تصدع الهوية العربية – ج2

 

-النظام السياسي كعامل من عوامل تفكك الهوية:

الأنظمة السياسية العربية من العوامل المهمة التي أدت إلى تفكك الهوية الوطنية والقومية ، حيث دأبت هذه الأنظمة إلى إضعاف روح الانتماء للوطن القومي وللأمة العربية ، وأصبح همها الأكبر هو كيفية قمع الإنسان وتقييد حركتة وكتم أنفاسه وتقييد المجتمع بقيود مادية وروحية وابتكار أساليب وأدوات لنهب خيرات الشعوب والسعي الحثيث للثراء غير المشروع وشخصنة الســلطة، فأصبح الحاكم هو الدولة وهو الشعب وهو الوطن وهو المصلحة العامة ، فلا يخطر ببال المتجبرين الذين أعتلوا العروش بعيداً عن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة تنمية المجتمع بصورة عقلانية فهم لا يعترفون بالمصلحة العامة ولا بسلطة الشعب ولا بحقوق الإنسان ولا بالمواطنة المتساوية ولا بالتناوب السلمي للسلطة ولا بالحوار والرأي الآخر ولا بحقوق المجتمع ولا بحقوق الأقليات ولا بالهوية المشتركة . فسياسة إذلال المواطن وتركيعه سمة للأنظمة التوليتارية التي تبني مجدها على حساب آدمية الإنسان . فمن لا كرامة له يفقد حب الأوطان كلياً أو جزئياً وتنقطع العلاقة الحميمة بالهوية الوطنية والقومية وتتحول إلى شيء من الفتور وعدم الاكتراث ولربما الوصول إلى عتبة حرجة والشعور بهزة عميقة في الهوية والانتماء .

إن مناشط الأجهزة ومؤسسات العنف يتقوم على منهج القمع والتربص والخبث والمطاردة للشرفاء والخيرين وللملكات الفكرية والعلمية ، حيث يبتكرون أساليب للتطفيش والتنكيد لكل من يحاول التبصر والابتكار والاجتهاد الحاذق ، فهم مبدعون في خلخلة الهوية وخلق روح الإحباط والتقوقع والانهزام النفسي والمعنوي ، فمؤسسات القوة والعنف تدأب لتثبيت الواقع المترع بالفساد والفوضى والخروم والتقهقر والتخلف وتحطم مؤسسات العلم والثقافة وتحارب الإبداع الحقيقي والصفاء الذهني .

إن طمر المفكرين والمبدعين وممارسة العنف ضدهم وتجهيل الشعب وخنق الأصوات والعقول النيرة وتشجيع الهويات الصغيرة لخلخلة هوية المجتمع بحيث لا يشعر الإنسان في الفضاء العام بالأمن الحياتي والمعيشي والرمزي وتتحطم في أعماقه معاني حب الوطن وتتشطر الهوية كشعور داخلي للإنسان ، ولقد قال مرة د. هشام جعيط :

“لا أستطيع أن أحب هذه الدولة الوطنية ، ولا تحثني أية وطنية على تأييدها ، وأشعر أنني مهان في انتمائي إلى دولة بلا أفق ولا طموح ، دولة متسلطة ، حتى إن لم نقل استبدادية ، لا يوجد فيها علم ولا عقل ولا جمال حياة ولا ثقافة حقيقية ، هذه الدولة تقمعني ، أنا أختنق في هذا المجتمع الإقليمي المريف الجاهل ، وأعيش كمثقف حالة عصاب “.

فالوطن ليس ماء أو هواء وليس تراب وبيئة جغرافية فقط ، وإنماء هو أيضاً هيئات ومؤسسات وعلاقات ومخالطات ومشاركات سياسية واجتماعية وقيم وعادات وتقاليد وثقافة ومصالح اقتصادية وتاريخ وخصائص سيكولوجية وتجمعات بشرية يقف الإنسان بآدميته وحقوقه وحريته واستقلاله في عمقه الاستراتيجي:

“الوطن ليس مجرد فضاء جغرافي ، بل هو بالأساس حرية وحقوق “.”الحبيب الجنحاني”

فالأنظمة السياسية العربية بوجه عام همها في الأساس كما قال عيسى مخلوف:

“ضرب هذا المواطن وسحقه وإلحاق الذل والأذى به والتعامل معه بصورة مذلة وتجويعه واستئصال رغبته في الحياة ودفعه دفعاً إلى الموت أو الهجرة “.

ولقد كان محقاً د. حليم بركات عندما قال أن:

“الدولة تمكنت من الهيمنة على المجتمع بسحق أو تعطيل المجتمع المدني في البلدان العربية كافة … إلى حد جعل المواطنين بحاجة إلى من يحميهم من النظام ، بل يبدو وكأن الدولة تتوقع أن تفكر بالنيابة عن المواطن بدلاً أن يفكر المواطن في كيفية تسيير الدولة … الأنظمة العربية مغربة ، تحيل أفراد الشعب إلى كائنات عاجزة ، فالشعب مغلوب على أمره ، مستلب من حقوقه وممتلكاته المادية والمعنوية ومنجزاته ومؤسساته ومهدد في صميم حياته “.

فالوطن الحقيقي عندما يشعر الإنسان فيه بالحرية والمواطنة المتساوية وبآدميته وحقوقه المادية والروحية ولا يشعر بالخوف والإذلال والعسف والفاقة ، ويتمتع بالحريات الأربع التي بسطها الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت :

1- حرية التعبير ، 2- حرية الاعتقاد ، 3- التحرر من الفقر ، 4- التحرر من الخوف .

لقد أومأت الأستاذة /نغم نذير شكر أن “الهوية الوطنية تساعد على تنمية المعتقدات المشتركة ، وتعطي الناس إحساساً بالتضامن الاجتماعي ، وتشعرهم بقيمتهم وتساعدهم في تحديد ذاتهم ، وتخدمهم بوصفها أساساً للعضوية في المجتمع السياسي “.

فمن الصعب على إنسان يشعر بإحباط مزمن ويحترق بنيران العسف وتزكم أنوفه رائحة العطب والعفونة وتنهش أضلعه مخالب البؤس والفقر والشقاء والفساد والفوضى ويعاني من تمزقات روحية ومعيشية أن يتذوق طعم الوطن ويشعر بالهوية والهناء المجتمعي لأن :

” أغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه ” على حد تعبير أبو حيان التوحيدي .

فتتخلخل الهوية عندما يشعر الإنسان بالغربة في وطنه وتمارس ضده سياسة الإقصاء الاجتماعي وتطوقه كوابيس الرعب والتنصت والعسف من قبل نظام جهنمي غايته قهر الإنسان ويعزف على أوتار النعرات الضيقة ويدهس كرامة الإنسان ويجعله يعيش حياة قاسية ودرامية خالية من الأمن المعيشي والغذائي والعاطفي ، خالية من الأمن السياسي والثقافي والنفسي والوجودي .

لا تعليقات

اترك رد