نكرة : نعتٌ سِحري

 

صوتُ الهاتف المحمول يصدحُ رنينه بأرجاء غرفة تلك البنت الخائفة، التي اتخذت من أضفارها مُلهيةً بأسنانها لتترجم قلقها من الرد على المتصل.
– حنين! ما بكِ؟ ألا تسمعين ضجة هاتفكِ
نظرت صوب أختها وكأنها لا تبصرها. عقلها مخطوف منها بارتباك.
ابتسمت شهد بتهكُّم مستأنفةً كلامها:
– اها.. هو إذن؟ أمر عادي. ردي عليه واستقبلي وابل السب والشتم ومن ثم ابكي واندبي حظكِ العاثر. وحين يسمح له مزاجه المريض بالرد عليكِ برري له أفعاله من دون أن يكلِّف نفسه بالطلب حتى.
أخفت رأسها بين يديها وركبتيها المنثنيتين وهي تتلعثم في حروفها قائلةً:
– أحبه يا شهد! وأخاف فراقه. سأموت إذا فكَّر في تركي.
– لن تموتي صدقيني. إنَّ ما يجعلكِ تظنين هذا هو الفراغ الذي يجعلُ منكِ أسيرة انتظاره ورده عليكِ – إن تكرَّم – اصنعي ذاتكِ واجعلي لنفسك سوراً حصيناً. من أراد أن يصلكِ عليه أنْ يعبر السور أو أنْ لا يعبر.
– يا أختي! افهميني.. إنه ذاتي وكياني صد….
– كفى!
قاطعتها شقيقتها الكبرى وكأنها لا تريد لأختها غير المكانة التي تستحقها. لكنها لا تعرف ولا تعلم كيف لها أنْ تفيقها وأنْ تجعلها تصحو من سُبات الكرامة العميق.
ثم مسكتْ الهاتف بعد أنْ عجز عن إيجاد الرد وراحتْ تلوُّح به وتقول لها:
– هاكِ.. هيا اتصلي بهِ وتوسلي إليه وقولي لهُ إني سأموت اذا تركتني، وإن فشلكِ في دراستكِ وإثبات ذاتكِ فداء لحُبكِ الأعمى له. هيا!
قالت حنين والدموع أحرقت وجنتيها:
– نعم.. سأتصل وأقول فلا كرامة بين المحبين.
رنين – رنين – رنين
– هلو
– هلو… أأأأنا آسفة لأني جعلتكَ تغضبُ مني لفشلي في أداء امتحاناتي الدراسية.
– أمر عادي. لا يهم إنْ فشلتِ أو تفوقتِ.
– صحيح؟!!
ابتسمتْ وكأنَّها تلتمس مواساة ًلفشلها ومسكناً لتأنيب الضمير المُلقن.
– نعم صحيح فـ(النكرة) لا يفرق معها شيء.
– نكرة؟!!!!
توووووووووووووووووووت.
– عليَّ! لماذا قلتَ لها هذه الكلمة؟! انها جارحة وحتماً أحزنتها.
– أعلمُ يا صديقي. لكنني أعرفُ حنين جيداً سوف تُحارب المستحيل لتثبت العكس، وهذا ما أريدهُ.

– صخبٌ عالٍ وأصوات متداخلة يكاد لا يُفهم بأي لُغةٍ تنطق. رجُل خمسيني يتوسط المسرح ويتناول مكبر الصوت بيمينه ليبدأ بتحية الحاضرين… ليستطرد في كلامه قائلاً:
– لنا ضيفة خطَّتْ من جروحها حروفاً أنارتْ ظلمة دربٍ قد تعثَّرتْ فيه مراراً وتكراراً إلى أن اصبح اسمُها لامعاً في سماء النجوم والشعرِ والأدب.
سنتان ونصف، هو الوقت الذي استغرقته للوصول إلى أسماع العديد من المهمين، لتخرج من تحت أناملها روايات وأشعار ومجموعات قصصية قد نالتْ وافراً من واقعية حياتها.
ثم صدحتْ نبرتهُ عالياً ليقول:
– رحبوا معي بالأديبة العربية (حنين).
ضج المسرحُ تصفيقاً وتحيةً لثقةِ خطواتها رغم التعثر بأذيال ثوبِها خجلاً.
ابتدأت كلمتها قائلةً:
– للكلماتِ سحرٌ. تجعل من الميِّت كصرحٍ شامخ حي. ولعلَّ صرحي لم يحظ بسحر تلك الكلمات. فأماتت فيَّ فرحةً بيضاء كادتْ أنْ تكونَ بدايةً لنهايتي، فصنَّفتها بنعتٍ سحري، وتركتُ لهم عند أول إنجاز صفة النُكران تلك.. فأنا اليوم (حنين).

لا تعليقات

اترك رد