يسقط الوطن حين يصير غبارا ….


 

ثمانُ سنواتٍ …. في منعطفاتٍ تثقبُ عذاباتها أفياءَ القلب .. هديرك اللامتناهي وصفحتك السماوية تأتيان من حيث أتيت ..من العزلةِ الفقيرة ومن سرٍ احمرٍ كالدم ..من أم طينيةٍ صامتة … تعجنُ الخبزَ بالوجع منك أيها الوطن
ثمانِ سنوات نتأمله عن بعد يتحولُ الى دخانٍ بعد ان استنفذَ الفحم طاقته وتحول الى رماد… سنابلُ تخرج حباتها لتتبعثر في طرقاتِ المنفى وبكاء غير مجدٍ لفراق الارض والاحبة .. شظايا نخرت فتاتِ الروح ومرارةَ عبأت دمي بالحنين الى ارض احتضنت طفولتي وصباي وبعضا من احلامي العصيةِ …حتى غادرتُ على وجعٍ الى منفاي …
اليوم صدحَ المذياعُ يعلنُ السقوطَ .. .. أي سقوط؟؟
سقوطُ الظلمِ ام سقوطُ الحجرِ ام سقوطُ الوطنِ ؟؟
أطبقتُ عينيّ على حلمي الوحيدِ المحاطِ بخارطتِه ..ينهدُّ كلُ شئ ٍحين لا يبقى منه سوى الغبارِ حتى الأحلام والأوطان.. هوتْ الأوثانُ وتكسرتْ التماثيلُ .. أصبحت بلا رؤوس .. و الأبواب بلا حراس تنفتح على مصراعيها .. لكل العائدين والمنتمين والخائفين والسراق والصيادين والمدّعين …وأنا … لو ميتةٌ سأحملُ جثتي معي الى ارضٍ تمنيت أن أتمرّغ في أفياءِها يوم رحلت أجرجر شعري الطويل ورائي ..
. ولأول مرة فتحتُ أساريري وانا ألملم الهدايا واحزم أمتعتي .. سأعودُ للعراق لأرضي الوحلةٍ ، لسمائي القائضةِ ، و لاستكان الشاي، و الخبزِ المنتفخ و وجوه أهلي السمراء واعودُ اسمعُ (عالياني على راح وخلاني) واشّمث رائحةَ الشّطِ والرطب البرحي والصبور واقبّل تمثال السياب .. وأدندن معه (حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق)
تحركتْ بنا السيارةُ على إسفلت تناثرتْ حباتُه كما لو يعلم بالفرحةِ التي اشتعلتْ في قلوبنِا …وسارت السيارة على وقع ضرباتِ القلب تلتهم الكيلومتراتِ الساخنةِ وتقترب من حدودِ الوطن ..
نزلنا من السيارة لعبورِ نقطةَ للتفتيشِ وختم الجوازات .. على مسافة ليستْ بعيدةً .. شممتُ رائحةِ الكباب العراقي يتصاعدُ دخانُه من احدِ المطاعمِ ..دخلنا المطعمَ أحسستُ بجوعٍ غريبٍ ..جاء النادلُ بسحنته العراقيةِ المحببةِ ووضع الكبابَ والخبزِ الأبيض المنتفخ والطماطةِ المهسهسةِ على الطاولة ..
اقتطعتُ بعضَ الخبزِ وغمستُه بالطماطم ولا أكاد أن أضع أول لقمة في فمي حتى تبلّلت بزخّةٍ من دموعي وغصةً في المريء أكلتُ بشهقةٍ وشهيةٍ غيرَ مسبوقةٍ حتى لم اكتفِ …
تهيأنا للدخولِ الى نقطةِ الجوازاتِ .. وقفتُ أمامَ ضابطٍ .. طويل القامة يرتدي بزةٍ عسكريةٍ بنياشين غير مفهومةٍ … اخذ جوازي وقرأ اسمي نقر على لوحة مفاتيحِ حاسبةٍ أمامه حدق طويلا ثم نظرَ في وجهي … سألني اسمكِ الرباعي … أجبته ..عاد يحدق بالشاشة وبوجهي … لبرهةٍ ثم طلبَ مني أن أتوجّه إلى إحدى الغرفِ كما أمرَ العسكري أن يذهبَ معي …
ولكن لماذا … قالوا لا نعلم .. توقفي قليلا للتحقيق ربما تشابه بالأسماء
دخلت الغرفة ولم اخرج منها إلا باتجاه معاكس ..معاكس لكل شئ للهدايا التي تحملها حقيبتي.. وللينابيع الفضية التي حلمت بها .. معاكس لعزلة ليلة العيد وللبرق الذي ينتزع القُبل .. لم استطع أن امسك بعنقودٍ واحدٍ من عناقيدِ الشجرةِ .. التي شهقتْ قامتُها وأصبحَتْ أكثرَ طولا مني .. لم يسعفنْي احدٌ الجميع ماتوا أو ينتظرون دورهَم …. استحممتُ بذبولي تاركةً الأنصالَ لهم … اشربُ دمعةً أبتْ أن تختبئَ في مخدعِها ..
وما زلتُ أتساءل … هل يمكن أن تتشابهَ الأسماءُ الرباعيةُ ؟

لا تعليقات

اترك رد