لكي يكون النقد فنا ثامنا

 

لا ريب أنّ موضوع العلاقة بين النّاقد والكاتب جدليّة تُناقش باستمرار في سبيل تحديد العلاقة بينهما، وبهدف إدراك أهميّة الحضور النّقديّ كمرافق للأعمال الأدبيّة حتّى يتبيّن القارئ العنصر الجماليّ في العمل من جهة، ويتبيّن الكاتب نقاط القوّة ونقاط الضّعف في إنتاجه الأدبيّ من جهة أخرى.

وممّا لا شكّ فيه أنّ النّقد عمليّة صعبة وتحتاج إلى الكثير من التّجرّد والتّركيز على البحث في النّصّ، بغضّ النّظر عن شخص الأديب. لكنّها تحتاج كذلك إلى حسّ جماليّ خاصّ يتمتّع به النّاقد يمكّنه من معاينة الجمال حتّى ذلك الّذي لم يعاينه الأديب نفسه. ولئن امتلك النّاقد هذا الحسّ أبهر القارئ والأديب معاً. فالنّقد لا يقتصر على البحث عن مواطن الخلل في النّصّ، وإنّما يجب أن يكتشف مكامن الإبداع ويسبر عوالم الأديب داخل النّصّ حتّى يبتكر إبداعاً خاصّاً يحرّره من النّظريّات النّقديّة ليصبح ناقداً فنّاناً، ينقد فيجسّد الجمال، فيبدع.

لا شكّ أنّ الأدب سابق للنّقد لكنّ العلاقة الكامنة بين الاثنين ينبغي أن تكون علاقة فنّيّة جماليّة. بمعنى آخر على الأديب أن ينجز عمله ويصمت، وينتظر أن يسبر أغوار نصّه ناقد فنّان متمكّن من حسّه الجماليّ ومن أدواته النّقديّة. وكلّما ترسّخت العلاقة فنّيّاً وجماليّاً برز النّاقد كرفيق حتميّ للأديب يكتشف جماليّات نصّه من جهة، ويتلمّس بدقّة الحالة الّتي سيطرت على الأديب لحظة صياغة العمل. قد يكون في هذا التّلمّس بعض من التّفاعل بين النّاقد والنّصّ ولعلّ هذا التّفاعل هو العنصر الأهمّ الّذي يبرز إبداع النّاقد. والتّفاعل يعني انجذاب النّاقد إلى النّصّ الأدبيّ دون أسباب محدّدة إلّا الانجذاب الجماليّ الّذي يظهر له إبداع الأديب قبل البدء في ولوج عالمه. على النّصّ أن يخترق النّاقد ويستفزّه جماليّاً أوّلاً، وهنا نكون بصدد الحديث عن النّاقد الفنّان والمبدع الّذي يحاكي إبداع الأديب ويخلق لغة إبداعيّة مدهشة، فالنّاقد مبدع كما الأديب، وكما يقول النّاقد المصريّ غالي شكري: “النّاقد العظيم هو المبدع الأخير للأدب”. فبالنّقد ينضح النّصّ الإبداعيّ جمالاً خاصّاً.

بالمقابل على النّاقد أن يستشفّ الجمال بحسّ خاصّ لا تقليديّ حتّى يبدع كما الأديب، فيكون القارئ أمام دهشتين، دهشة العمل الإبداعيّ ودهشة الإحياء الّذي أتمّه النّاقد. فأغلب الظّنّ ما يهمّ القارئ بلوغ المقام الجماليّ أكثر من البحث النّظريّ العلميّ للنّصّ. ويعنيه أن يلامس المعاني المحتجبة في النّصّ وإدراك مقاصد الأديب الّتي قد لا تكون واضحة جليّة بالنّسبة له.

يلعب النّاقد الرّفيق هذا الدّور في استخراج المعاني وإظهار الجمال. وما عبارة “رفيق” إلّا تأكيد العلاقة الضّمنيّة بين الأديب والنّاقد داخل العمل وليس خارجه فلا نشهد مدحاً أو ذمّاً للعمل أو لشخص الأديب، ولا يتحوّل النّقد إلى فعل انتقاميّ من شخص الأديب أو مبالغة في إطرائه ونسيان العمل الأدبيّ.

ولعلّنا اليوم نشهد خللاً في أغلب النّصوص الأدبيّة بسبب افتقادنا للنّقد الشّفاف الّذي ينمّ عن وعيٍ جماليّ وعن تجرّد نقديّ يتحرّر من خلاله النّاقد من شخصيّة الأديب، ويحرّر الأديب من الشّخصنة فلا يعتبر أنّ العمل النّقديّ موجّه ضدّه أو مدح لشخصه. بل إنّه عمل يحاكي النّصّ والحالة الّتي أدّت إلى إنتاج النّصّ.

ولمّا كان الحديث عن محاكاة لحالة جماليّة، ولمّا كان النّاقد المتفاعل مع هذه الحالة يمتلك حسّاً جماليّاً ووعياً معرفيّاً وأبعاداً فكريّة تكتشف عوالم الجمال الأدبيّ فلماذا لا يكون النّقد فنّاً ثامناً ينخرط في عالم الفنون ليكون هو الآخر عالم الدّهشة والجمال؟

لا تعليقات

اترك رد