الربيع العربي، بريء افترّى عليه، فاهدر دمه !


 

قبل خمس او ست سنوات ماضيه احرق البو عزيزي، في احدى قرى تونس، نفسه احتجاجا على تعسف السلطات ضده عبر منعه من العمل لتوفير لقمة عيشه له ولعائلته المدقعة فقرا . هذه الحركة الاحتجاجيه الفرديه تحولت الى فعل جماهيري –اجتماعي واسع وتحولت المطالب من مطالب بسيطه جدا الى اصلاح النظام السياسي كله فسقط نظام بن علي وهرب، فانتهز حزب النهضه التونسي( وهو تسمية للاخوان المسلمين في تونس) الفرصه ودخل بثقل على الوسط الجماهيري، وبالاخص مع الفئات الشعبيه الفقيره المتذمرة من الشعب التونسي والتي كانت تسعى نحو لقمة العيش ولا تهمها مطالب الديموقراطيه او الحريه، وعبر تخديرها بامل الاخرة و حكم الاسلام عبر شعار الاسلام دين ودنيا. تلك الفئات المهمشة ايام نظام بن على لم تكن تطلعاتها تتجاوز لقمة العيش، لان وحسب قول اريك هوفر ” تصبح الحرية عبئا على الشخص حين يفتقر الى المواهب التي تمكنه من تحقيق اي شيئ”. اذن فهذه الفئات استغلت من حزب الاخوان المسلمين التونسي، حزب النهضه، من اجل التسيد على السلطة والاكتفاء بتغير بن علي، قمة الهرم السلطوي التونسي و رمز الفساد المالي والاداري، والابقاء على النظام نفسه مع طرح و سعي للتراجع عن الحريات المدنيه التونسيه التي اقرت من ايام بورقيبه.
الذي ابهر العالم ان الربيع العربي التونسي لم يتراجع الى ما قبل بن علي، وذلك لدور المراة التونسيه المتميز وكذلك دور التعليم التونسي والذي لم ينهار كما حدث في العراق مثلا. حيث حدد الهدف بتغير النظام وليس السلطة ، فوضعت عربة تونس على سكة التنوير وجاء قانون الاحول الشخصية التونسيه الاخير خير معبر عن انتصارات الربيع العربي التونسي .
ما حدث في مصر و سوريا انتج مخرجات مختلفة. هو نصف ربيع وليس ربيع، لان الشعار الموضوع والهدف كان السلطة وليس النظام . ففي مصر على سبيل المثال ما ان اسقطت سلطة الاخوان المسلمين حتى عاد المثقف الى منزله، لان قناعاته كانت في محاربة السلطة التي يعتبرها اساس الفساد وليس النظام جله المغتصب للحريات، ولا المثقف المصري كان يتمتع بحيز من حرية التعبير عن الراي، دخل الربيع المصري من اجل الحفاظ على هذا الحيز وليس من اجل حريات اكبر او اوسع . اما مكانة المراة المصرية فمن المعروف ان قطاع واسع جدا من النساء المصريات، في المدينة والريف، يعانين من تخلف كبير و امية و سلطة ذكورية طاغية . لهذا فان التغير الذي احدثه الربيع المصري هو تغير سلطه وليس نظام مع بعض اللمحات هنا وهناك من المطالب بالحريه تحتاج الى وقت لتدرك ان الجوهر هو النظام وليس السلطة.
اما في سوريا فربيعها لا يختلف كثيرا عن المصري. حيث ان المطاليب محصورة بتغير السلطة المطلقه للبعث الحاكم، اما النظام فما تزال القوى السوريه المعراضة( كما يطلق عليها ) لا تعترف بحق الاكراد السوريين في تقرير مصيرهم ولا تضع في برامجها مساواة المراة، كما وان دور المراة السورية في هذه المعارضة ضعيف جدا .
