موضة التجريد في التشكيل المغربي

 

” يجب التمييز هنا بين مفهوم الحداثة ومفهوم ” الموضة ” أو مفهوم المعاصرة. يوجد خلف الفن التجريدي تاريخ طويل. إنه التاريخ الذهني والروحي للغرب المسيحي. ليس الجديد هو الحداثة أو على الأقل لا يتطابق بالضرورة معها الفن التجريدي هو نتيجة تطور في المغرب فهم هذا الفن باعتباره تقنية وليس قطعا باعتباره فلسفة.” عبد الله العروي

غالبا ما توجه إلى الفنان التشكيلي انتقادات مختلفة من طرف عامة الجمهور المتتبع للحركة التشكيلية بالمغرب ومن لدن النخبة المثقفة، كونه تبنى وما يزال الاتجاه التجريدي دون غيره من التيارات الحداثية. لكن لحد الآن لم يتم توضيح الأسباب الرئيسية من دوافع نفسية واجتماعية وتربوية/بنيوية وغيرها التي ساعدت على تفاقم هذه الظاهرة واستفحالها. وإذا رجعنا نتصفح تاريخ التجربة التشكيلية، نتتبع مسارها جيلا بجيل نسجل الملاحظات التالية:

1- الجيل الاول، جيل مرحلة مابعد الاستقلال الى مطلع السبعينات، تأثربفناني مدرسة باريس l’Ecole de Parisتأثرا كبيرا ربما وصل إلى درجة التقليد، الغرباوي، والشرقاوي في بدايته وميلود لبيض، كمثال. موازاة مع عمليات التأثرهذه ظهرت محاولات التجاوز وإثبات الذات وبروز البواكير الأولى لتأسيس ثقافة وطنية توافق بين بعض مكونات التراث ومعطيات الحداثة الفنية الأوروبية، أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية كمثالين بارزين.

مع منتصف ستينات القرن الماضي تم تجاوز تتبع خطى مدرسة باريس بالتفكير في الاستفادة من تجارب عالمية شمولية (مدرسة الباوهاوس)، لتوسيع النظرة الى الفن وماهيته ووظيفته المجتمعية والتربوية، وإشراك فعاليات ثقافية مختلفة (أدباء وشعراء…)، في بناء صرح فن حداثي طلائعي، يساهم في تأسيس وتأصيل ثقافة وطنية شاملة، فظهرت مجموعة 65 بفكرها النقدي وبياناتها التي شكلت جدالات قوية، ومشاكسة دعمتها نخبة من مثقفي اليسار آنذاك، عبد اللطيف اللعبي ومصطفى النيسابوري وأبراهام السرفاتي، عبر مجلة “أنفاس” التي لم يكن فريد بلكاهية ولا محمد المليحي من مؤسسيها كما يعتقد البعض.

2- الجيل الثاني، يتكون من فنانين هم تلامذة مجموعة 65 وآخرين عصاميين. كلهم اختاروا الاتجاه التجريدي كموضة للتباهي والاختلاف، معتقدين أنه الخطاب الرسمي للحداثة. وبقوا أوفياء لفرنسا، غير واعين ولا مكترثين لما عرفه هذا البلد من انقلابات وثورات ثقافية وفنية (الخسارة التي منيت بها مدرسة باريس في شخص أحد روادها الكبار، روجي بيسيير الذي ضاعت من يده جائزة بينالي البندقية عام 1964 ليتقلدها الفنان الأمريكي الشاب آنذاك، روبيرت روشنبرج، كانت لتلك الجائزة رمزية كبيرة، فهي من ناحية تعد تتويجا لفن البوب آرت، ومن ناحية أخرى إعلانا صريحا بانتقال عاصمة الفن العالمي من باريس إلى نيويورك). كل ذلك الاتكال الأعمى كان بحكم ارتباط الفنانين المغاربة الوثيق بأوروبا عامة من خلال التكوين والسفر والزواج والمصاهرة…فلم يهتموا بتاتا بما يجري في الساحة الفنية العالمية أنذاك، ولم يعيروا أي اهتمام لمستجدات مابعد الحداثة التي كانت في أوجها.

