لماذا؟ .. خبيئة العارف – ج 2ـ1


 

يتسع العالم أكثر كلما مُدت جسور الواقعي الآني إلى الماضي، وتذوب المسافة بين المكان والزمان بطبيعة الحال، ومن ثم يعلو ويرتفع المستقبل _ الثقيل _ هذا القابع في المجهول، ويتضح أمام الأعين ويبدو متأهبا للتفعيل والمعايشة أكثر دون مراوغة منه أو خوف يحوم حولنا. بتلك الحيلة الإنسانية يسقط عنا القلق المزمن والتوتر المصاحب لأفكارنا ليل نهار. على تلك العتبة يبدو لنا العالم أكثر هدوءا وتتبدل صفات الشخوص من حولنا من مصدر للإنزعاج والزعر إلى حالة دافئة من الونس!.

أتلمس في البناء الإبداعي المتماسك داخل المشروع الأدبي للكاتب الروائي والمفكر الدكتور عمار علي حسن سعيه الدؤوب لتحقيق وإنجاز هذه المصالحة بين تاريخ الإنسانية والعالم!، بتفكيك كل منهما وتجريده حتى العراء بأسلوب أدبي راقي يتأدب في لغته وأوصافه، ليعيد بناء الإنساني في العالم والعالم في الإنساني برومانسية يمكن أن أصفها بالواقعية أو التي تمشي ببطئ في اتجاه الواقع دون أن تخدش أو تخمش بحُلمها حضور الآنية أو رموزها.

في روايته الأخيرة “خبيئة العارف” والصادرة عن دار نشر “المصرية اللبنانية” يمد “عمار” جسوره إلى عالم الصوفية هذا العجائبي والسري للغاية من شرفته المطلة على تاريخ مصر المحذوف أو بمعنى آخر المتواري خلف التاريخ المشهور. ويحاول إعادة ترسيخ الثقة بين طرفي المعادلة (الإنسان/ العالم) حينما يثبت أن العالم والإنسانية قابلان للتفكيك أو بمعنى أدق قابلان لتفكيك المفاهيم الكبرى التي تشكلت عبر مشوار للـ “مصري” له سماته وخصائصه ومكوناته الثقافية الفريدة و أزمات وحروب وانتصارات.

رغم هذا الهم الإبداعي لا يكف “عمار” واتصور أنه لن يكف في أدبه عن وغز الأنظمة الدكتاتورية بالكلمات كما يفعل في مقالاته السياسية دوما، مع فارق السياق. ففي بداية “خبيئة العارف” والتي جاءت تحت عنوان “خطى العراف” تشكل البناء الدرامي والحوار حول مصطلح “الجالس على الكرسي الكبير” ليشير بالضرورة على السُلطة بصورتها القبيحة برمزية غير مشفرة أو ضبابية،وكأنه يعترف أو ربما يفسر مبدأ البساطة أو اللامغالاه في صك المصطلحات داخل أعماله الأدبية وخصوصا في سرديته الأخيرة. حيث غزل مفارقة رشيقة بفرض هيمنة السلطة في الواقعي وفي الحُلم!.

يقول في احدى فقرات الرواية:ــ “كان بالأمس جالسا أمام الناظر يضع إصبعيه في أذنيه وهو لا يكاد يصدق ما يسمعه، فقد عرف أن الجالس على الكرسي الكبير بات مشغولا بإخراج ما في باطن الأرض من كنوز، بعد أن فشل في توظيف ما فوقها لتجاوز الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد. تصرف على هذا النحو بعد أن رأى في منامه، وهو الذي يصدق ما يحلم به ويجري خلفه فور استيقاظه، رجلا يرفل في جلباب أبيض واسع، ويمسك عصا بيميناه، ويرفع يسراه نحو السماء البعيدة. كان يمشي على مهل، ثم يقف في أماكن يختارها، ويضرب قدميه في الأرض فتنفلق، وتخرج منها شرائح سميكة وسبائك ومشغولات ذهبية. تقف في وجه الريح، ثم تتمايل لترقص فرحا بخروجها من سجن الأرض إلى العيون، التي تتابعها في لهفة، والأيدي التي تمتد إليها محاولة أن تقبض عليها”. ما انتج في خلفية المشهد كوميديا سوداء يلتقطها البعض.

تتشابك الأحداث وتدور في فلك البحث عن خبيئة العزمية، ويكشف الراوي العليم عن ما تفيض به المكاتب المغلقة التي يقال فيها الكلام همسا، ويصف بلغته البليغة ما ترسمه الملامح على الوجوه، وكل ما تبوح به العيون وهي تلمع ببريق ذهب الشيخ الكبير “أبو العزائم” الدفين. يُسقط (الكاتب / الراوي)أقنعة المناصب الزائفة في رحلة البحث عن الكنز، وتضبط إرادته السردية إيقاع الأحداث التي اسرعت بشكل ملحوظ، وبدأت تطفو على السطح (شخوص / أبطال) الجزء الأول من الرواية كما لو أنها صُعقت لتوها بضربة برق في ليل احتله المطر الغزير!.

استدعى “الجالس على الكرسي الكبير” ناظر وقف البلد في الوقت الذي كان فيه “ماهر” حفيد الشيخ الكبير وزميله في العمل “عليوة” يرتعشان في مكتبه القابع في وزارة الأوقاف بالقدر الذي كان يشعر به الناظر نفسه، وهو يقترب بسيارة فارهة من باب قصر الجالس على الكرسي الكبير. والذي سبقه إليه الساحر المغربي الذي بدا عليه البهاء والمكر والكثير من الغموض. وانتهت المقابلات السرية جدا بتكليف الجميع بالبحث عن الكنز الدفين تحت منزل “أبو العزائم”، بعد أن استعان الناظر بأستاذ جامعي يدعى الدكتور “خيري محفوظ” الباحث في تاريخ التصوف والمتصوفه والطامع في منصب كبير في الجامعة.

من عرف مكان الكنز؟ وكيف حصل عليه؟ وماذا حدث بعد رجوع شيخ الطريقة العزمية من باريس؟، مازلنا في البداية ورحلة “خبيئة العارف” طويلة وأبطالها لا يهدأون. في المقال القادم سنصل للنهاية.

لا تعليقات

اترك رد