الدَّرْسُ دَاعٍ إِلَى أُلْفَةِ الْكِتَابِ

 

ما نفتأ نشكو عزوف المتعلّمين عن الكتاب وعن القراءة وقد ألهتهم عنه وعنها حشود المدركات الحسيّة تملأ عالمهم؛ تغريهم ببهرجها وتأخذ من وقت حقيق أن يُصرف في درس يراجعونه بل في حديثٍ مع أسرهم يقيمون به أود الرّوح.

وما نفتأ نشكو عزوفهم ذاك ولا مشروعَ ثقافيّا تتظاهر في سبيله جهود المؤسّسات في الدّولة لانشغالها بتصاريف السّياسة مِحَنِها وإحنِها، ولانشغال الإعلام ذي اليد الطّولى باللّحظة النّافرة يشغل بها عن جادّة الحياة.

وما نفتأ نشكو ضعف تحصيلهم من العلوم والآداب وقد ضعفت صلتهم بلغة تلك العلوم والآداب لا يكادون يقرأون بها أو يكتبون وقد شاهت الحروف على أيديهم إذ استبدلوا بها أبجديّة غريبة الوجه واللّسان.

قد صرف تلامذتَنا عن الكتاب ذاك وغيره ولكن لِمَ نبحث عن علّة عزوفهم خارج المؤسّسة التّربويّة؟ أليس الكتاب فيها الرّمزَ والقيمةَ والوسيلةَ؟ فهي إذن أحقّ به وهي أدعى إلى أن تُسأل فيه.

تتنقّل في أرجاء المؤسّسات التّربويّة تسأل عن المكتبة المدرسيّة فتطالعك صورُها ومنازلُها:

مكتبات هناك قصيّة كبيت الحطيئة في جنّة أبي العلاء لا يؤمّها إلّا ذو الصّوب القاصد ولا يكاد يفطن لوجودها سواد التّلاميذ. وإنّما وجب أن تكون قلب المدرسة النّابض تمدّ الفصولَ بأسباب النّهى والعرفان.

مكتبات غَفَل عنها التّصميم المعماريّ للمؤسّسة التّربويّة ثمّ ظُنّ بعد ذلك أنّ رفوفا بإحدى الحجرات تتّسع أو تضيق يوضع عليها عددٌ من الكتب كاف للإعلان عن وجود مكتبة مدرسيّة. فإذا نظرتَ ثمّ رأيتَ كتبا حُشرت في رفوفها أو تكدّست في الزّوايا أو انزوت مستوحشة إذ قلّ عديدها ورحُب الفضاءُ…

مكتبات ترتادها فلا تجد لها روّادا؛ باردة مهجورة يبادرك أمينُها مسلّما بفرح طفوليّ كمن وجد أنيسا في مَهْمَه قفر، الكتب ساكنة لزمت محلّها لم تغادره حتّى علتها غَبرةٌ، صامتة فلا حفيف ولا خشخشة لأوراقها.

مكتبات تزورها غبّا فلا تجد كتبا كنت عهدتَها، وترى كتبا على حالها بكرا لم تفترعها الأيدي تصفّحا ونظرا، كتبا صُفّت على بعض رفوفها ندّت عناوينُها تحملك على التّساؤل من اختارها؟ وكيف اختيرت؟ وما حاجة المتعلّمين إليها وحاجتهم إلى غيرها أوكد؟ وهل خضعت لعمليّة تقويم قبل ضمّها إلى رصيد المكتبة؟

وتبحث عن عيون العناوين معقد الدّرس ومناطه: المعلّقات، “كليلة ودمنة” لابن المقفّع، “البخلاء” و”البيان والتّبيين” و”الحيوان” للجاحظ، “الإمتاع والمؤانسة” للتّوحيديّ، مقامات بديع الزّمان الهمذانيّ، “أغاني الحياة” للشّابيّ، “الأيّام” لطه حسين، … وإلى ذلك من أعمال أعلام الشّعر والأدب والفكر ونفيس المعاجم والموسوعات ممّا لا ينبغي أن تخلوَ مكتبة مدرسيّة منها فلا تكاد تجد ضالّتك بلْه طارف العناوين وجديدها.

مكتبات تسأل أمينتها أو أمينها المعارفَ الّتي وفقها صنّفت الكتب فلا تجد إلّا النّزر، وتسألُ الأنشطةَ المكتبيّة المنجزة فتُهِمُّك نُدرتُها.

وهذه صورٌ لا ينبغي أن تنسيَنا صورا بديعة لمكتبات مدرسيّة كان الفعل التّعليميّ بالمؤسّسة المدرسيّة سرّ ألقها ومبعث نشاطها إذ عقد معاقد النّسب بين فضاء الفصل وفضاء المكتبة ووثّق عرى الصّحبة بين المتعلّم والكتاب.

لم تسأل الأستاذة – وكانت وضعت على مكتبها عددا من الكتب – أبناءَها التّلاميذَ أوّلَ لقائها بهم أسماءَهم وأسماءَ آبائهم بل سألتهم آخر كتاب طالعوه. كان سؤالها ذاك سبيلَها إلى أن تفتح بصائرهم على أنّ الكتابَ قوامُ الدّرس ومعتمدُه مهما يكن موضوعُه، وأنّ بين الدّروس وبين فروع المادّة وبين الموادّ والتّخصّصات ضروبا من التّواشج والتّراسل، واّنّهم مفتقرون إلى الكتاب لبناء مشروعهم المعرفيّ القرائيّ ولتطوير قدراتهم ومهاراتهم، ولبناء ذواتهم في أبعادها المختلفة.

” كلّ درس تدرسون هو اكتشاف لعالم الإنسان المعقّد وللعالم من حوله، كلّ درس هو إجابة عن سؤال “كيف تَحيَوْن؟ ” كلّ درس هو بعض من كتابٍ ونافذة مشرعة إلى كتاب يُقرأُ وكتابٍ يُكتبُ، فالكتاب فضاؤكم المعرفيّ في المدرسة وفي الفصل ودليكم إلى حياة الفعل والخلق فأنتم مدعوّون إلى صحبته هنا في قاعة الدّرس وغير بعيد عنها في المكتبة المدرسيّة وهناك في المكتبة العموميّة. سارعوا إلى الاشتراك فيهما “.

أغرت الأستاذة تلاميذها بالكتاب ألوانا من الإغراء وألزمتهم إيّاه ما كان درسٌ؛ دعتهم إلى مطالعة الآثار موضوع الدّرس يقدّمونها قبل التّصدّي لنصوص مختارة منها، وإلى أن يكون الأثر المدروس معتمدَهم في تحقيق النّصّ وتقديمه، شجّعتهم على اصطحاب كتب لها نسب بموضوع النّصّ وجنسه وتيّاره الأدبيّ يبحثون عنها في مكتبة عائلاتهم الخاصّة أو في المكتبة العموميّة أو في مكتبة المعهد، وقد تعيرهم بعض ذلك من مكتبتها الخاصّة، كتُبٍ تكون أفقَ درس ومدى نظر وقد كانت اتّفقت وتلاميذَها على مشروع للمحور ينتظم التّعلّمات ويستنفر المكتسبات ويُجري المهارات ويجلو المواهب والفطن؛ مشاريعُ يحملونها حلما جميلا وعزما مقيما: عروض إبداعيّة، بحوث يستصفون مادّتها يحبّرونها بمداد نُهاهم، مجلّة مدرسيّة يجتنون قطوفها…

كم زان قاعةَ الدّرس معرضٌ للكتب أقامه التّلاميذ وأستاذتهم! كم زان مكتبةَ المعهد حصصٌ درس حاور فيها التّلاميذ أمينها في شأن الكتاب قضاياه وكيف تدار شؤونه؟ أو حصصٌ طالع فيها التّلاميذ الكتاب وجلسوا إلى المبدع يحاورونه!، كم زانها اختلاف التّلاميذ إليها يقبسون من مواردها! كم زان المعهدَ نادٍ تمارس فيه طقوس القراءة والكتابة وترتّل فيه آيات الخلق والإبداع ! .

للّه يومٌ احتضنت فيه ساحة المعهد المكتبة العموميّة –بالتّعاون بين المؤسّستين التّربويّة والثّقافيّة- تعرض كتبَها وتعطف القلوبَ عليها وتغري بقراءتها فكان الحدث تردّده الألسن وتحفظه القلوب !.

ما كان لمكتبة المعهد أن تحمل اسمها ووسمها، ما كان لها أن تزدان بروّادها، وما كان لها أن تنزل منزلتها وتحتلّ مكانتها لو لم يكن اضطلاعُ الأستاذة برسالتها وإيمانُها بقيمة الكتاب داعيا لها إلى أن تنظر في رصيد مكتبة المؤسّسة التّربويّة من الكتب تعاين نقصها وتبذل الوسع في سدّه تنبيها وحثّا وبدارا إلى الفعل الحميد تنفق من مالها الخاصّ تُغنيها، وإلى أن تجعل الكتاب معقد الفعل التّعليميّ ابتداء وغاية، وإلى أن ترى في تلاميذها قرّاءً كتّابا وكتّابا قرّاءً لا حفظةً ونقلةً، ولو لم يكن الفعل التّعليميّ المشهود داعيا الإطار الإداريّ إلى التّنبّه إلى خطر المكتبة المدرسيّة فضاء معرفيّا فيكون حرص على تخيّرِ موقعها من قاعات الدّرس، وتخيّرِ فضائها ليكون ملائما ووظيفيّا ومحفّزا، وتخيّرِ رجالاتها من المشرفين والمنظّمين فيكونون على حظ من علم المكتبات وعلم التّوثيق ومن فنّ التّواصل ومن الإلمام بأظهر خواصّ الموادّ التّعليميّة وحاجات التّلاميذ، ويكون نظر وتدبير وحسن تعاون وتسيير.

وبعد فهذه أستاذةٌ؛ مفرد في صيغة الجمع، خلاصة تجارب تربويّة رائدة. وإنّكم واجدون – أيّها المربّون الأفاضل-أنفسكَم فيها. وإنّما نكّرتها لأنّها امتلأت بكم وشاعت فيكم ضميرا لا يحدّه الحدّ.

وإنّها لدليل على أنّ الدّرس – إن جاد – داعٍ إلى ألفة المكتبة والكتاب.

لا تعليقات

اترك رد