بين الفضفضة والثرثرة

 
الصدى-الثرثرة
لوحة للفنان تامر محمد

أقمت في مسكن سابق , بحي قريب نسبياً من الحي الذي أعيش فيه الآن . كانت لي جارة عجوز – تقطن بشقة في طابق آخر . والجارة العجوز ليست كالعجوز التي عرفناها ببلادنا – وخاصة في زمان ما قبل خمسين أو أربعين عاما مضي – تسعل وتكح , منحنية الظهر , بطيئة الحركة .. تحيا فقط انتظاراً لمجيء الموت .. كلا .. فالبلاد التي تتوفر فيها الرعاية الصحية المجانية والضمان الاجتماعي . تختلف وتحسن فيه الأشياء , بما في ذلك أحوال العواجيز

اعتادت تلك السيدة – وهي شرق أوسطية الأصل . وتحمل الجنسية الكندية منذ 30 عاماً . وتعيش بمفردها , بعد وفاة زوجها .. علي أن تتصل بي تليفونياً .. للدردشة في المساء . وقبل مجيء ميعاد مشاهداتها للأفلام ..
كانت تحكي لي عن أشياء كثيرة متنوعة . فتقريباً حكت لي حياتها كاملة . حيث عاشت ب 4 دول بالشرق الأوسط . قبل مجيئها لكندا .. . كما حكت لي عن حياة الكثيرين من أفراد عائلتها الكثيرين الموجودين معها بنفس المدينة .. والباقين ببلدهم الشرأوسطي ..
حياتها تصلح لأن تكون فيلماً .. وربما تكفي لعمل أكثر من فيلم .. !

ورغم كثرة ما حكته لي . جاءت في مرة من المرات وقالت لي ” توجد أشياء لا أحكيها لأحد ” ..
ثم أردفت : الا لأختي الكبري التي ماتت . لو كانت لا تزال حية … وأشياء لاأقولها ولا حتي لأختي ..
قالت ذاك الكلام . كما لو كانت تسر لي بحكمة لم يعرفها الناس بعد : ليس كل ما يعرفه الانسان يقال .. بل توجد أشياء لا تحكي ..
تختلف عن الأسرار التي قد نفضفض بها لأصدقاء مقربين . أو للمقربين جداً ..

فقلت لها : هذا شيء معروف منذ ألف سنة علي الأقل – وجود أشياء لا تقال لأحد . قاله ” عمر الخيام ” …
ردت بلهفة : ماذا قال ؟
قلت : قال ما تسمعيه في غناء أم كلثوم . التي تحبين الاستماع اليها .. في قصيدة رباعيات الخيام . تغني أم كلثوم :
” والصدر قد ضاق .. بما لا يقال ..”
هي : ايه . نعم نعم . صحيح . كلامه صحيح . بداخل كل انسان أشياء لا تقال . ولا لصديق ولا لأخت ولا لأخ ولا لأحد .. يظل الانسان يحمل عبئها الثقيل بداخله .. حتي القبر , حيث يدفن وتدفن معه أسراره تلك ..

قلت : لكن هناك اناس , لا قدرة لديهم علي الاحتفاظ بأي سر اطلاقاً , كبيراً كان أم صغيراً ..
هي : هؤلاء شر . ومعرفتهم خسارة .. هم شر علي أنفسهم , وعلي معارفهم ..

قلت : هؤلاء يقول عنهم المصريون – مقولة شعبية – : لا تبتل في أفواههم فولة ..
هي : أعرف هذا النوع من البشر .. وأتجنبهم باستمرار .. عرفت , جارة من قبل , من هذا النوع . تجنبتها . فقط يزلف لساني بشيء من أسراري أقوله لها , وهي لا تؤتمن علي سر
فسألتها : كيف تخلصتي من صداقتها ؟ ..
فقالت : أسمعتها بصراحة . مثلاً شعبياً , لا تؤاخذني فيه ..
وواصلت : قلته لها ” لا ( .. ) الأهبل , ولا تدع الأهبل ( … ) . ففي كل الحالات سوف يفضحك , لأنه أهبل , لا يعقل . لا يعرف ما الذي يقال , ولا ما الذي لا يقال …. ..
ثم استطردت قائلة : هذه المرأة غضبت مني وسألتني : تعني أنني هبلة !؟
هي : – تستطرد – لم أنكسف منها وقلت لها : من تحكي أدق أسرار زوجها وأولادها وعائلتها , ماذا تكون ؟؟
أجابتني : ” أنا غلطت لأنني اعتبرتك صديقة وفضفضت معك .. ! ” . فرددت عليها : معي فقط !؟ .. الفضفضة شيء , والثرثرة شيء آخر ..لأنني أعرف انها تثرثر عند الجميع .. من لا يعرفون كيفية الحفاظ علي أدق أسرارهم وأسرار عائلاتهم , لا يؤتمن اليهم ..
= : كلام سليم . صحيح أن الفضفضة شيء ضروري , لأجل الصحة النفسية للانسان . لكن هناك فرق بين الفضفضة , وبين الثرثرة ..
عقبت : الثرثرة هي صراحة مطلقة , فهل يوجد شيء مطلق ؟ أم يجب أن تكون كل الأمور نسبية ؟
قلت : أظن ان الاطلاق ليس من الحكمة .. لابد من ضوابط .. أعرف انه يوجد اتجاه في الأدب العالمي , عند كتابة السير الذاتية , يعتمدون علي الصراحة الزائدة الفضفاضية ..
قالت : هل تستبعد وجود عنصر تجاري في مثل تلك الكتابات ؟
قلت : الي حد ما , أظنها لا تخلو من ذاك العنصر .. خاصة لو كانت كتابات السير الذاتية من النوع الحافل بالاثارة ..
هي : حتي الحرية الشخصية هنا .. في البلاد الحرة .. لها ضوابط والا فالهلاك ..
= كل شيء نسبي .. لا يوجد شيء مطلق .. ولا يجوز صناعة شيء مطلق بلا ضوابط ..
هي : لذا فالفضفضة غير الثرثرة .. تذكرت كلمات من قصيدة لنزار قباني . الي ثرثارة . مما يقوله فيها :
(( لماذا تقولينَ ما لا يُقالْ؟
وتبنينَ كلَّ قصورِكِ فوق الرمالْ
وَتَسْتَمْتِعينَ بنَسْج أقاصيصَ فاقتْ حدودَ الخيالْ
لماذا تقولينَ: إنِّي خدعتُكِ..
إنّي ابتَزَزْتُكِ..
إنّي اغتصبتُكِ..
في حين لا أتذكَّرُ أنِّي..
فهل تفعلينَ الذي تفعلينْ؟بين
ترى من قبيل التمنِّي..؟
لماذا تَغِشِّينَ في وَرَق الحُبِّ؟.
تحترفينَ الفضيحةَ،
تحترفينَ الإشاعةَ،
تحترفينَ التجنّي.. ))
هذا ما أتذكره من االقصيدة

= نعم نعم ..
هي ( تضحك ) في فضفضاتي الكثيرة اليك . أرجو ألا أكون قد تجاوزت الغلاف الجوي للفضفضة , وألا أكون قد انطلقت الي الفضاء الخارجي للثرثرة …
ضحكت وأنا أقول لها : لا لا اطمئني .. وضحكت وأنا أقول لها : قرأت بأحد المواقع , عن عقوبة قديمة بأوروبا , للمرأة الثرثارة

عقاب المرأه الثرثاره قبل 500 عام في أوروبا يتم تلبيسها هذا القناع وتركيب قطعة حديد في فمها حتى لا تتكلم .. هذا هو العقاب الذي كان مصير كل ثرثاره في بريطانيا عام 1500. . . وكانت بعض الاقنعه تحتوي على جرس ثم يتم سحب المرأه في الشوارع والاسواق كـ نوع من التعذيب والعقاب لها. ( انستالجيا 2014-08-2)

( صارت تضحك كثيراً . ثم استأذنت : تصبح علي خير ) ..
تمنياتي لك بمشاهدة سعيدة لأفلامك المفضلة , وتصبحي بكل الخير .

لا تعليقات

اترك رد