** وقبل الانتقال الى نقاش “من افترّى عليها، ومن اهدر دمها”، اود ان اشير الى ان ما حدث في العراق بخطوطه العريضه يشبه الى حد بعيد المثالين المصري و السوري، من ناحية الموقف من السلطة و النظام و دور المراة و دور الفئات الوسطى التي كانت مفلسة اقتصاديا تحت حكم صدام حسين لكنها انتعشت اقتصاديا بعد 2003 وتحديدا الموظفين***
المفترّي
قطاع واسع من المثقفين و الصحفيين العرب يعتبر الربيع العربي مؤامرة و اسرائيله امريكيه . الا انني اعتقد:
1-ان هذا الراي تزكية للنظم السابقة للربيع العربي، التي كانت متسلطة على رقاب الناس، و همشتهم وافقرتهم الى درجة اصبح الوعي محصور في ان الحصول على رغيف خبز زياده يعتبر انجاز وطني كبير وهدف يسعى له كل فرد. اما الحريات فامرها مؤجل الى حين، لا وبل ان البعض يعتبرها بذخا في الوقت الحالي. وخير دليل على تدعيم هذا الراي ان احزاب الاسلام السياسي الشيعي تعتمد الرشوة المادية في برامجها الاتخابية “توزيع اراضي، توزين شحن هواتف ، عزايم اكل بالاضافة الى حرية منفلته لما يسمى الشعائر الدينيه التي كانوا محرومين منها زمن النظام السابق” اما السنة فيتغزلون بفقدان السلطه. اما الاكراد فيخاطبون الوعي لما مر قبل حوالي مائة عام . جميه هذه المكونات ليس لها برنامج للمستقبل.
2-عند اللقاء التهمة على اسرائيل و امريكا بانهم المحرك للربيع العربي، فان ذلك جهل بحركة التاريخ اولا وتضخيم لدور اسرائيل بانها الامر الناهي في الشرق الاوسط، وهو ما يمثل وعي الانسان المقهور غير المؤمن بمقدرته. هذا الوعي “المقهور” جاء نتيجة لسنوات من القهر المبرمج والمنفلت والموجه الى عموم الناس وباشكال مختلفه افقد الانسان وعيه بذاته ولذاته.
3-ما ذكرته اعلاه لا يعني انكار دور للقوى الخارجيه، والتي يسميها البعض مؤامرة. فهذه سمة العلاقات الدولية المبنية على المصالح. ولكن هذه تعتبر عوامل خارجيه تمتلك دورا ثانويا وليس اساسيا في تحرك جماهيري واسع. لناخذ الربيع المصري كمثال. ما ان صد الاخوان المسلمين الى السيطرة على السلطة حتى اعترفت بهم امريكا ” لسبب اعتقادها بان هذه مرحلة تاريخية في الشرق الاوسط” لا بل وقفت ضد التحرك الواسع والنشاط للشارع المصري ضد حكم الاخوان، لا بل اعتبرته منافي للديموقراطيه. لكن ما الذي حدث بعد ذلك. فرضت الجماهير رأيها ليس على الصعيد المصري فقط بل الدولي ايضا فازاحت حكم الاخوان.
وحسب قناعتي لولا هجوم الاخوان على الحريات النسبية التي حققها المثقف المصري منذ ايام السادات لما لعب المثقف دورا المهاجم ضد حكم الاخوان، لان الفئة الدنيا من الشعب المصري اي المدقعين فقرا كانوا مشلولين. فكما يستنتج ايريك هوفر ان ” الصراع اليومي للبقاء على قيد الحياة، يحفز على الجمود، لا على التمرد”. لقد اعتمد الاخوان المسلمون تكتيك اشعال الامال الجامحة وليس التمرد وذلك عبر تأميل الناس بـ الحياة الاخره. وهذا ما تتبعه احزاب الاسلام السياسي في العراق.

