رحيل

 

كان ذلك صباح يوم الخميس ٢٤/ ٨ /٢٠١٧ حين قررت الخروج من منزلها دون عودة . كانت قد هيأت كل شيء مسبقا وبالخفاء دون علم زوجها واولادها . جمّعت المال من اجل تذكرة الطائرة ومصاريف الرحلة الى حيث الحلم ،مدينة ميلانو الايطالية. الصباح اوشك على بث خيوطه الأولى نحو نافذة غرفة النوم ،انزلقتْ بهدوء من السرير وفتحت الخزانة ، لايلزمها سوى بضع قطع من الملابس، وما هي بحاجة اليه حقا هو الكثير من الاوراق والاقلام ، تلك التي قررت شرائها من هناك . حيث ستجلس في احدى المقاهي الهادئة وتبدأ كتابة روايتها التي الحت عليها طويلا وظلت ترن مثل ناقوس في كنيسة يحثها لبدء قداس خط حروفها . انسلت خارجة من أروقة وغرف وهواء ويوميات البيت وتفاصيله المؤرٍقة وأغلقت الباب بهدوء ومضت .
هاهي الطائرة تحلق وكأنها تراقص الغيم بينما يدغدغ روحها قرب الوصول الى حيث الهدوء والسكينة . مرت ساعات الطيران سلسة، فقد اجج الحلم صبرا غير اعتيادي . اما الشغف في تنشق هواء الحرية كان يضمر الكثير من الأفكار لتولد هناك على الورق ، وتبدأ اولى خطوات مسيرتها بعيدا عن السخرية والطاقة السلبية التي كان الزوج والأولاد يحيطونها بها ،( انت لا تملكين إمكانيات لا في الكتابة ولا في غيرها ، اهتمي بأمور بيتك واولادك هم أولى بالرعاية والاهتمام ) هذا ماكان يقوله لها الجميع . غير ان ارادتها كانت اقوى وقناعتها بموهبتها واثقة . لذا كان لزاما عليها ان تبدأ ، تبدأ بعيدا لتحقيق حلمها . ( امنحوني الوقت وقليل من الهدوء للتأمل ) وهذا بالذات زاد من ضغطهم وطلباتهم ومشاكلهم . وها قد قررت قرارا دون رجعة ، وهي الان على بعد لحظات من تحقيق حلمها . اول ما فعلته حين وصولها هو الذهاب الى ذلك الفندق الذي رأته في احد البرامج المتلفزة عن اكثر الأماكن هدوءا في العالم وقد حجزت فيه غرفة عبر الانترنيت . وصلت ،وكل شيء على مايرام ،وهي الان في الغرفة رقم تسع وستين. وفي الفندق ذو الطوابق الثلاثة في حي هاديء والى جانبه مقهى صغير ( هنا .. ) قالت في نفسها وخفق قلب الحبر ودواته .
في شرفة الغرفة جلست تتامل الصمت وتمرر اصابعها على الزهور والنباتات الخضر وهي في أصصها كربيع نادر وبهي ، تعب من الهواء النقي ما استطاعت . لاحظت وجود مكتبة امام الفندق . يالها من لحظات ثراء عظيمة . وغواية الكتابة وانطلاق الخيال بمثابة قفزة من عالم قاس متصلب الى عالم سماوي . تناولت الطعام الذي طلبته في غرفتها ،استلقت على السرير واراحت جسدها المثقل بالخيبات والحلم معا . كان الوقت العاشرة صباحا حين نظرت الى ساعة الهاتف وضبطت المنبه فيه لساعتين ثم اغمضت عينيها . ما الذه من حلم، قريبا ستكون احدى طاولات ذلك المقهى مسرحا لشخصياتها المجنونة واحداث روايتها المرتقبة فقط بعد ان ينتهي الجسد من إعادة البرمجة وتجاوز النقاهة . ساعتان من السلام مرت، رن الهاتف معلنا بداية روح حرة جديدة في زمان ومكان جديدين . فتحت عينيها، شرارت بريقهما تناثرت مثل نجوم في السقف ،فتحت عينيها على وسعهما ورأت المروحة السقفية وهي تدور بسرعة كسرعة خفقات قلبها . ظلت تحدق فيها واستغرقت حوالي الخمس عشرة دقيقة لتتأكد من معرفتها لهذا السقف الذي تتمدد تحته، وايقنت لحظتئذ انها ما تزال في سريرها، في غرفة نومها، وصوت البائع المتجول في الخارج ينادي ( أجهزة مستعملة للبيع ).

لا تعليقات

اترك رد