من الأسباب التي ساعدت على تنامي هذا الوضع:

– غياب التنظير الفلسفي/الجمالي المؤطر عادة للحداثة ومابعد الحداثة. فيلاحظ أن الشرخ بات قائما بين الفنان التشكيلي والفلسفة ورجالها. فلا التجربة الفنية الحداثية استفادت من المشاريع الفلسفية، مشروعي الجابري والعروي كمثال، ولا الفكر الفلسفي تزين بجمالية هذه التجربة، بل نجد مفكرا كعبد الله العروي ينتقد بشدة التجريد ويعتبره آفة أصابت المشهد الثقافي المغربي، مما عرضه لنقد قوي واعتبر كلامه رادكاليا شيئا ما، ومحاولة لإرجاع عجلة التاريخ، تاريخ الحركة التشكيلية، إلى الوراء! “فتحليل العروي لظاهرة التجريد يندرج ضمن مشروع تفكيك جزء من ذهنية المثقف العربي التي يحكم عليها بأنها تستند إلى فكر لاتاريخي منفصلة عن الواقع وعاجزة عن إدراكه، نمت وتطورت في ظل إخفاقات الماضي وانحرافات الحاضر”.

إن النقد الذي وجه إلى تحليل العروي لظاهرة التجريد لا يخلو من غرابة! فمتى تقدمنا بفننا الحديث خطوة إلى الأمام حتى نرجع القهقرى؟! ألا نمارس فنوننا ونحن نتطلع إلى الأفق من خلال منظار الماضي؟ أليست حكاية الأصالة والمعاصرة زلة قدم تركت الأمم تدوس على ظهورنا لتخطو قدما نحو الأمام؟ إن القهقرى الفعلية تتماهى ومعايشتنا لحاضرنا في ماضينا، أو ماضي غيرنا…

– ضيق الأفق الفكرية لدى الفنان التشكيلي آنذاك، الذي كان يرسم أكثر ويعبر أقل.

– النقص المهاراتي الذي يعاني منه الفنان المغربي. فللإشارة أن جل الفنانين الذين التحقوا بالمعاهد العليا الفرنسية أو غيرها لم يتموا تكوينهم ولم يتوجوا دراساتهم العليا بدبلوم تخرج حقيقي، بل أغلبهم قضى تداريب قصيرة المدة هنا وهناك، بمحترفات فنية. فالنقص المهاراتي كان عائقا للوصول إلى مستوى نهج اتجاهات فنية تشخيصية تتطلب مهارات تقنية عالية كالواقعية المفرطة Hyperréalisme مثلا. إضافة إلى كون الاتجاه الواقعي/التشخيصي، حسب ظن الأغلبية، ليس من موضة العصر.

– عدم توفر الامكانيات المادية التي تساعد الفنان المغربي على السير في طريق اتجاه معاصر كفن الأرض Land Art أو إنجاز تنصيبات عملاقة كتلك التي أقدم عليها الفنان الأمريكي كريستو وزوجته مثلا.

– بحكم التكوين الأكاديمي، التقليدي الذي تلقاه الفنان المغربي، سواء بالداخل أو الخارج، فهو لم يتوصل إلى إساغة الخطاب الذي تحمله منجزات مابعد الحداثة، مثل الواقعية الجديدة Nouveau réalisme والفن الشعبي Pop art والتنصيب Installationو فن الاداء Performance وغيرها من الاتجاهات التي تتطلب إمكانات مادية/لوجيستية وبشرية كبيرة، لايمكنها أن تتوفر لدى الفنان المغربي، ولن يوجد من المستثمرين أو الداعمين أو أصحاب القاعات من يشاركه مثل هذه المغامرة الخاسرة. حاول الفنان عبد الرحمان الملياني، بحكم تنقلاته إلى ألمانيا استجلاب بعض الصور المابعد حداثية متأثرا بجوزيف بويز، لكن تجربته كانت جد محتشمة، توقفت فجأة (عرضه لدراجته الهوائية، والجلابة المنشورة، والسبورة والطباشير).

