لـــــعنة الشيعــــة – البحث عن التاريخ المفقود في الاسلام


 

شاهدت برنامجا تلفزيونيا يتحدث عن الامازيغ ولفت نظري مطالبة الباحث باعادة الاعتبار لقادة امازيغ رفضوا (الاحتلال العربي الاسلامي) لبلادهم اثناء ما يسمى بالفتوحات الاسلامية الاموية، مثل ( اكسل ) الذي ثار ضد عقبة بن نافع وتمكن من تحرير بلاده.
الظروف مماثلة لو اجرينا عمليات تنقيب فيما حصل للاراميين والنبط والاقباط المصريين والافارقة والفرس والاتراك والكورد وغيرها من الجماعات التي تم تعريبها لغة وثقافة وحذفت هوياتها وفرضت هوية ولغة وثقافة اخرى عليها تحت مظلة الدين الاسلامي.

التاريخ الاسلامي خضع لعمليات ضبط ومنهجة فرضتها عوامل قاهرة اشتملت على استنفار السلطات المتعاقبة جميع قواها ترغيبا وترهيبا، بلغت ذروتها في القرنين الاول والثاني من البعثة النبوية، منع خلالها التدوين، بما في ذلك تدوين القرآن الكريم والسنة النبوية، بل جمعت المصاحف المدونة واحرقت بأمر من الخليفة الثالث عثمان بن عفان، واعلن عن تشكيل لجنة من الصحابة لاعتماد نسخة موحدة من المصحف الشريف فرضها على جميع المسلمين.
ليس هذا فحسب بل أعتُمدت سياسات رسمية في عهد ابي بكر وعمر تمنع تدوين الحديث، ما ادى ان يكون الظهور الاول لكتب الحديث المعتمدة عند المسلمين اليوم حوالي النصف الاول من القرن الهجري الثاني، كما ان اول كتاب للسيرة ظهر في الفترة ذاتها!
وهذه مؤشرات يتعامل معها المسلمون بطريقة وعظّية ولو اخضعوها للتحليل النقدي لتوقفوا عندها طويلا، ورتبوا عليها آثارا في تحليل التاريخ الاسلامي.

تماهى الشيعة اليوم كثيرا مع الاسلام الرسمي، وصاروا اكثر ميلاً لتذويب مناهج التشيع التقليدية مع النسخة الرسمية للاسلام، وتقديم مفردات التمايز خاصتهم بوصفها نتيجة طبيعية للاجتهاد المسموح داخل المذاهب الاسلامية المعتمدة والمعترف بها من الاسلام الرسمي، ومن هنا فقد الشيعة اليوم اهميتة مذهبهم في تحليل المدونة التاريخية، لانهم في حدود كبيرة تحللوا في منظومة التفكير الاسلامي العام، كما حصل مع جميع الجماعات الاجتماعية الاخرى.
لكن اهمية الشيعة الحقيقية في كونهم حركة متمردة على المدونة الرسمية للتاريخ بل والتراث الاسلامي، ويفترض ان لديهم بعض مفاتيح احجيات الاسلام المعقدة! بل ان التشيع هو الوثيقة الاهم، التي ينبغي اعتمادها في مختبرات دراسة الاسلام وتحليل تاريخه ومناهجه، لما يميز التشيع من عناصر اساسية في كيمياء الاسلام المعقدة و اهمها:

١- الشيعة جماعة مسلمة نشأت في الجيل الاول من تاريخ الاسلام.
٢- الصلة العضوية للشيعة بآل البيت النبوي والتزامهم بإمامة آل علي وفاطمة حصرا.
٣- اصرار على البقاء ضمن الاسلام والحفاظ على رفض النسخة الرسمية له رغم
تحملهم اقسى العقوبات جراء هذا الرفض.
٤- تاثير الشيعة الكبير في اهم التحولات والمتغيرات في تاريخ الاسلام ابتداءا من رفض بيعة ابي بكر الى اسقاط الحكم الاموي الى تشكيل دويلات مثل القرامطة والبويهيين والادارسة والفاطميين والصفويين وغيرهم.
٥- ثراء النسخة الشيعية من الاسلام، وعكسها لحركة وتطور النسخة الرسمية منه مثل علوم الدين وطرائق تدوين الحديث والسيرة والفقه وعلوم القران والتفسير والتصوف والفلسفة والعرفان والعقائد اللغة وغيرها.
٦- اكتناف النسخة الشيعية على انقسامات ومدارس داخلية تؤشر على الحياة النقدية والتفاعلية.

هذه العوامل وعوامل اخرى، تجعلنا نعيد ترتيب مواد البحث، وفهرست المدونة الاسلامية بطريقة قد تفرز نتائج اكثر دقة في استكشاف المناطق الغامضة في الاسلام، وتحليل نشأة وتطور الافق الاسلامي من التصوف والنزعات الروحية مرورا بالمعتزلة واخوان الصفا وحضور العقل في التفكير الاسلامي، وصولا الى العنف المقدس لدى الجماعات الجهادية الارهابية.

لعنة الشيعة تكمن في تلك العوامل، وفي وضعهم في هذا السياق، اذ يقدم الشيعة رفض علي وحلفاءه بيعة ابي بكر واعتراضهم على شرعيته، في الوقت الذي تقدم المدونة الرسمية ابي بكر وجنده يقاتلون المرتدين عن الاسلام، يقدم الشيعة انشغال علي بحفظ تراث الرسول في بيئته الاجتماعية الاولى، بينما تقدم المدونة الرسمية الجيوش الاسلامية تفتح بلاد الاراميين والنبط والساسان والاقباط والامازيغ، يقدم الشيعة الحسين سبط الرسول ونساءه وابناءه يتعرضون للقتل والسبي لانهم رفعوا راية الاصلاح في الوقت الذي تقدم المدونة الرسمية انجازات الخلافة الاسلامية في اطراف اوروبا، يقدم الشيعة الانقلاب العباسي بوصفه ثورة الهاشميين ثأرا للحسين بينما تتحدث المدونة الرسمية عن انتقام الموالي من العرب.

بين النسخة الشيعية والنسخة الرسمية للتاريخ والتراث الاسلامي تتولد الاف الاسئلة الجادة الباحثة عن اجابات مغايرة تماما للسياقات المذهبية التي شغلت كتب رجال الدين حول هذه المسائل.

اعادة تحليل النص الشيعي بوصفه الوجه الاخر من الحقيقة الضائعة، والجزء المكمل لسلسلة التاريخ المفقود من الموروث الاسلامي خارج سياق علم الكلام والجدل والتقاذف المذهبي يشتمل على ثروة وثاىقية بالغة الاهمية في فهم الاسلام.

لا يمكن التعاطي مع ظاهرة قتل الخليفة عمر وبعده عثمان وبعده علي وحرب عائشة وعلي في الجمل وقتل الحسين وسبي بنات الرسول للشام والتفاصيل المهولة التي حصلت خلال هذه الفترة وما ترتب عليها من اثار، جميع ذلك لا يمكن تصوره في سياق جدل علم الكلام والخلافات الفقهية، كما لا يصح التعاطي معه في سياق فجائعي بكائي غير منتج!

لعنة الشيعة في طرح السؤال الذي يرفض الشيعة قبل السنة الخوض فيه والبحث عن اجابة له، لان السياق التاريخي حفر للشيعة اخاديد تأويلية ملساء في صخور التاريخ الاسلامي .

لا تعليقات

اترك رد