لو أن كرة صلاح في العارضة!


 

كُلنا تابعنا ضربة المونديال، في الوقتِ الضائع، اللحظات الأخيرة، صافرة الحكم تَحبس معها الأنفاس، ركلة جزاء، تصويبة العُمر، انتظرنا الفرصة منذ ثمانية وعشرين عامًا، أطفالًا صاروا صبية، وشبان غدو رجالًا، وآخرون كثر بين الأربعين والخمسين، الجد والجدة والأحفاد من حولهم، حُلم أجيال توالت وكبرت وهرمت، تسديدة واحدة تُعيدنا للمجد، تُسعد معها الملايين، وتنهي لعنة هدف مجدي عبدالغني، من ذاتِ نُقطة الجزاء.

أمسكَ صلاح الكرة، حدثها.. تحسسها برفق، تغزل بها، قبلها دون أن تلتقطه العدسات، ليضعها في قلب البقعة البيضاء، ساكنة، هادئة، في داخله استقر على الزاوية اليمنى، الحارس الكونغولي حاول أن يقرأ أفكاره، نظراته، ومن حولهما.. كُل العالم يترقب، صمتٌ وصخب، ضجيجٌ وسكوت.. أملٌ ودموع.

مسكين صلاح… أي رهانٍ هذا، أي موقف وضعك فيه القدر، إن سجلت، تصبح بطلًا يتغنى به الجميع، وإن أخفقت، لن تسامحك الجماهير، سيذهب ماضيك في لحظة، ستهاجمك الصحف، ويحملوك خيبة آمالهم، سيقولون أن من ألهمنا بالحُلم.. أضاعه، ليعود معها الكابتن مجدي، ليتغنى بتلك السيمفونية المملة، الرتيبة.. الكئيبة.. لسنواتٍ أخرى.

في هذه اللحظات، قُلت في داخلي، ماذا لو سدد صلاح نحو المرمى، فتضرب كرته العارضة، سيكون الأمر أكثر إثارة، سنعض على شفاتنا، أفواهنا ستفتح عن آخرها، سنكون بين كرة ترتد باتجاه صلاح، لتمهد له فرصة أخرى، وبين كرة تذهب إلى البعيد، لنبتعد أكثر، وتذهب كُل الجهود.. سُدى، أهناك أصعب من هكذا تحدي.. تفوز بكل شيء.. أو تخسر.

كيف بعد كُل هذا المضي، أن تأخذنا الحياة إلى فرصة واحدة، ليهمس لنا هاملت، تكون أو لا تكون، عندما أتسلى بألعاب الفيديو، وأنتقل لمراحل مُتقدمة، وأخسر، أعود إلى بداية اللعبة، بينما لا أنهض من مكان سُقوطي، الأمرُ أشبه بأن تتلهف لمقابلة من تحب، ترتدي أجمل ما لديك، تشتري الحلوى والهدايا، تستيقظ مبكرًا في ليلةٍ لم تذقْ فيها النوم، تقطع طريق طويل، لتصل في النهاية، لتجد من تحب.. قد اعتذر عن اللقاء.

كم مرة وقعنا في هذا الرهان، وردت أحلامنا عارضة، بعد أن كنَّا على بُعد خطوة.. لنعود إلى مشوارِ الألف ميل، بعضنا استسلم، وآخرون أحبوا التحدي، أضحكُ كثيرًا عندما أتذكر أنني أطبخ في ثلاث ساعات، وأقُضي مثلهما في غسلِ الصحون، من أجل وجبة طعام.. أَتناولها في عشرة دقائق.

انطلق صلاح نحو الكرة.. بصوت المُعلق مدحت شلبي.. يسحب ريقه لداخل.. بسملة بنكهة الرجاء “يلة يا صلاح” تسديدة.. بوووم.. تهتزُ الشباك.. ومعها تشتعل المدرجات والشوارع والمقاهي.. صافرة الحكم.. مصر في كأس العالم.. النهاية. “الله يا بلدنا الله”.

لا تعليقات

اترك رد