– علاقة الفنان بالمتلقي لم تكن علاقة رضا وتفاهم، بل قطيعة وتشويش. فالفنان يبحث عن السبل التي تمكنه من ربط أضلاع المثلث الثلاثة فيما بينها: المبدع، المتلقي والعمل الفني. فالجمهور لم يتجاوب بتاتا مع التجريد. وحينما نتكلم عن الجمهور لابد أن نفصل بين شريحتين: جمهور العامة وجمهور النخبة. الشريحة الأولى، وهي الغالبة معروفة بأميتها، أمية القراءة والكتابة، إضافة إلى انشغالها عن الثقافة والفن وماجاورهما بالخبز ولقمة العيش. أما جمهور النخبة فيمكن تقسيمه إلى شطرين: نخبة المثقفين، ذوي الفكر والوعي والنقد والإبداع، ومن هذه الفئة بزغت المصاحبة والدعم المعنوي، وحتى المادي. ونخبة أصحاب المال والجاه الذين كان لهم الفضل في الدعم المادي القوي لفنانين تشكيليين هم اختاروهم أو اقترحوا عليهم، ولم يكن دعمهم موجه للحركة التشكيلية المغربية كما يتصوربعض النقاد. فهذه النخبة من صفاتها أنها تتميز بأمية بصرية عالية، ولكي تغطي ضعفها اعتمدت على مستشارين عارفين بميدان اللوحة واللوحة فقط. لماذا؟ لأن ما تم اقتناؤه سواء من أجل تكوين مجموعات فنية خاصة أو لأجل مؤسسة معينة كالبرلمان والمكتب الشريف للفوسفاط والأبناك والشركات… كان معظمه لوحات، إن لم يكن كله، فغاب النحت وأعمال الغرافيك والجداريات والرسوم….فسخاء هذه النخبة وقلة معرفتها بخبايا الميدان أدى مع الأسف إلى ظهور وتنامي سماسرة الفن وتفشي ظواهر الاحتيال والنصب، وعقد صفقات مشبوهة والخطير في الأمر، ظهور الأعمال المزورة وبيعها بالمزادات العلنية في غفلة من النقاد والخبراء، فطال التزوير أعمال الجيلالي الغرباوي وصلادي وميلود لبيض والشعيبية وبندحمان وفاطمة حسن والقاسمي وغيرهم كثير. وكان من ضحايا هذه السلوكات الشنيعة المقتني أولا ثم الفنان وورثته.. ومما شجع هذه الظاهرة وأجج نارها، تهافت أصحاب “الفقاعة المالية” على أعمال الأموات بعدما حققت منجزات البعض منهم مبيعات قياسية، تعد أرقامها بملايين الدولارات، ومن تم بات صاحب المال يتصل بسماسرة الأعمال كي يسعد بلوحة للشعيبية أو الشرقاوي أو الغرباوي…فركبت الأنوفة والنفج Snobisme قطار المال وتألق السمسار وملئت السوق هرجا ومرجا، واختلط الصالح بالطالح.

– المصاحبة النقدية كانت غائبة تماما، اللهم تلك التي قدمتها الناقدة طوني ماريني لمجموعة 65، وحققت أهدافها إذ أن الكتابات والتنظير خدم المجموعة دون غيرها. فيما عدا ذلك تبقى باقي الكتابات تأثيرية، تغلب عليها الذاتية، وتفتقد للمنهجية العلمية والتحليل الإبيستيمولوجي، بل أنها نابعة من إحساسات الكاتب اتجاه العمل الذي أمامه أو من خلال علاقته الشخصية بالفنان والتي كانت علاقات “حوار وجوار”.

لا تعليقات

اترك رد