اِشراقة أمل ….. أطفالنا


 

صباحا ومع صافرة معلم التربية الرياضية بدأ التلاميذ الصغار يتدافعون ويتراكضون نحو ساحة المدرسة المتهالكة المتعبة من مداسات الأيام وآثار الذين وقفوا هنا في نفس الساحة منهم من غدا كبيرا وتقاعد من وظيفته ومنهم من مات اِغتالته حرب ما أو نزاع عشائري ، وآخرون سحقهم الألم والمرض فعصرا أرواحهم دون رضاهم ، لكن ما بأيدهم حلول أخرى سوى الرقود في الحفر تحت تلال الجزرة المجاورة لمرقد العلوية ( فطوم ) .

لم يدرك محمد المعلم بمقدوره أن يمحي ألم الصغار اليتامى والمرضى وأبناء الميسورين والمهجرين ويبث من روحه في أرواحهم البريئة ويغدو أيقونة فرح لهم ، يحفز فيهم روح الفكاهة والسعادة وفي بعض الأحيان الشيطنة ، بإيماءة منه تتحول شاراته الى فعل حركي وصراخ ووقع أقدام تتراكض وتتوقف فجأة وتشكل أرتالا وصفوفا بأنساق مختلفة ، بصافرة منه يبدأالفرح وبصافرة ثانية يفقد الأطفال ذاكرتهم ويبدون كأنهمسكارى لا يعون ضجيجهم وعراكهم وهم يهرولون نحو كرة القدم وكرة السلة ويشكي بعضهم من البعض الى معلمهم الذي ترك زوجته غاضبة لأنه لم يفلح أن يجمع المبلغ الذي بحاجة اليه ليدفعوا سداد دين بذمتهم الى مصرف الرافدين عن قرض تراكم عليهم منذ ثلاثة شهور .


يظهر مدير المدرسة بعد أن تحول جو المدرسة من سكون ورتابة الى جو صاخب وعامر بنشوة السعادة بفعل صافرة محمد ، أخذ المدير بتأنيبه هو والتلاميذ ويطالبهم بالهدوء والكف عن الصراخ لتسيير الدروس الأخرى كما ينبغي أن تكون ، ولكي لا يشتتوا تركيز باقي الطلاب وهم جالسين في صفوفهم .
المعلم والتلاميذ شكلوا دائرة فرح خلقوها في لحظة شهوة للإفلات من الرتابة الى ديناميكية الروح والجسد محلقين في فضاءات لا يمكن أن تخلقها سوى صافرته وروحهم المتوثبة للحظة سعادة ،

محمد في صراع مع ذاكرته اليقظة التي تشكل مصدرا للقلقبين كيفية المحافظة على درسه ونشوة التلاميذ وبين القرض الذي ذكرته به زوجته منذ الصباح وبدأ الهاجسان الاثنان يتصارعان في خاطره حتى أتته كرة القدم التي ركلها أحد الطلاب بطيش فرفسها المعلم بقوة وعنف ليصب فيها كل قلقه وغضبه من القرض الآثم الذي عكر مزاجه .. حتى نظر الى ساعته فأطلق صفارة طويلة اشارة لانتهاء الدرس تحت غضب الطلاب وصرخوا بصيحة واحدة : لالالالالالالالا

جاء المدير بعد رنين الجرس ايذانا باستراحة ما بين الدروس ونادى بصوت عال : يا ( علي وأوس وعمر وكاظم وعيسى وعبد الله و دلشاد ) هيا اسرعوا لقد دق الجرس .

فاصطفوا على شكل رتل طويل كل طالب بجوار طالب آخر متشابكي الأيدي مهرولين نحو جابية الماء والحمامات بعد درس شيق تصبب العرق منهم وهم يضحكون ويتذكرون ما دار من أفعال شقية في الدرس
ذهب محمد الى غرفته وأشعل سيجارة وأخذ نفسا عميقا وهو مطأطأ الرأس .

لا تعليقات

اترك رد