السياسة واللغة المسرحية

 

ان اللغة المسرحية واسعة حيث هناك لغة النص الادبي . ثم اللغة الفنية للمخرج اي الطريقة التي يراها المخرج للنص الادبي لكي يحولها الى مسرحية . ولغة الممثل وهي التي تتعلق بالحركات الايمائية وطريقة تلفظه للعبارة لنقلها الى المتفرج او المتلقي . والتي يجب ان تتصف بالوضوح لنقل المعنى او الفكرة المطلوبة الى المشاهد . ويقول جورج اورويل ان الكتابة الغامضة هي دليل النفاق . وكان يعتمد على العمل السياسي المباشر والواضح للرواية

ان ما دفعني للحديث عن هذا الموضوع هو تصريح احدى الممثلات العراقيات من جيل السبعينيات والثمانينيات من ان النظام السابق كان يمنعهم من تقديم عروض مسرحية بلهجة المدن العراقية الجنوبية

ان هذا الموضوع مهم جدا ويتعلق بسياسة الدولة من ناحية اللغة او حتى اللهجة . اي كيف تتعامل الحكومة مع هذه اللغة او اللهجة المحلية . ويرتبط مفهوم سياسة اللغة ، بلغة المخاطبات الحكومية اولا . ثم تبني هذه اللغة او اللهجة من قبل السياسيين لضمان التواصل مع الجمهور لفهم السياسة المتبعة بسهولة ويسر . وكذلك استخدامها في المجالات الاجتماعية والثقافية العامة ومنها المسرحية

في دول العالم اجمع هناك لهجة معينة ينظر اليها على انها شكلا متطورا او صحيحا للمخاطبة وخصوصا في المجالات الثقافية والمسرحية
ويحضرني هنا اهل مدينة باريس ، العاصمة الفرنسية الذين ينظرون باستنكار او عدم ارتياح عندما يسمعون لهجة مغايرة للهجتهم وخصوصا اهل مرسيليا او بعض المدن الجنوبية الذين يلفظون الراء راء” وليس بحرف الغاء ( غ) وهم يعتبرون انفسهم اكثر تحضرا ومدنية من الاخرين
كما وجدت في هولندا ان هناك كثير من اللهجات حسب الاقاليم او المحافظات . حتى اصدرت وزارة التعليم منشورا يدعو المدارس الى حث اولياء امور التلاميذ للتحدث باللهجة الشائعة في بيوتهم لتسهيل عملية التدريس وتفهم الطلاب للدروس . ولتحقيق التواصل الاجتماعي والانسجام بين الطلاب في المدارس

لقد حصل خلاف كبير حول استخدام اللغة الفصحى او العامية في العروض المسرحية . وقد ذهب فريق الى تبني اللغة العامية القريبة من الفصحى
والغاية من كل هذه الاراء هو تحقيق اكبر قدر من الانتشار والشهرة التي يطمح اليها كل مسرحي . وتوسيع الرقعة الجغرافية لعرض المسرحيات على اكبر عدد ممكن من الجمهور وصولا الى المسرح العالمي . وتعتبر اللغة من اهم المحددات في هذا المجال
اننا نشاهد احيانا مسرحيات من المحافظات ولكننا على سبيل المثال لانفهم المسرحية باللهجة الموصلية او باللهجة الريفية لمحافظة ميسان . ولذلك تكون مثل هذه المسرحيات محلية لاتحقق الانتشار المنشود لها . واذا اراد المخرج عرض مسرحية ذات بيئة ريفية فبامكانه استخدام بعض الكلمات الدارجة المعروفة وعلى نطاق ضيق حتى لايخل بموضوع وهدف المسرحية

ان النظام السابق قد امتد على سنوات طويلة تجاوزت الثلاثين عاما . وكان هناك علماء ومسرحيين ومخرجين وفنانين معاصرين اسهموا اسهامات ممتازة في تقدم وحداثة العلم والادب والفن . ولايمكن وصم تلك الفترة بانها فترة بعثية او صدامية مرفوضة . ولا يمكن اعتبار كل الانجازات السابقة على انها فاشلة او مظللة او تسييسها . لان المجتمع يتطور ويتقدم بذاته ، اضافة الى تشجيع الدولة لهذا النمط من التطور والتقدم
ان التأكيد على عدم استعمال اللهجة الريفية في المسرحيات العراقية هي فكرة صائبة للاسباب التي اوردناها . واهمها تسهيل التواصل مع الجمهور بلغة مفهومة وتحقيق الانتشار المطلوب . وان الفنانة التي انحازت الى لهجتها المحلية قد جانبت الصواب . وربما ارادت ان تظهر نفسها بمظهر المضطهد من النظام السابق كوسيلة من وسائل المحاباة للنظام الجديد الذي لم يتميز باي دور خلاق سواء في الثقافة العامة او المسرحية . لا بل انه عمل ويعمل دوما على اشاعة تحريم الفن والمسرح على اعتبار انه مفسدة للشباب وذلك للظهور بمظهر حامي التدين وهو ابعد مايكون عن الدين الحقيقي

ان اللغة او اللهجة الشائعة المستخدمة في المسرحيات بالاضافة الى انها تسهم في توسيع وانتشار نطاق المشاهدة المسرحية . فانها تعتبر ايضا عاملا مهما للوحدة الوطنية لاي دولة من الدول ولعل اللهجة البغدادية هي اكثر اللهجات العراقية فهما للجمهور العراقي لكون بغداد تمثل العاصمة التي تتواجد فيها الحكومة والمؤسسات التعليمية والفنية الكبيرة وكذلك تتوافر فيها التقنيات المسرحية والوسائل المتقدمة في العروض . اضافة الى توفر دور العرض والمسارح على نطاق واسع

وخلاصة القول ان استخدام اللهجة البغدادية في المسرحيات العراقية تعد من عوامل الجذب والانتشار على عكس اللهجات العراقية المحلية الاخرى التي تسبب ارباكا وتحول دون وصول الفكرة او المغزى من المسرحية الى المتلقي وتقف عائقا امام تمتع الجمهور بالعمل المسرحي

لا تعليقات

اترك رد