2 تعليقات

  1. مع احترامي لرأيك دكتور أثير ، ولكني اختلف مع في الكثير مما اوردته ،
    فثورة تونس كانت تظاهرات جماهيرية وردة فعل تلقائية متعاطفة مع حالة انسانية تمس شريحة كبيرة من المجتمع التونسي الذي يعاني من البطالة والفقر ولكن هذه الاحتجاجات التلقائية غير المخطط لها في اول انطلاقتها استغلتها جهات اجنبية بمساعدة التنظيم الدولي للاخوان المسلمين وتنظيم الاخوان في تونس الذين كانت لديهم مخططات وطموحات للسيطرة على السلطة حالهم حال كل تنظيمات الإخوان في المنطقة وبدعم خارجي عربي واجنبي ،،
    وما حدث في سورية ايضا اساسه وشرارته احتجاجات وتظلمات اثر حادث مس كرامة عائلة سورية نتيجة تصرف لا مسؤول من جهة حزبية بتصرف فردي غبي متطرف ادى الى استغلاله من طرف جماعة الاخوان المسلمين وبدعم اجنبي وعربي لاسقاط نظام الحكم كما حصل في مصر حين خرجت مجاميع من الشباب في تظاهرة سلمية لا تحمل بنادق ولا قنابل ولا سكاكين ، حالها حال تظاهرات سلمية سابقة اعتادها مصر ضمن حيز منتحه الدولة المصرية للمواطنين بشرائهم المختلفة للتعبير عن الرأي ولم تقتصر على الشباب من المواطنين العاديين بل شرائح مختلفة من المجتمع المصري من المحامين والصحفيين والتربويين وعمال امصانع والسكك الحديد وغيرهم التي كانت تشهدها شوارع مصر ونقاباته وساحاته الرئيسة في القاهرة والاسكندرية واسيوط وباقي المحافظات ، فاستغلها تنظيم الاخوان وبدعم خارجي ودفعوا بآلاف من عناصرهم وكميات من الاسلحة والمتفجرات للاعتداء على عناصر الشرطة والامن وتخريب وحرق ونهبممتلكات الدولة والبنوك والمدارس والمؤسسات الصحية والخدمية وتفجير خطوط الغاز واقتحام السجون واطلاق المجرمين ومنتسبي الاخوان وحماس واقتحام مبنى الاذاعة والتلفزيون ومدينة الانتاج الاعلامي واقتحام المتاحف وحرقها وسرقة الاثار والسطو على الممتلكات الخاصة والقتل العشوائي واغتيال عناصر الشرطة …الخ مما حصل في 25 يناير / كانون الثاني عام 2011 ،،
    ولكن هذه المرة اعني في سوريا اخذ ابعادا اكبر لانه يقع ضمن نطاق المخطط الدولي لتفتيت المنطقة ، فسوريا ليست تونس لاسباب عديدة اهمها موقعها الجغرافي في قلب الشرق الاوسط وتحكمها بطرق تصدير الطاقة عبر البحر المتوسط اضافة الى كونها دولة مواجهة مع اسرائيل وكونها في دائرة المناطق المتنازع عليها بين القوى العظمى في مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا ، فكان ماكان مما حصل ويحصل الان على ارضها التي اصبحت تجمعا لكل انواع التطرف الفكري والديني والتجاذب الطائفي والعرقي في العالم والذي دفع ايران في ظل تلك الأجواء بأن تدفع بثقل اضافي من لتعزيز نفوذها وتقريب اهدافها بحجة حماية حليفها في دمشق لدعم ذراعها العسكري في جنوب لبنان واثبات وجودها في المنطقة كلاعب اساس بعد احتلال العراق الذي كان الحجر العثرة في طريق توسع نفوذها في المنطقة وانحسار الدور العربي الفاعل ، وعلى العالم ان يعترف بذلك وان يتقاسم معها العكعة ومناطق النفوذ ،،
    اما تناولك يا دكتور لنموذج العراق كأحد نماذج ما يسمى بالربيع العربي فهو غير موفق كون ماحصل في العراق هو احتلال من قبل دول اجنبية ولم يكن ثورة شعبية ، كما ان ذلك حصل قبل ما اصطلح عليه الربيع العربي بنحو ثماني سنوات ، وما ينطبق عليه لا ينطبق على غيره من دول الربيع المزعوم .
    مع تقديري واحترامي

  2. شكرا لتعليقك الغني عزيزي عدا موضوع العراق لا اجد اي خلاف في وجهات النظر انا اطلاقا لم اقل غياب تدخل خارجي لكن اعتبره من الدرجة الثاتيه اقصد ان العوامل الداخليه هي الاساس تبعتها وكذلك افرزت تجليات عديده اخرى وشكرا على الاغناء بمعلومات اضافيه
    العراق كان المقصود بذلك ما بعد 2012 وهو معروف في العراق في انطلاق تظاهرات في بغداد اولا ثم محافظات اخرى سنية اولا تحديدا الغربيه كما يطلق عليها لكن التصرف الارعن للحكومة العراقيه في استخدامها المفرط للعنف حرف اتجاه تلك التظاهرات والقى بها في احضان داعش
    شكرا لك مرة اخرى على اغناء الموضوع واعيد انا متفق معك وقد اشرت الى ذلك في المقاله وربما جاء مختصرا جدا وهو ان العامل الداخلي هو الاهم ثم ياتي بعده الخارجي تحياتي

اترك رد