الغيبة الكبرى

 

تقول احصائيات الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات انه تم تسجيل حوالي 7000 حالة ادمان على المخدرات يوميا في العراق وان هذا العدد لايمثل 10% من العدد الفعلي ، وهذا يعني ان نسبة كبيرة من العراقيين يمكن ان يكونوا غائبين عن الوعي في فترة ما من الزمن ..وان جيلا كاملا من الشباب مهدد بخطر الاستسلام لسطوة المخدرات على جسده وصحته وسمعته ومستقبله كله ..
كلنا يدرك ان السبب الذي أدى الى انتشارتجارة وتعاطي المخدرات في العراق هو الانفلات الامني وضعف الرقابة على المنافذ الحدودية واستغلال ارتفاع مستوى القدرة الشرائية لدى المواطنين بعد عام 2003 فضلا عن غياب الرادع القانوني خاصة بعد ان ازدهرت التجارة المميتة برعاية وحماية بعض المتنفذين وصار القبض على مجرم يتاجر بالمخدرات لايحقق الغرض منه في ظل تدخل احد المسؤولين او وجهاء العشائر لاخراجه من السجن وقد يتم الزام العنصر الامني الذي القى القبض عليه بدفع فصل عشائري !!
بهذه الطريقة ، صارت السبل متاحة لدخول المخدرات بوفرة الى العراق وانتشارها بين الشباب في المقاهي والمدارس والجامعات ، وصار البعض يجد فيها ضالته للابتعاد عن الواقع المرير الذي يعيشه والتحليق في عالم وردي للحظات دون ان يدرك انه يفقد خلال هذه الرحلة الممتعة بالنسبة له صحته وماله وتوازنه النفسي واستقرار حياته ويضع قدمه على عتبة الضياع الحقيقي ، والجرائم التي نتجت عن تعاطي المخدرات من قتل وسرقة وارهاب تعطينا دليلا على ذلك اضافة الى حالات الانتحار التي تفاقمت أيضا وكان الدافع اليها في اغلب الاحيان عجز الشباب عن الاستمرار كمدمنين مغيبين عن الحياة الحقيقية فهم لايعون غالبا مايصدر عنهم من سلوكيات ويختارون الهروب من الحياة برمتها احيانا ..
قبل عام 2003 ، كانت العقوبة القصوى لتعاطي المواد المخدرة وترويجها تصل الى الاعدام ، وبعدها عام 2003 ، صارت عقوبة التعاطي 1-4 سنوات ، ثم تغيرت في عام 2017 الجاري لتكون العقوبة علاجا صحيا ونفسيا في المصحات للمتعاطي فقط والحبس مابين 5-15 سنة لتجار المخدرات وهذه العقوبات ليست رادعة كفاية سيما وان مستشفياتنا قاصرة عن استيعاب اعداد المدمنين وخالية من الوسائل الكفيلة بانقاذهم صحيا ونفسيا ..
شبابنا اليوم يعيشون غيبة كبرى تنقلهم من حالة الشعور بالضياع في بلد لايوفر لهم ابسط حقوقهم من فرص عمل وتعليم وسكن لائق وأمان ورعاية صحية الى حالة من الضياع الحقيقي فلو توفرت لهم تلك الحقوق لفضلوا الالتصاق بأرض الواقع والمساهمة في بناء البلد ..لكننا نفقد الدعامة الاساسية في بناء المجتمعات وتطور البلدان بخضوع شبابنا للادمان على المخدرات وتضيع الطاقات الشبابية بين حالات الخنوع واليأس وربما الموت المحقق !!

المقال السابقالسياسة واللغة المسرحية
المقال التالىلكي يكون النقد فنا ثامنا
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد