رحيل ألفنان مخلد المختار يترك تأثيراً وأثرا راسخاً .. مخلدا في الذاكرة


 

لكل فنان مجد ونشط وحقيقي، وقلب منفتح يتعدى ويجتاز الأنا والأنانية، يترك أثراً راسخاً في الذاكرة، بين زملائه وطلبته, من جايلوه ومن تلوه لاحقا، تلك الصفات لمستها بنفسي مع مخلد المختار ومن يماثله في الصفات، لقد كانت معرفتي به عندما كنت طالبا في الصف الثاني عام، جئت متأخرا في الصباح إلى الصف ألذي يجمع الطلبة با يسمى الدراسة العامة، وجدت أستاذا جديدا لم أعرفه سابقا، أنيقا وملامح وجهه توحي إلى الحيوية والتفاعل والتحاور والمناقشة في الآراء بعقل منفتح نحو آفاق تخرج عن نطاق الحدود المنهجية للدرس النظري،

ولكن وجدته ضانك الطلبة بسؤال فيه أبعاد تستوجب الإجابة على إطلاعات شاملة. وبسبب مجيئي المتأخر فأستفسرت عن السؤال المطروح فعندما تم طرحه، أجبت عنه بأستطراد وتفاصيل قادتنا إلى التفاعل والحوار،

هذا مايشهد به زملائنا المعاصرون، لقد أشار لي بعض الزملاء العرب تحديداً أحداهن سعودية والآخر أردني، بأنك أنقذتنا من محرجات يصعب الإجابة عليها، الأمر ناتج عن متابعتي المبكرة للمعلومات النظرية منذ الثانوية، والتي جعلتني أميل إلى الدراسات النظرية بقدر المهارية وربما أكثر، مما ألح عليه الراحل الشهيد الدكتور شمس الدين فارس بأن أختص في فرع الدراسات النظرية، علما بأنني درست فيها ثم تحولت إلى إختصاص الرسم، لكي لايقال بأنك أبتعدت عن التطبيق المهاري وهل تنقصك القدرات؟ . .

ما أطره هنا ليس الأشادة بنفسي وأنما الأشادة بعقلية وسلوك الراحل – مخلد المختار- وعودة إلى ألفنان الراحل المختار، كانت عقليته منفتحة تميل إلى التجديد والإضافات الفكرية في المناقشة والحوار والتساؤل، إن هذه الصفة تتطلب عقول متجدده في التبادل المعرفي والحوار الحر، وهذا الأمر ينطبق على العقائد والآيدلوجيات الفكرية السمائية والوضعية، ولو عدنا إلى الكتب المقدسة فإنها لا تتضمن التفسيرات المفصلة الفرعية، وإنما على المنزلات الرئيسة من الوحي، والتي تدع الآخرين في التحليل والتفسير لمضامينها، ولكن الأمر يقود البعض بأن تفسيراتهم هي الأحادية الجانب وكأنها منزلة من السماء،

وكل من يغايرها أو يخالفها أو حتى لو يفسرها بمفاهيم مقاربة فإنه يصبح عندئذ كافرا ينبغي نفيه والإقتصار على من أوحي التفسير له هو فقط، والأمر لاينطبق على القرآن الكريم فقط وإنما على العهد القديم الذي يشمل التوراة والعهد الجديد الذي يشمل الإنجيل، إن من قام بتفسيره (بشر) ومن أراد التفسير الثاني بشرط أن لايكون العكس هو أيضا (بشر)، والأمر ينطبق على الآيدلوجيات الفكرية الوضعية الناجمة عن حوادث وقضايا المجتمع المرتبطة أغلبها بمسببات إقتصادية والأخرى نزاعات قومية وجغرافية، أو بأسباب نتائج وآثار الغزو والتبشير وإن معظمها مرتبط بعوامل إقتصادية براغماتية أو منفعية، كما يجري الآن من صراعات تسخر إتجاهات متعصبة تدعي بدوافع عقائدية مدمرة للمجتمعات المستقرة،

ما كان يحمله ألفنان الراحل – مخلد المختار- من صفات التقبل العقلي المرن في التحاور والأصغاء مع المقابل حتى لو كان طالبا عنده، كما حصل بيننا من إختلاف وجهات النظر حول أمور عامة، كان يصغي ويضع الآراء في تأمل ثم التقدير والتوافق، أو الإختلاف، هذه الصفة تحتاج إلى عقليات واسعة الإدراك والتقبل والتشجيع ناجم من الثقة الداخلية للذات ألتي تصغي بعقل وقلب منفتح معاكس إلى النماذج ألتي تقتصر على رصيدها المحدود في الفكر والانفتاح. ما لمسناه لدى بعض الفنانين ألذين يدورون في محيط محدود من النظرة الضيقة، وكلما كان المقابيل يجهل الآراء المتعددة عن طريق الإطلاع،

كلما كان لديه الإصرار والتمسك والإزدراء دون الإستناد إلى البدائل، لقد خضت شخصيا تلك المسالك عن طريق الكتب ألتي أقتنيتها عبر مراحل من الزمن بوجهات نظر وأفكار وآيدلوجيات متناقضة متضادة، لو كانت حية لتشابكت في الأيدي. . تلك الإطلاعات تمنح القاريء حرية الفكر والرأي الصائب دون تعصب جاهل. لقد أقامت منظمة المغتربين العراقيين (فرع النمسا) معرضاً له شخصيا في أيامه الأخيرة قبل الرحيل، بعنوان “جمالية الخط العربي”، متكونا من خمسين لوحة تشكيلية متنوعة في المضامين والأحجام ومصادر الإستلهام الفكري للتكوينات التشكيلية التراثية، حيث إستخدام أنواع الخط العربي، ضمن أسلوبه التصميمي والزخرفي والميناتور الدقيق للأجزاء ألتي تفصح عن هوية أسلوبه الخاص منذ مراحله السابقة.

تمتاز إيحاءات الأعمال التشكيلية للفنان الراحل – مخلد المختار- ببنيتها الشكلية والتكوينية بتصاميم تسودها القياسات المنضبطة غير العشوائية، كما هو في الفنون التجريدية ذات الحركات الحرة، إنها أعمال تحتاج إلى دقة وتمعن وقياسات تتطلبها حركات محسوبة وأدوات الإستخدام الهندسية ألتي تحدد مساحات مستطيلة تدور أفقيا على حافات اللوحة بألوان مختلفة عن ما يليها من مساحات تجاورها في الداخل، وهكذا تتوالى تلك الموازنات المحسوبة لتشكل تلك المستطيلات المدورة أرضية وخلفية لبناء المضامين التكوينية عليها تتداخل مع المنمنمات الدقيقة أنواع من الخط العربي ليتكلم العمق التراثي العربي الإسلامي مع مصادر تراث وادي الرافديني بأنواعه المختلفة السومرية والآشورية والبابلية، منها النحتية الناتئة ومنها المعمارية،


ويتداخل معها الفلكلور العراقي الحديث من أزقة ومنارات وقبب لتشكل جماليات في الأمعان والتأمل المبهج، برغم تداخل مآسي تراجيدية مؤلمة لما يمر به البلد ألذي أجبرعلى هجرته برغم جهوده العميقة في الوسط التشكيلي بمختلف مراحلة التدريسية ورئيس الجمعية التشكيلية وإدارة دائرة الفنون في وزارة الثقافة، يهاجر وهو يحمل هذه المسؤليات المتعددة عميد كلية الفنون الجميلة ومدير عام دائرة الفنون ورئيس الجمعية وإقامة العديد من المعارض والمؤلفات والأنشطة العديدة عبر سنوات عمره، يذهب إلى بلد يتحتضنه إنسانيا، ولم يمنح من البلد ألذي أفنى عمره فيه أي راتب تقاعدي ألذي يشترك بحقه أسرته كذلك،

ولو لشهر واحد، بينما تحسب رواتب عالية لأشخاص هاربين من الخدمة العسكرية الى خارج البلد وأعتبروهم معارضون للحكم السابق, والأمر ينطبق على كثير من يماثلوه في الهجرة حاليا من لم يحسب لهم حقوقهم الخدمية، علما بأن تاريخية الشخصي يشهد له الكثير بنقاوته وطيبته المعروفة. برغم كل ذلك توحي نتاجاته الفنية التعبيرية بمشتركات مشاعره وإحساسه مع المجتمع العراقي بما يعانيه من تكالب الإضطرابات والنتائج المؤلمة للبلد، فضلاً عن ما يحمله من حنين يخنق الأعماق في الصدور لمنشاء الولادة. تجسد أعماله مضامين برغم وضوح مصادرها التراثية المألوفة إلا أنه تتداخل مع إشارات أعماله دفقا من المرموزات والدلالات الوجدانية من خلال نوع تلك الإشارات الرمزية وطبيعة ألوانها. فيه تأمل وأمل لمستقبل زاهي بالمحبة والتآلف يتجاوز المصاعب الطارئة وتشد النفوس نحو ديمومة الحياة للمجتمعات المتآلفة نحو بناء المستقبل وتجاوز المحن وحل المعضلات.

لذلك فإن أغلب الفنون والتشكيلية منها مهمتها هي زرع التفاؤل والعذوبة الحسية للمشاعر الرقيقة لتتعانق الذوات بعيدا عن صراعات الجهل والتعصب والأنقسامات ألا إنسانية. وفي مجال تقنياته ألفنية فإن فيها مهارة حرفية فيها تدرجات جدا صافية أشبه بفرش السيبريه على الأرضيات والمساحات المجاورة وتدرجات الوحدات المتعددة بصيغ وأفصاح جمالي متناسق ومتوازن في التقابل والتماثل للمفردات، وتوحي أشكالها بالمكونات البارزة مقابل المساحات الغائرة.

وهي إمتداد ومحاكات للمنتجات التراثية العريقة ويشير بذلك عن تجربته “بقدر ما بالإمكان، بحثت في الأفكار، وتأملت الأشياء وما بين العرض والطول، وجدت المساحات، وأن لكل مساحة موضوعا، أو أكثر من موضوع، يتضمن أشكالا متشابهة أو مختلفة، ومن خلال الرؤية الخاصة بي، وجدت الدافع الذي إقترنت به الأشياء، ولكل شيء لغته الخاصة، المتعلقة بحدث، أما تفسير الحدث، قد لا يأتي متفقا مع الأشكال المباشرة للأشياء، فتحدث عملية التغيير، وإخراج الأشياء في ثوب آخر، سواء أكانت الأشياء مرئية أم ملموسة، أو قد تكون مجرد خيال”ويضيف “حين الانشغال بالمحيط الذي نبحث فيه، نجد أن ليس هناك شيء إسمه الفراغ، وعالمنا غير محدود، ينطلق من مركزية الإنسان والأرض، وعندما نريد أن نعبر عن هذا العالم، وباستقلالية شخصية، بدأت بنقطة،

وأخذت أتابع خطاها ومسارها، فجاءت هذه الولادات، التي تشاهدونها، لوحات وأعمالا فنية تجاوزت زمن الحالة التي كنت أعيش في نقشها على مساحة بيضاء، بعد أن استمتعت بجوهر الأشياء، بعيدا عن الحياة التقليدية والرتابة” و بشكل عام توحي أعماله بمنطق الثراء المعرفي لمقنيات ومصادر التراث مع قيمه التعبيرية المرتبطة بالمشاعر الوجدانية لحب المعالم الفلكلورية المعاصرة والقديمة. إن أعماله القديمة والمعاصرة في حياته الإنجازية بذات الإمتداد والأنماط السلوكية حتى في حالة بعده عن أجواء بلد المنشأ في أجواء أوربية مختلفة من ناحية المناخ والبيئة والتقاليد وعمقهم التاريخي،

إلا إن خزين الذاكرة الممتدة نحو أعماق النمو الحياتي والإبداعي بقي متوافقا بذات الأجواء والأنماط المحيطة ببناء المنشأ في الإنتاج والفكر والشعور النفسي. لقد كانت أعماله لها صلة ليس في المصادر التراثية فحسب وإنما مسار على أساليب تراثية قديمة منها ألفنان الواسطي ولكن بصيغة مختلفة تتداخل معها البناءات التصميمية الحديثة. وبرغم إنشداده التراثي فإن هنالك مشتركات إنسانية قد تداخلت مع إنجازاته الحديثة من المجتمع النمساوي ألذي أستقر به سنوات من العمر،

تجسد ذلك بشكل واضح في الإسلوب والمضامين ضمن معرضه ألمهم ألذي أقيم في النمسا برعاية جهود السفارة التونسية، وقد كان الحضور كبير ومتنوع من الدبلوماسيين و الجمهور النمساوي المثقف فضلاً عن المهاجرين العرب بصورة عامة. وبرغم ماحل بالعراق من دمار وتمزق وإنحلال في جوانب عديدة ومنها الجوانب الثقافية والفنية ألتي تشكل الوجه الأمثل للبلدان، برغم ذلك لكن الفنان المختار يشير إلى ذلك بعلامات وتكوينات إشارية رمزية توحي إلى الأمل وعمق الصلة الروحية.وأعماله ألفنية تحاكي الواقع الإجتماعي بأشكاله المتعددة مما يخلق إنجذابية عامة أو مايسمى بالفن الشعبي المُسمى “بوب آرت”،

وترتبط أعماله فضلاً عن أوقات مضت ولكنها في الوقت ذاته تتعلق بالحياة الإجتماعية اليومية ضمن مسار حياتهم العديدة وكان يستلهم مفردات الحياة الموصلية ألتي ولد فيها عام 1948 بالتجسيد التشكيلي، ففيها من الغنى والتنوع ما يحفز المتلقي المنتج والإستجابة المتفاعلة. لقد شغل ألفنان – مخلد المختار- موقع عميد معهد الفنون الجميلة في بغداد، وشارك في تأسيس معاهد الفنون الجميلة في الموصل والبصرة والسليمانية، وفي تطوير معهد الفنون في بغداد بفتح فروع وأقسام حديثة ومضافة كفروع التصميم، والمقام العراقي، والآلات الموسيقية الهوائية، والدراسات السمفونية، والدراسات الجمالية،

وتحويل فرع الخط والزخرفة العربية إلى قسم.كما أسهم في تسجيل معهد الفنون الجميلة وملحقاته بإدارة اليونسكو العلمية، كتراث قيّم وحضاري، وعمل على تعيين الطلبة الأوائل على الفروع والأقسام معلمين في المعهد وحصل لهم على منح دراسية لإكمال دراستهم داخل العراق أو خارجه.وشغل المختار في عام 1998 حتى إحتلال العراق في 9 أبريل 2003 موقع مدير عام دائرة الفنون التشكيلية العراقية في وزارة الثقافة العراقية، ومثل العراق منذ عام 1978، تشكيليا، في العديد من المؤتمرات مثل المؤتمر العالمي للفنون والمؤتمر الثالث لاتحاد التشكيليين العرب، الذي عقد في العاصمة الليبية طرابلس عام 1983،

وفي المؤتمر التاسع للفنانين التشكيليين الألمان “دي دي آر” في عام 1989، وفي المؤتمر الحادي عشر للرابطة الدولية للفنون التشكيلية في العاصمة الإسبانية مدريد برفقة أستاذيه فائق حسن وإسماعيل الشيخلي.وانتخب المختار نائبا لنقيب الفنانين العراقيين عام 1983 ونائبا لرئيس جمعية التشكيليين العراقيين عام 1986 حتى عام 1990، إذ تم انتخابه رئيسا لجمعية التشكيليين العراقيين حتى عام 1997.والمختار عضو فاعل في منظمات وجمعيات وروابط ونقابات دولية وعربية عديدة للفنون التشكيلية، وأنتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي، وهو عضو ناشط في المكتب الفيدرالي للفنون “شون برون” في النمسا، وحاز جوائز دولية، وأقام معارض شخصية كثيرة.ولئن كان المختار ليس أول مهاجر وليس آخر مهاجر يقضي بعيدا عن وطنه، فإنه كان مهاجرا مبدعا ظل يعطي للحياة حتى آخر لحظة من حياته رافعا راية الإبداع العراقي في حياته خارج العراق ألذي يماثلوه الكثير في بلدان عديدة.

لا تعليقات

اترك رد