تمن و مرق و سياسة

 

لا اظن أن شعباً من الشعوب ترتبط عاداته و منها عادات الطعام بشكل خاص بسلوكه الإجتماعي و من ثم بحياته السياسية كما ترتبط عندنا في العراق . الولائم تضبط إيقاع سلوكنا في مناسباتنا الاجتماعية وحملاتنا الإنتخابية و الفصول العشائرية و الخطط العسكرية و جلسات التفاهم و التقاسم و التحاصص الحزبية و بيع مناقصات ومناصب الدولة الرفيعة و الوضيعة ، والمناسبات الرسمية و شبه الرسمية و الدينية و شبه الدينية ، التي يقتضي و لا يقتضي أن يكون لها علاقة بالطعام فلا يمكن تصور عزاء أو حفلة عرس أو ختان أو فصل عشائري بلا تمن و مرق و هبيط مثلما لا يمكن تصور شهر محرم بلا قيمة و هريسة ناهيك عن مناسبات أخرى على مدار السنة تحفل بالزردة و حليب و خبز العباس و عيش فاطمة ، و الزكريا ، و قريباً جدا : ” كاشير” يوشع و ” سخينة ” ناحوم الألقوشي و ” تبيت ” العزير و ” صبيح ” حزقيال * .

مناسباتنا يتداخل فيها السياسي بالديني بالإجتماعي ، بدءً نحن مولعون بالتقليد و استيراد المناسبات و التسميات و الأكلات و احياناً دون علم بما تعنيه المناسبة و حتى أسماء الأطعمة ، فالتمن ( الرز ) مثلاً الطبق الرئيسي لكل الطبقات الإجتماعية و لكل الوجبات ، البعض يفطر رزاً ، و مع ذلك و مع أننا الشعب الوحيد الذي يسميه بهذا الإسم لا يعرف كثيرون لتسميته أصلاً ، و يرجع باحثون التسمية الى بدايات الإستعمار ، عفواً التحرير الانكليزي لبلادنا ( جئناكم محررين لا فاتحين ) عندما كان العمال العراقيون في البصرة ينزلون مؤونة الجيش البريطاني من البواخر و من تلك المؤونة رز معبأ بأكياس كتب عليها ten men و يبدو أنها ماركة ذلك الرز و كان العمال يسمعون العريف الانكليزي و هو يشير الى أكياس الرز قائلا ( تن من ) فاعتقدوا أن هذا هو اسم المادة فدرجوا على تسميتها بالتمن بعد إدغامها و هكذا أصبح الرز بعد التحرير تمناً ، لكن الشيخ جلال الحنفي و الباحث هادي العلوي اللذين أمضيا بالتعاقب ردحاً من الزمان في الصين يعتقدان أن تسمية التمن صينية ، الصينيون أيضاً مولعون بالرز مثلنا ، لكن بحبة قصيرة القامة مثل قاماتهم و نحن نميل لحبة طويلة هي الحبة الباكستانية بعد أن تنكرنا لعنبر المشخاب الأسمر الجميل شهي الكبرياء عبق السحر ذو الحبة المربوعة مثل قاماتنا ، فأهملنا مزارعه فيما أهملنا .

أياً كان أصل الكلمة فالتمن هو السيد المذكر للمائدة العراقية الى جانب سيدتها المرقة ، من الواضح أننا نربطها بتاء التانيث لتكون مرقة لا مرق اذ لا يجوز أن يتسيد المائدة ذكران .

اذا كنت سائحاً وقصدت مطعماً شعبياً في بغداد لا تعجب عندما يعدد لك النادل أنواع المرق و لا يعدد أنواع الرز ، فالرز ذكر شرقي كلمته واحدة لكن النادل يذكر الأنثى باسم الدلع فالفاصولياء ( يابسة ) و البطاطس ( بُتًيتة ) أما الباذنجان الذي كان أيام الحصار السيد الأوحد حاملاً لقب وحش الطاوة لا لبطولاته لكن لرخص ثمنه فقد لبس عباءته السوداء بعد الإحتلال وانضم لحريم السلطان و اخترنا له اسماً ( أسوداً ) بلون عباءته .

التمن و المرقة دخلا ساحة الحروب و المعارك بعد الإحتلال ، عفواً التحرير ( الأمريكي هذه المرة ) وصار لهما تاثير في التقاليد العسكرية أيضاً ، آمر الوحدة العسكرية عندما يتناول طعامه مع ضباطه في بهو الضباط يصر على أن يضع النادل ( المراسل بالتعبير العسكري ) المرقة عن يمينه و الرز عن يساره لا لضرورات إتيكيت الطعام لكن لاعتقاده أن المرقة ( رغم أنها أنثى ) أقدم من الرز الذكر ، و في السياقات العسكرية المعروفة أيام كان الجيش جيشاً كان الضابط الأقدم و الأعلى رتبة يقف عن يمين نسق الضباط ( الترتيب الافقي ) ، الآن صارت المرقة هي الضابط الأقدم و على المراسل أن يضعها على اليمين عندما يصف الصحون . لفتة في غاية الذكاء لجيشنا الجديد و تطوير مهم للخطط العسكرية لو أن صحن المرقة يبقى الى اليمين حتى نهاية الوجبة ، لكن الطريقة العراقية لتناول التمن و المرق المتعبة لا تسمح بذلك إذ تقتضي أن تغترف بملعقتك بعض المرق ثم تنحو بها يساراً حيث صحن الرز فتخلطها و تقلبها عدة مرات كما يخلط الإسمنت بالرمل قبل أن ترفعها وتدسها في فمك و تكرر العملية عشرين أو ثلاثين مرة بحسب سعة صحنك أو سعة صدرك ، ما يحدث و يعكر صفو اصطفاف نسق الصحون حسب السياق العسكري أن آمر الوحدة ينفذ صبره قبل ان ينفذ صحنه فيتعب من هذه العملية المملة ويرفع صحن المرق ليصبه فوق ما تبقى من الرز و ما أن يقوم بهذه العملية حتى يقلده جميع الضباط مشمرين عن سواعدهم السمراء ملقين ملاعقهم خلف ظهورهم على الطريقة الروسية بالقاء الكؤوس فتسود الفوضى ساحة الطعام كما تسود ساحة المعركة و تفشل خططنا.

لماذا لا يعتلي الرز مرقته من اول لقمة بحسب الطريقة التقليدية أو أن تعتلي هي صحن الرز فنأكل في صحن واحد بدل هذا الدوران و الإيقاع الممل لخطواتنا و الفشل المستمر لخططنا في جلسات التفاوض كما في ساحات القتال ؟
——————–
*كاشير وسخينة و تبيت و صبيح أسماء أكلات يهودية ، يوشع و ناحوم و العزير وحزقيال أسماء أنبياء يهود

المقال السابقمن جلال ثورتنا النوفمبريّة المجيدة
المقال التالىبنود الحرية
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد