قتل التاريخ


 

وجمعهم ذات يوم فأطعمهم من بعض ما يقال إنه طعام أهل الجنة وأمر بجرار الخمر والدنان فسكبت حتى طفح بها المكان وأمر بجواريه فدخلن عليه وصحبه وكن على هيأت مختلفة فمنهنّ الرمانة ومنهن من لبست قناع الموزة المتبرجة ومنهنّ من سارت على أطراف الأصابع تحاكي الملائكة. ثمّ صفق بيديه فدخل الغلمان يحملون الأطباق عليها الأكواب المنضودة وانحنى كل غلام على شيخ يعرض عليه الكأس الدّهاق ويسليه ويعطّر لحيته.
وفي اللحظة التي برقت فيها العيون واشرأبت فيها الأعناق إلى الجواري وابتسمت فيها الشفاه للغلمان واشتهت النفوس السباحة في يمّ الخمر وتاقت القلوب إلى الخلود في اللذة والركون إلى المتيسر, جاء الصوت من فوق العرش مدويا مرعدا يقطع أسباب اللذة الوليدة ويجتثها من قلوب استسلمت للطمع, وجاء الصوت كأنه الصخرة تهوي من عل. وجاء الصوت كما تأتي الكوابيس في المنام. وفي الوقت الذي تحقق فيه الوعد ,وعد البارحة, الذي منّاهم فيه السيّد الكبير بليلة في الجنة لعلّهم إذا خرجوا في الصباح أخبروا الناس بالحقّ الذي رأوه عيانا وعاشوه بحواسهم وعقولهم. وفي ذلك الوقت الذي سال فيه لعاب الشيوخ تجمدت الدماء في عروقهم فجأة وزاغت أبصارهم وارتبكت حركاتهم لأن الصوت كان موغلا في القسوة.
“أنصتوا إليّ…لا جنة لكم عندي إلاّ إذا ساعدتموني على قتل التاريخ. أنتم تعلمون أنني أثقلت كاهل الأيام بالجنايات الكبائر. وتعلمون أنني لم أعد أقوى على الفرار من وجه الذّاكرة وتعلمون فوق هذا علم اليقين أنكم وقفتم في صفي ونصرتموني على الحقّ وكنتم لي عونا على ما اقترفت يداي. فليقل كل واحد منكم كيف يمكنني قتل التاريخ وسأخلي بينه وبين الجواري والخمور.”
تكلم الأشيب السمين: “نحرق كل الكتب فلا يكون للناس ما يرجعون إليه ونكتب غيرها وندسها في بيوتهم وفي الحمامات والبيمرستانات وفي مجالس لهم فتحول اعتقادهم وتبدّل إيمانهم وتصنع لهم قصصا وأحاديث لن نعدم من يزكّيها ويساعد في نشرها.”
وتكلّم الألثغ الأعور صاحب العمامة الصومعة فقال :”لا فائدة ترجى من حرق الكتب وتبديل القول فقد جُرّب هذا ولم ينفع .اتركوها لمن يشاء أن يتوسلها في حربنا فلا خوف علينا منها. وإني أقترح أن تأمر يا مولانا بتغيير اللغة وأن تحمل الناس على تعلم لسان الفرنجة أو الروم أو الفرس أو حتى لغة الطير والنمل والجنّ ووو ذلك أن ذهاب اللغة يذهب بالكتب وهي بين أيديهم وهم لا يشعرون. وسنكون أنا والشيوخُ رسلَ الهدى نتكلم اللغة التي تختار فيأتم بنا الآخرون ولا ريب.”
وتكلم الشيخ الأمرد وكانت عينه اليمنى على الجواري والأخرى يرقب بها غضب سيّده فقال والبصاق يتطاير من فمه:” لا أحد يضمن أننا سنحرق كل الكتب فلعل بعض الذين في قلوبهم مرض من مناوئي مولاي يقدرون على إخفاء بعض المخطوطات فينقلب الأمر علينا وتتحول صحائفهم إلى كتاب مبين يتخطّفه من أيديهم الأعداء ويحيون به الميت من الأخبار. ولا أمل في ابتداع لغة جديدة فالقوم سيتكلمونها في بيوتهم وسيزدادون بها تشبثا ولها حبا. والرّأي عندي أن نسارع بقتل الشيوخ ومن جاوز الأربعين ومن يتصدى للدرس .واقتل, يا مولاي, كلّ من في صدره علم.(لم يتفطّن بقية الشيوخ إلى ما قاله لانهم كانوا منشغلين بمعادلة اللذة والخوف: كانوا يسرحون لبرهة من نسيان مع حركات الغلمان والجواري وقد استيقظ في نفوسهم نزق الشبيبة وداهمتهم الذكريات وسدت عليهم الذنوب كل منفذ وكادوا يجرمون بتجاهل أمر مولاهم. ثم إذا ثابوا من غفلتهم ارتعدت منهم الفرائص وجف في الأفواه الريقّ.)اقتل الكبار ودع الصغار فلو كان قتلهم مجديا لأنقذ عرش فرعون .”
أكمل الشيخ كلامه ومسح وجهه بالمسبحة التي بللها عرق يديه. ثم التفت إلى الجنة المحيطة به وغرق في وهم اللذة الخالدة وأحسّ بالأقنعة التاريخية تجتمع على وجهه وتتراكب.
وما هي إلى مسافة سكرة حتى تزين نهر الخمر بمهج أسالها جلادو جلالته. وأمطرت سماء السقف حجارة فاختفت الجواري اللائي تحولن إلى فئران بين الركام وصفق الغلمان وطاروا في الجوّ وانتهوا إلى العرش الضارب في السماء وغاصوا في يواقيته. وتحولت الأطباق إلى صنوج توقع عليها أنامل مقطوعة.
ظلّ السلطان على العرش لسنين طويلة فاعتذر منه التاريخ وبرر له جريمته وتذكّر الموتى بخير وسمي “جلالته هادم الأصنام”.

لا تعليقات

اترك رد