الانحطاط الثقافي العربي .. سقوط أم صيرورة ؟ – ج 4/5

 

– تنتشر في الساحة الثقافية العربية نظرية الأحادية، وهي ليست نظرية جديدة، لكن مفاعيلها السلبية بدأت بالتبلور والتأثير على قطاعات واسعة من المثقفين خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وهي نظرية لاتؤمن بالكلية في نظرتها التاريخية للأحداث، وتقر بدلاً عن هذا بفلسفة التخصيص والتجزيء، ولاترى الأحداث في سياقها التاريخي على أنها تراكمات بينها ترابطاً عضوياً ويحكمها قانون واحد لايتجزأ وهو التاريخ العام للبشرية.

إن من أبرز النتائج الكارثية لهذه النظرة الأحادية أن انقسم المفكرين في العالم العربي، بل انقسم جيلاً كاملاً بين فريقين، الأول انحاز إلى الماضي على اختلاف عصوره، ورأى أن الطريق الوحيد أمام العرب هو العودة إلى ماكان يفعله الأجداد، وإلى أنماط الحياة السابقة في الاقتصاد والسياسة والحكم، وفريق آخر اختار الحاضر الراهن، واختار الأفكار المعاصرة وأشكال الحياة الحديثة، ورفض رفضاً قاطعاً كل ما له صلة بتركة الماضي، بينما الحضارة العربية بل الحضارة العالمية الإنسانية هي نتاج مكونات متعددة، ساهمت في صنعها شعوب مختلفة وأجيال متعاقبة وثقافات متنوعة، تأثرت فيما بينها وأثرت في بعضها البعض، وكان من الممكن أن يشكل هذا التنوع مصدراً للثراء المعرفي والغنى الثقافي، بدلاً من تحويل الساحة الثقافية العربية، إلى ميدان حرب بين أنصار السلفية وأنصار الحداثة، وهي معركة سببت وما تزال بؤس لكل مكونات الأمة العربية بأسرها، فالنظرة الأحادية مرض يجب الانتهاء منه، فهي نظرة تنم عن جاهلية ضيقة، ولا تقبل بوجود الآخر، فهي أوضح تجسيد لمقولة -من ليس معي فهو ضدي- وهي بطبيعة الحال نظرة لا تعبر عن فكر متحضر يسعى للتطور.

سادساً-هناك ظاهرة أخرى مهمة تشكل واحدة من معيقات التطور الثقافي، وهي قضية عدم وضوح الأهداف في الحركة الثقافية العربية بالرغم مما يبدو ظاهريا عكس هذا الاستخلاص، فإن الثقافة وحركة الفكر الإنساني بشكل عام تكون قادرة على النمو والتطور بمقدار اقترابها وملامستها لأهداف واضحة ومحددة، فالتكوين الثقافي لأي مجتمع لابد من أن يضع نصب عينيه معالجة مشاكل المجتمع، فمن المهم جداً أن تشعر كافة شرائح المجتمع بأن الحركة الثقافية تخدم مصالحها وتقترب من همومها، فإن شعر الناس أنهم جزء مهم من المشروع الثقافي السياسي والاقتصادي الاجتماعي يصبحون مواطنين فعالين، لأن الثقافة تخدمهم وتحقق مصالحهم، وبذلك ينخرط الناس في عملية تغيير الواقع بهدف تطوير وتحديث المجتمع ، وهكذا تتم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكبرى لأسباب تنبع من قناعة الناس والمجتمع وحاجاتهم المادية والمعنوية ولاتفرض قسراً عليهم.

إن مهمة الفكر والثقافة هي مهمة مزدوجة كما نراها، السيظرة على الطبيعة وتفسير الظواهر الطبيعية بشكل علمي، ومحاربة النظريات الغير علمية، وبناء المجتمعات البشرية وتطورها ووضع الخطط والآليات وفق مناهج علمية محددة من جهة ، ومن جهة أخرى القيام بتنظيم العلاقت الاجتماعية الانسانية، والعمل على إشاعة الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق قيم العدل والمساواة، وقيادة مشاريع التنمية الأجتماعية والاقتصادية بما يحقق رفاهية الفرد.

فماذا نفعل نحن في العالم العربي إذا كان التخلف المنتشر في بلداننا والجهل والنسب العالية من الأمية والتسرب من المدارس يجعل من المهمة الأولى للفكر والثقافة مهمة غاية في الصعوبة، فإن التقدم المادي والتطور التقني يمكن أن يصيب المهمة الثانية للفكر في مقتل، ففي مجتمعات مثل مجتمعاتنا، يعيش فيها التخلف مع بعض التقدم جنباً إلى جنب، تبرز ضرورة ملاحظة نوعين من القيم، قوانين الحركة والتطور والتقدم المادي، وقوانين تنظيم نوعية العلاقات الاجتماعية بين الناس، لأن أي فكر لايؤدي إلى خدمة قيم أخلاقية محددة مثل احترام قيمة العمل بحد ذاتها، وضرورة اتقان العمل أياً كان نوعه، واحترام المواعيد … الخ هو فكر متخلف يعيق التطور الفكري ولا يخدم الثقافة، ومن جهة أخرى فإن أي إنتاج فكري وثقافي لا يلحظ ولا يأخذ بعين الأهمية قضايا جوهرية مثل قضايا الحريات العامة، وفصل السلطات عن بعضها، وضرورة احترام القوانين وعدم تجاوزها، هو فكر عبثي يهدد التطور المجتمعي، ومن هنا يمكن ملاحظة الأهمية الكبيرة لمعالجة هذه القضية ومقاربتها بواقعنا العربي الراهن، بدلاً من أن نستهلك طاقاتنا الفكرية في تغذية روح العراك والجدال بين الفكر ونفسه .

سابعاً- عدم ممارسة النقد والنقد الذاتي، وذلك لأننا شعوب انفعالية وعاطفية بالفطرة والتربية والسلوك، ولدينا نزوع نحو التفسير الغيبي للظواهر من دون الالتفات نحو الأسباب والمقدمات التي تؤكد عليها التعاليم الدينية، ومعظم الشعوب العربية تعاني من ذهان لايرى الأمور إلا في اتجاهين، إما أنها أهداف سهلة التحقق، أو أنها أهداف مستحيلة، وكذلك من الأسباب التي تعيق النقد في الواقع العربي، الأنانية والفردية والعدائية والميل إلى المبالغة في الأشياء .

إن عملية النقد هي عبارة عن مراجعة مستمرة للفكر والثقافة بهدف التقويم والإرتقاء، ولكن في العالم العربي كثيراً ما ينشغل البعض بتوجيه النقد للشخص وليس للفكرة، فيتم التشهير بالأشخاص وينشغلون عن الهدف الرئيسي .

إن مهمة النقد الفكري والثقافي هي إعادة تنشيط حيوية الفكر وتصويبه وتطهيره من الأخطاء والإنحرافات والخروقات وكافة أشكال الفساد والتعطن الفكري، وإعادة بناء وضياغة الثقافة بما ينسجم مع واقع الحياة، ومن دون عملية النقد والمراجعة فإن الفكر والثقافة تتحول إلى فعل رتيب وممل ثم يصيبها الجمود والتحجر ثم الإنهيار.

وفي غياب التفكير النقدي تغيب الصرامة في النقد وتطغى المجاملات في المشهد الفكري والثقافي، وتحل سياسة اللف والدوران حول الأفكار، ويؤدي إلى التخندق الفكري وظهور النزاعات وانتشار فلسفة التبرير الغير علمي في مواجهة النقد الحر الذي هو شرط رئيسي من شروط الديمقراطية الفكرية التي يجب أن تلازم المشهد الفكري والثقافي في الدول العربية .

لقد ارتبط النقد بعصر التنوير والمبادئ التي رفعها في التحرر والتقدم، وهذا شكل بداية مرحلة جديدة برز فيها الدور الهام للنقد ودوره ووظيفته في تطوير المعرفة الإنسانية، وحينها تم حمل شعار أن كل شيء ينبغي أن يخضع للفحص النقدي لرفضه أو قبوله، ومنذ ذاك الوقت اكتسب النقد قوته الحقيقية في تطور المعرفة ونقد مضمونها وليس شكلها .

إن ممارسة النقد لمحاولة فهم الفكر ومن ثم فهم العالم ومحاولة تصويبه أو تغييره، يقوم بتحقيق تهيئة الوعي الجمعي والفردي بأهمية دورهم وفاعليتهم في إعادة الإعتبار إلى الذات المنكسرة، واستنهاض الطاقات والمقدرات الإبداعية الكامنة لكشف مواضع القوة والضعف وتحريض الناس لرفض مايكبل حرية الفكر والثقافة وتقدمهما، فالنقد هو جدل العقل وممارسته تستوجب تأهيل الفكر لممارسة النقد للذات وللآخرين بحرية دون ضغظ وإكراه لأن جوهر النقد هو الحرية .

ثامناً- التخلص من التبعية بكافة أشكالها وألوانها وأنواعها وعلى كافة الأصعدة المتداخلة والشائكة، فما التبعية إلا عبارة عن مجموعة من العلاقات السياسية الاقتصادية الفكرية تشكلت تاريخيا وتدريجياً بعد انتهاء فترة الإستعمار المباشر في بلادنا، تهدف إلى الحفاظ على الأنظمة السياسية المتخلفة التي تدين بالولاء للغرب، ومحاربة أية محاولات من قبل أطراف حركات التحرر التي تسعى نحو تحقيق استقلال وطني حقيقي لبلدانها، ومحاولة سلخ شعوب المنطقة عن هويتها الحقيقية وانتماءها وعزلها عن تاريخها وعن واقعها أيضاً ومحاولة هدم حضارة هذه الشعوب من الداخل .

ولعل الأسباب الحقيقية لهذه التبعية الثقافية لدى العديد من النظم والأنماط وكذلك المفكرين هو الاغتراب عن الذات والقطيعة مع المكونات المضيئة في تاريخنا، ومن ثم وقوع النخب الفكرية والثقافية العربية في شراك الاستشراق وتبني موقف الغرب المشوه من المشرق ومكوناته ، وهو أمر وصل بالبعض إلى تأييد الوصاية الثقافية والعلمية من قبل الغرب على بلداننا .

الملاحظ أن الرعيل الأول من مفكري النهضة لم يتسنى لهم معرفة الظاهرة الاستعمارية على حقيقتها، ولكن في مرحلة الجيل الثاني مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، تبلورت مخططات الغرب، ولكن المقاربات التي أجراها هؤلاء النهضويين العرب من الجيل الثاني والثالث كانت مقاربة أيديولوجية وليست معرفية علمية، لأنهم كانوا منشغلين أكثر في تعبئة الجماهير واستنهاض الهمم من أجل زج طاقات الشعب في معركة التحرر

لا تعليقات

اترك رد