وإهما السلطة القائمة للمجتمع، وعدم إيجاد فرص للعمل، وهذا مانراه في أحد المشاهد عندما تأتي “أم سعد” وتشتكي لإن رشد على ابنها “الصايع” الذي، كما تقول: “بيحب يدّي الأوامر” فيأتي إليه الإرهابيون ويقنعونه بأنهم سوف يجعلون منه أميراً لا عمل له إلا إصدرا الأوامر، فينضم إليهم لكي يتحول بلمح البصر ” من صايع إلى أمير”. وهنا نجد ابن رشد ينجح في تخليصه من براثن هذه الجماعة وضمه إلى حلقته الدراسية.


أما الموضوع الرابع فيقول: إن التطرف والإرهاب لا يقتصر على دين دون غيره. فهو في المسيحية (محاكم التفتيس) كما في الإسلام (الجامعات الإرهابية). والمشهد الافتتاحي للفيلم يؤكد ذلك فمحاكم التفتيش تنصب المحرقة تحرق أحد الفلاسفة الفرنسيين مع كتبه أمام أعين الناس لأنه خالف تعاليم الكنيسة وترجم ابن رشد إلى الفرنسية.
وفي النهاية ، فإن شخصية ابن رشد الموجودة بالفيلم ليست هي في الواقع الشخصية الإسلامية المعروفة للناس وانما هي شخصية رمزية بحتة تمثل الفكر التقدمي والثقافي والفلسفي والتي تقف في مواجهة الجهل والغوغائية والفساد .

ابن رشد هنا يمثل الثقافة الحديثة التي تشجع العلوم والفنون بكافة أنواعها وتقف بحزم في مواجهة الظلم والجهل .
استخدم شاهين لغة حديثة ومصطلحات ورموز حالية كالجماعات الإرهابية التي يقودها أمير ويتحكم فيها كبار رجال الدين في الدولة ومراكز التدريب الموجودة في الصحراء ومحاولات اغتيال الفنانين ، والمصالح المشتركة الموجودة بين المسئولين الكبار بالدولة والدول الأجنبية المستعمرة ، كما استخدم اللغة الدارجة وليست الفصحى للدلالة على حداثة الموضوع .

لا تعليقات

اترك رد