سفيرةُ السّلام، سانتا آغنيس ج١


 
الصدى - سانتا

«المرأة في الإسلام»، كان هذا هو عنوان أوّل محاضرة ألقيتُها في إيطاليا، لا أتذكّرُ كمْ منَ السنواتِ مرّت عليها الآن، ربّما خمسة عشر سنة أو ربّما أكثر، لكنّي أذكرُ أن خيبتي بعد انتهاء المحاضرة كانت عميقة، وحزني أعمق لأنني أدركتُ هولَ الفاجعة التي تعيشُ فيها بعض الشعوب بسبب الأميّة الفكرية السائدة بين أبنائها، ولا سيما المثقفين منهُم، أو لنقل ممن يدّعون الثقافة. وإنّي لأعتقدُ أنّ الجهل في حدّ ذاته ليس عيبا، فهو أمرٌ قدْ يمكنُ تجاوزه بالإكثار من القراءة وأحيانا من خلال الأسفار لمن يستطيع إلى ذلك سبيلا، ثمّ التعرف على تاريخ الحضارات القديم والحديث والمعاصر بعين مُحِبّة، مع السعي نحو الناس خطوة خطوة بقلبٍ صبور، وروح حكيمة يتّحِدُ فيها حرفُ الأمومة بأبجديّة العشق، ليصبح يمامةَ سلام تحلّقُ أينما حلّ صاحبُها. لكنّ الكارثة تصبحُ عظيمةً حينما يكونُ هذا الجهل مُركّباً، أيْ أنّ صاحبهُ لا يعرف بأنه جاهل وأميّ في كل شيء، عندئذ لن تنفع معهُ لا مزاميرُ الزّبور، ولا الأناجيل، ولا حتّى مصباح علاء الدين السحري، أو مصباح أليسّاندرو كروتو. فهُو هكذا يريدُ أن يبقى جاهلا كحمار يحمل أسفارا بداخلها كلّ كنوز الدنيا، إلاّ أنّهُ لا يعرفُ عنها شيئاً، بل لا يريدُ أن يعرف عنها شيئا، لأنه مُكْتَفٍ بما لديهِ ويحسبُه كلّ شيءٍ. وهذا النوعُ من الناس وما أكثرهم تكونُ عقولهم مختومة وقلوبهم مكفوفة إلا من رحم ربّي وألقى عليه نظرة من عينِ لطفه وعنايتهِ.

هكذَا خرجتُ منَ المحاضرة مُحبَطةً وفي رأسي ألف سؤال وسؤال عن سبب هذه الحالة المستعصية من الجهلِ، لماذا لا تسعى وسائل الإعلام العربية إلى تصحيح هذه الصورة المُشينة التي ترسّخت في عقولِ بعض من أبناءِ الشعوب الغربية عن المرأة المسلمة؟ بل لماذا لا تسعى دور النَّشر إلى تولّي مُهمّة معالجة ما أفسدتْهُ أيدي العابثين في كلّ مكان عن المرأة والإسلام وما إلى ذلك من المواضيع الشّديدة الصلة بهما؟ لكن يبدو أن أسئلتي ستبقى هكذا بدون جواب. لأنّ الأمرَ فيه ما فيه ممّا لا يَحتملُ الكثير منَ الحديث، لا سيما أنّ المسؤول الأول عن كلّ هذا الهوس هُمُ الغالبية العظمى من القائمين على الثقافة العربية الحديثة منها والمعاصرة على السواء، فهُم لا يعرفونَ شيئا عن احترام الذات، واحترام الفكر، واحترامِ الإنسان أو الحقوق والحريات، إذ تراهُم يتشدّقُون بكُلّ الشّعارات الزّائفة في كلّ مكانٍ، وما إن تضَعُهم على محكّ التجربة تجدهُم أوّلَ منْ يرتمي في حُضن من يدفع أكثر وأكثر، وكيف وهُمُ المستفيدُ الأول من حالات التضليل الإعلامي السائدة في الغرب، إذ يهمُّهم كثيرا أن تبقى صورتُها مشوهة هكذا لدى الجميع، وذلك لأسباب عدّة، بعضُها سياسي وآخر اقتصادي وثالث جيوستراتيجي وهلّم جرّ من هذه الأسباب التي يحارُ في تفسيرها حتى الفلكيون والمشعوذون بائعو الكلام في صُحف الدَّجَل والفشل الذريع.

منْ ذاك اليوم، أتذكَّرُ أيضاً أنني بعد كلّ هذه المراجل من الأفكار التي كانتْ تغلي بداخلي، وبينما كنتُ بصدد الخروج من قاعة المحاضرات بعدَ أن تبادلتُ كلماتِ الشّكرِ والتهاني مع العديد من السادة الذين حضروا الندوة وأنصتُوا إلى كلماتي باهتمامٍ شديد، استوقفني رجل يبلغُ من العمر ما يقاربُ الثمانين سنةً بجَسَدهِ الضّخمِ وشعره الأبيض وعينيهِ الثاقبتين؛ ظلَّ يحدّقُ فيّ طويلا، كمنْ كانَ يحاولُ أنْ يتذكّرَ شيئاً ما، أو صورةً ما، ثمّ فجأة قالَ بصوتٍ مرتفع:
ــ «أجل، لقد عرفتكِ، إنك راهبةٌ حبيسة، وأنتِ شديدة الشبه بالقديسة آغنيس، نعم أنتِ هيَ، أنتِ طفلة رائعة مثلها!».
ارتبكتُ كثيراً، وأصابنِي الفزع من كلماته، لكنّني حاولتُ أن أحافظ على هدوئي وابتسمتُ وأنا أحاول الإفلاتَ منْ نظراته مُكملةً المشي علّني أخرجُ بشكل نهائي من هذه القاعة وبداخلي ألفُ حرفٍ وألفُ كلمةٍ تُردِّدُ أشياءَ كثيرة من قبيل: «… ما كانَ ينْقُصُنِي اليومَ سوى هذا الرجل المجنون، إنّه يقول إنني القدّيسة آغنيس، لا حول ولا قوة إلا بالله، ألمْ يَكُنْ بيْنَ الجالسينَ، ألَمْ يسمعْ كلماتي باللغتين العربية والإيطالية أيضا؟ ألا يعرفُ أنني جئتُ هنا لأتحدث عن المرأة في الإسلام، ويا ليتني ما جئتُ، ولا كنتُ حتّى أوافق على الحديث عن أمور لا يزيد الكلام فيها وعنها الطّينَ سوى بلّة؟! ما منْ فائدةٍ، لا الصوتُ ينفعُ ولا حتّى الخطاباتُ، عليَّ أن أكتبَ أنا وغيري منَ النّساء، ومِنْ كلّ الديانات، فالكتابةُ عن المرأة والإسلام، ليست مهمّة المسلمينَ وحدهم بل هي مهمة كل الأدباء والمفكرين المتنوّرين، عليهم أن يكتبُوا عنها بحرف المَحبّة وبكل اللغات، ثم بعد ذلك سيكون فريق آخر يتحدّثُ في الندوات واللقاءات التلفزيونية وغيرها عمّا سنكتبُه جميعا. نعم هكذا أفضل، فأنا أحبُّ نشر فكْري عبر الكتابة، وأتضايقُ كثيراً من الأضواء والحضور بين الجموع الغفيرة من النّاس، لا سيما إذا كان بينهُم مجانين من أمثال هذا السيد الجليل، شافاه الله وعافاه ممّا هو فيه!».

هكذا بقيتُ لبضعة ثوان أدمْدِمُ بداخلي وكنتُ قدِ ابتعدت عن الرّجل الضّخم، ولم توقظني مما كنتُ فيه سوى السيّدة التي أشرفتْ على تسيير وتنسيق المُحاضرة وقد كانت تحاول أن تُلفتَ انتباهي وهي تقول:
ــ «لقد رأيتكِ تتحدثين مع الأستاذ الكبير أنطونيو، وإنّي لسعيدة للغاية بذلكَ، من المؤكد أنه سيكون سعيدا لأنهُ تعرّفَ إلى فتاةٍ بهذا القدر من الذّكاء والثقافةِ!»

قالتْ وهي تنظرُ إليّ بعين الإعجاب، فصديقتي كيارا هذهِ لها قلب من ذهب، وتحبُّ الإنسان بما فيه من خير ونقاء، ولا يهمُّها أبدا على أيّ دين هو، ولا من أيّ أرض ينحدرُ، فكلّ الناس سواسية بالنسبة لها، ولا يتفاضلون إلاّ بالعملِ الصّالح وتقوى النفوس.
ــ «ومن يكونُ أنطونيو هذا؟» أجبتُها مازحةً كعادتي معها حينما أريدُ استفزاز مكنوناتها الدفينة.

أجفلتْ كيارا ثم قالت وهي تبتلع ريقها:

ــ « إنّه من أكبر وأعرقِ علماء الأنثروبولوجيا عندنا هُنا في إيطاليا، ولهُ كتبٌ كثيرة في مجال علمِه تُقرأ في كل أنحاء أوروبا وأمريكا وغيرهما من مناطق العالم. رأيتكِ تتحدثين معه، فقلتُ في نفسي لا شكّ تعرفينه، أو أنّك بصدد التعرف عليه»
صُعقتُ من جوابِها وعقّبتُ:

ـ «أتريدين أن تقولين لي إنّ ذلك السّيد المجنونَ عالم أنثروبولوجي؟ قولي كلاما غير هذا يا صديقتي، إنّهُ قبْلَ لحظاتٍ كان يقولُ لي إنني سانتَا آغنيس، وإنّ كلَّ شيءٍ فيّ يُوحي بإنني راهبة حبيسة، بدءا من عيني إلى شكل أصابعي!»
سكتتْ صديقتي لفترة طويلة وكأنّ على رأسها الطير ثمّ قالتْ:
ــ «أوَلستِ كذلك يا أسماء؟ الرّجُلُ لمْ يكذِبْ، وليْسَ بالمجنون أبداً، إذا قال لكِ ذلكَ، فهذا يعني أنك كذلكَ، إنّ أنطونيو ليس بعالم فقط وإنما عارفٌ أيضا، وهو لا يتحدثُ مع أيٍّ كان، وأنا أوافقُه الرأي»
ــ «أجُننتِ أنتِ الأخرى، أتعلمينَ معنى ما تقولينَهُ؟ هيّا دعكِ من هذه الخرافاتِ، وأخرجينِي منْ هنا، فقد ضقتُ ذرعاً بالمكان، وإني لأتوسّلُ إليكِ ألاّ تنادينِي مرّةً أخرى كيْ أحَاضرَ في مواضيعَ كهذهِ وما إليها من قبيلِ النّقاشاتِ عن المرأة العربية التي تُبَثُّ في التلفزيون مؤخرا على سبيل الموضة لا أقل ولا أكثر، فيظهرونها بالنّقابِ، أو يكتبونَ عنها ليرْوُوا للعالم أجمع كيفَ أنها لا تستطيعُ أن تقودَ درّاجة، أو كيفَ أنّ زوجَها يضربها صباح مساء، إلى غير ذلك من جرائم العنف المنزلي التي تدخلُ في إطار حروب الإعلام الإرهابية المُوجّهَة ضدّ كل ما هو أنثى عربية أو مسلمة، وكأن لا أحد يوجدُ في هذا الكون غيرها».

ـ «ألَمْ أقُل لكِ إنّ أنطونيو كان مُحقّاً، إنّكِ تتصرفين مثلهُنّ، أعني الراهبات الحبيسات، ألا تذكُرين كمْ تحايلتُ عليكِ كي تأتي وتُقدّمي هذه المحاضرة التي بَهرتِ بها اليوم الجميع من الحاضرين، وعلى الرّغم من ذلك فأنتِ لستِ بسعيدةٍ بهذا النجاح والتألق، وتريدين مغادرة المكان بأقصى سرعة وكأنّ العقاربَ تركضُ خلفكِ، وإني لأقدّرُ وجهةَ نظركِ وأحترمُ جدّاً ما ذهبتِ إليهِ منْ شروحاتٍ حول عملياتِ غسيل الدّماغِ المُستمرّة التي تقوم بها وسائل الإعلام تُجاهَ الحضارةِ الإسلامية، حتّى أصبحَ الإسلامُ وكأنّهُ جرثومة يجبُ استئصالُهَا منْ جسدِ الكون بأسره، وهذا أمرٌ فظيع بكلّ ما في الكلمة من معنى. لكنكِ يا عزيزتي إذا كنتِ تتضايقينَ منْ مناقشةِ مثلِ هذه المسائل وتعتبرينَها هدرا للوقت والأعصاب والفكرِ، أو أنّهَا كما اقترحتِ تقتضي جُهداً علميّاً يعتمدُ الكتابة بشكلٍ أكثر رصانة وحِلماً على الأقل حاليا وفي هذه المرحلة الحرجة من التّاريخ، فإن مذكّرةَ الأنشطة الثقافية لدى مُؤسّسَتِنَا لا تنتهي؛ بعدَ ثلاثة أشهُرٍ سأنَظّمُ ندوةً أخرى وستكونُ هذه المرّة عن السّلام وحوار الديانات، وأريدُكِ أن تكوني بين الأساتذة، كي يكتملَ بهاءُ الكلام بحضوركِ. ستكونينَ طبعاً أصغرَ المحاضرين سنّاً، ولكن هذا لا يعنِي شيئا بالنسبة لي فأنتِ أكبرهُنّ عقلا وتفكيراً، ولهذا تريننِي متمسّكَةٌ بكِ إلى أبعد الحدود»

عانقتُ كيارا بكلّ ما في منْ حبٍّ، وقلتُ لها:
ــ «الآن بدأ عقلكِ يعملُ بشكل جيّدٍ يا صديقتي الرائعة، ويا أجملَ أستاذة فلسفة رأيتُهَا في حياتي، وستجدينِي إن شاء الله في اليوم المعلوم. سأكونُ هناك وبين يديّ حقلٌ من ألوان الطيف وقلبي يمامةَ سلام ترفرفُ فوق أشجارهِ وبيْنَ ورودِه وأزهارهِ»
ــ «شُكْرُ القلب لك يا صديقتي المتنوّرة، وقدْ سعدتُ للغاية بلقائكِ اليوم، وقريباً على الخير والمحبّة أراكِ مرّةً أخرى»
ــ «إلى اللقاء يا صديقتِي كيارا»
ـــ «إلى اللقاء يا أحلى سانتَا آغنيس!»
( يتبع / الجزء الثاني)

المقال السابقوماذا عن سد الموصل
المقال التالىبين الفضفضة والثرثرة
ناقدة، ومترجمة، وشاعرة، مقيمة في إيطاليا .. حاصلة على شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز وبمرتبة الشرف الأولى .. مستشارة في هيئة التحرير لدى مجلة السّلام الصادرة من السويد (ستوكهولم) مديرة الفرع الإيطالي للبيت الثقافي العربي في الهند؛ حصلت سنة 2006 في إيطاليا على لقب أوّل امرأة عربية تتخرّج بمرتبة الشرف ا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد