أبو كاطع

 

عرض لكتاب الدكتور عبد الحسين شعبان ( أبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة ).

1
“كنت أرغب في أن أكون شاعراً لكن الصحافة استولت عليّ واخذتني في دروبها ، وإن كنتُ أجد نفسي في الصحافة رغم القيود والمضايقات الا انها لم تكن تكفي للتعبير عن مكنونات صدري … فوجدت في الرواية الفضاء الارحب والاوسع …”
لعل اجابة كهذه من الاديب والصحفي والمناضل الراحل شمران الياسري المعروف باسم ( ابو كاطع ) 1926-1981 على سؤال مؤلف الكتاب الدكتور عبد الحسين شعبان ، تختصر تاريخا طويلا من الثقافة والسياسة والصحافة والكتابة الادبية والدفاع عن الانسان وحريته ، الصفات التي جعلت من شخصية ابو كاطع صاحب البرنامج الاذاعي الجريء الشهير ( احجيهه بصراحة يبوكاطع ) الذي اصبح مثلا في تاريخ شعب عاش مراحل متقلبة من المتغيرات السياسية .

2
العراق الذي شهد بروز شخصيات في مجالات الشعر والموسيقى والفلسفة وعلم الاجتماع ، منهم من كان فوق العادة بمعنى انهم جددوا بصورة مغايرة حين أخذوا التخصص من ثوابته ومعاييره المحترفة الى الناس في طبقات غير مألوف البحث العلمي فيها والتعبير الوجداني الصريح عنها ، مثل علي الوردي في علم الاجتماع ، وعزيز علي في الاغنية السياسية وعبد الامير الحصيري والحاج زاير في الشعر وامثالهم ، ممن تداخل الشعبي اليومي بالفكري الابداعي الرفيع في سيرهم ونتاجهم معا ، كان شمران الياسري واحدا من هذه النماذج الحرة المقيدة في آن واحد ، الجريئة المجتهدة والمطاردة من السلطات على مختلف توجهاتها ، انه ابن الشعب سواء كان صحفيا غير محايد وقف مع حقوق الناس أو روائيا مجددا اتخذ من الريف العراقي حكاية ولغة واتجاها ،
لاسيما في رباعيته التي أرّخت لتاريخ العراق وعشائره وأريافه ومواقفه السياسية ( الزناد – بلابوش دنيا- غنم الشيوخ- وفلوس حميد )..عام 1973 فهو الأول دون منازع الذي جعل الفلاح نفسه روائيا ، منتجا ثقافة الريف التي كانت وماتزال تقدم بصورة سوقية تهكمية دون احترام .ولذلك كان (ابو كاطع) السهل الممتنع في تاريخ العراق الثقافي السياسي الشعبي كما يقول مؤلف الكتاب الدكتور شعبان ” كان يثير الكثير من الاسئلة وقد تبدو للسامع او للقاريء انها اسئلة سهلة لكن الاسئلة السهلة هي اكبر الاسئلة واخطرها ، الحرية ، الوفاء ، المناصب، البايمان ، التزام ، نكرن الذات ، حق العيش ، التمتع بمباهج الحياة ،الوجدان ، الاستعداد للتضحية وايضا الضعف الانساني …

3
هكذا ينظر المؤلف لهذه الشخصية الفذة في الذاكرة الشعبية العراقية وهو – اي شعبان – يرتبط بعلاقة مع شمران الياسري متميزة وعائلية واسعة وطيدة الاسس تخلو من الشكلية والمجاملة على حد تعبير السيد حميد الياسري الذي كتب عنه ضمن شهادات حملها الكتاب .وعليه لايمكن هنا ان تتحدث عن كتاب شعبان دون تعقّب نوع العلاقة المركبة بين الاثنين في السياسة والمنفى والتفاصيل اليومية المثيرة التي جعلت عبد الحسين مختلفا فيه عن مؤلفاته الاخرى في الفكر والسياسة والمجتمع بين كاتب السيرة والناقد والمستنبط للفكر من الظاهرة ليحصد حياة ثرية يقدمها مفصّلة كي لاتضيعَ في غياهب ِالنسيانِ والجحود .

4
ينقل كتاب (أبو كاطع على ضاف السخرية الحزينة) عن الروائي غائب طعمة فرمان قوله “في عام 1969 حين عدت الى العراق وبعد غيبة تسع سنين تعرفت على (ابو كاطع) في أحد مقاهي شارع السعدون في بغداد ، وبدا وكأنّ أحدَنا يعرفُ الآخر منذ عهد نوح ،وهذا التعبير مستلهم من روح ابو كاطع وعندما افترقنا اسرّ لي ان لديه محاولة لكتابة رواية !! . واذا كان لدي الوقت لاقراها واعطيه رايي فيما اذا كانت رواية ام (خرط ) قائلا (احنة هم نريد نصر روائيين جا بس انتم )..
ويضيف غائب طعمة فرمان القول : حين قرات بدا يتنامى في خيالي عالم متجسد رحب مغمور بانفاس الريف واناسه صنعه قلم ذو دراية ممتازة بما يقول )
شهادة كهذه تؤكد ان (ابو كاطع) الروائي الشعبي لم يكن اقل منه صحفيا ومناضلا وصريحا صراحة طالما قلبت الموازين واثر ت في الراي العام ايما تاثير … كما يشير الشاعر والناقد عبد الكريم كاصد في قراءته لرواية ( قضية حمزة الخلف ) أن ابا كاطع في هذه الرواية يحرص على ان يقدم نماذجه البسيطة بتركيب غير بسيط وبلغة فصحى لم تتخل عن مضمونها الشعبي .

5
في بغداد عمل (أبو كاطع) في صحف (صوت الاحرار) و(البلاد) و(الحضارة ) سنوات مابعد ثورة 1958 اما في الفترة الثانية بعد العام 1968 فقد كان مديرا لتحرير الثقافة الجديدة ، وكتب في صحيفتي (طريق الشعب) و(الفكر الجديد) .. درس الصحافة في سنوات السبعينات من خلال دورات صحفية الى المانيا الديمقراطية في معهد الصحافة وكان الكثير وهو منهم يعتقدون ان سبب ارساله الى الدراسة بمثابة ابعاد، لانه لم يكن ليروق للحكام الجدد .كما تشير رسالة من السيد حميد الياسري لمؤلف الكتاب الدكتور شعبان عام 1996 .
يصف المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب العمود الصحفي الذي كان يكتبه ابو كاطع شفيفا خفيفا انيسا بحكاياته وطرائفه ومفارقاته وهو يعكس حياتهم وكان خصومه في السلطة وخارجها يقراونه كذلك ظز ليعرفوا مواطن الضعف والخلل في السلطة نفسها .
لايمكن ان تختم الحديث عن هذا الكتاب النادر ندرة الشخصية التي تحدث عنها والكاتب الامين الذي نقل بعناية وحذر جميع ماكتب من متفرقات تناولت ابو كاطع هنا وهناك فضلا عن العلاقة الخاصة والتفاصيلية التي ربطت المؤلف به ، ما جعله اهم كتاب فعلا يتناول هذه الشخصية التاريخية ، نقدا وحياة ونصوصا ومواقف يكفيها ضوء من بعيد على شخوصه واحداثه .

المقال السابقاكاذيب حقيقية
المقال التالىاليونسكو في خطر
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد