هى أشياءٌ لا تُشْتَرَىَ


 

_ بمحض الصدفة كنت قد شاهدت له “فيديو” على اليوتيوب منذ عامين، ولازلت أذكر كل حرف نطق به إلى الآن، وما تنفك دهشتى أن تتجدد كلما تذكرت كلماته ،
_ والآن سأحاول نقل ما تحدث به ذلك الرجل السبعينى عن مصر التى لا ينتسب إليها ولكن حبها يسرى فى روحه وعروقه إلى جانب وطنه الأم،
_ إعتلى الرجل منبره فى قلب الإحتفال بافتتاح دار الوثائق الجديدة بالفسطاط، وفى حضور كبار رجال الدولة المصرية أخبر الجميع عن مشاعره تجاه تلك الأرض وعن ذكرياته معها، وكيف أنه يوم احتراق المجمع العلمى كانت الكتب تحترق والنار بقلبه تشتعل، لافتاً إلى أنه قرر بعدها ووعد بإعادة الكتب، وقال: أنا أعرف مكان الكتب وأعرف من يقف خلف النيران واستطعت أن أعوض المجمع العلمى،
وأشار إلى أنه وجد المخطوطات فى مصر بحالة يُرثىَ لها، لذلك صمم على إنشاء وافتتاح مبني دار الوثائق الجديد فى أقرب وقت،
لم يقل الرجل ذلك من باب التفاخر أو الإستعراض، وإنما عَقبَ بأن مصر لها فضل على منطقة الخليج عامة والإمارات خاصةً.،وأكد أنه يحرص دائماً على مشاركة مصر أفراحها، معتبراً أن مشاركته فى افتتاح دار الوثائق الجديدة نقطة فى بحر عطاء مصر.

_ ثم عاد الرجل بذاكرته إلى الوراء لأكثر من خمسون عاماً وأشار إلى أن حبه لمصر دفعه لأن يكون أول صحفى سري لها خلال العدوان الثلاثي عام 1956، حيث كان يرصد ما يحدث في الحرب على مصر ،

_ ثم أوضح أنه جاء إلى مصر بعدها عام 1965 طالباً للعلم فوجد جميع علوم الدنيا فى مصر من تراث وآثار وقيم وأخلاق.، والتحق بالدراسة فى كلية الزراعة بجامعة القاهرة التى يتشرف دوماً بأنه أحد أبنائها،
ثم حكى للحضور عن مشاعره فى أعقاب 67
وكيف اعتصر قلبه ألماً وحزناً على مصر،
فقرر وقتها شيئاً غريباً _يثير دهشتى إلى الآن_ قرر الإلتحاق بالجيش المصرى ليشارك فى الثأر لها، وبالفعل ذهب إلى منطقة التعبئة لتسجيل اسمه ضمن قوائم الجنود الإحتياط، إلا أنهم رفضوا الإستعانة به وشكروه، فما كان منه إلا أن جلس أمامهم على الأرض وظل يصيح: لماذا لا تريدون أن تأخذونى.. خذونى فإنى أجيد قيادة سيارات النقل، و أجيد “ضرب النار” ولكنهم شكره ورفضوا أيضاً، فصاح مجدداً: خذونى فأنا أجيد مسح الأحذية، و أرغب فى مسح أحذية الجنود المصريين،
كانت كلماته كبيرة ومشاعره تجاه مصر أكبر ، فمن يسمعها إذن ولا يرفع صاحبها فوق الأعناق، وبالفعل تم قبوله مع باقى المتطوعين وتم ترحيلهم إلى أحد معسكرات التدريب بمنطقة الأهرامات.،

_ وأشار إلى أنه عاش بمصر لمدة خمس سنوات وعز عليه فراقها، موضحاً أن مصر ظلت محفورة فى القلب، مضيفاً أنه يملك صورة للنيل من نهاية شارع البحر الأعظم، وأنه يطيب له التواجد بتلك المنطقة للإستماع إلى صوت المراكب.
وأضاف أنه كلما اطلع على تلك الصورة قال “سلام يا مصر بحبك مهما غربوا بيكى”، لافتا إلى أن أحد الأشخاص قال له انظر لحال النيل حالياً، فرد عليه قائلاً : “بحبه برضه “.
_ ثم أوضح أن ما كان يُراد بمصر أكبر مما رأيناه ولكن لم يحدث ذلك بفضل همة رجالها، مؤكداً أن من يحمل أمانتها قد أتى به الله لينقذ مصر في الوقت المناسب.
وأكد أنه رجل عادل لا يقول أنا فعلت، ولكن يقول أنتم فعلتم وصنعتم، وهذه هى صفة القيادة الحكيمة قائلاً: لم ألتق به بعد.. ونأمل أن يحميه الله ويبقي لمصر حتي تستطيع أن تصل بأبنائها لمستوى من الرفعة و الكرامة.

_ ثم روى قصة اعتقاله فى مصر، قائلاً : أخذونى على وزارة الداخلية وتمت مسائلتى عن سر تجولى بالشوارع ، فقلت: “أريد اعرف مصر”، مضيفاً كلما وقفت أمام أى مبنى كانوا يشكون فى أمرى، وخرجت من مصر بعد أن طبعت كل صورة فى قلبي.
وقال : إن أعظم شئ عرفته هو المصرى الأصيل.. كل شئ جميل فى مصر شوفته، والقبيح لم أراه، فمصر قيمها كثيرة”.

_كان هذا هو حاكم الشارقة بدولة الإمارات “الدكتور سلطان بن محمد القاسمي” الذى أعطى يومها درساً فى حب مصر، من خلال كلمته عن فضلها ومكانتها،
قطعاً لم يطلب منه أحد ذلك، وإنما كان يتكلم الرجل بدافع ذاتى لن يدركه سوى النبلاء،
لم يجد حرجاً فى ذكر ما رواه أيام صباه، ولم تجد نفسه تكبراً عن ذكر أصدق وأنبل المشاعر تجاه وطنى وأهله،
و رغماً عنى تذكرته أنا أيضاً عندما رأيت وسمعت فى الأيام القليلة الماضية من ينتسبون إلى بلادى ولكنهم يحاولون تشويه ماحققته من انتصار عسكرى أعاد للأمة عزتها ، ولكن محاولاتهم تزييف وتدليس ما حدث لا تنتهى، ثم جاء بعدها بيومين تربصهم بها من أجل الشماتة فى شعبها إن هى خسرت فى مباراة كرة القدم، ولكن الله خذلهم مرة أخرى،
أعاذنا الله من شرورهم ومن سواد قلوبهم،
أفلا يستحون؟!
_ لا أجد اليوم أفضل مما ختمت به قصة “حفيد الإغريق” لأنهى به حديثى إليك عزيزى القارئ .
نعم.. فلازلت متعجباً من مفارقات الحياة..
فهناك قلوبٌ تنتمى ولا تنتسب..وقلوب تنتسب ولا تنتمى..
وشتان..شتان بين الإنتماء والإنتساب،
* قلوب لا تنتسب إلى أرضك يا مِصر ولكنها تنتمى إليك بما تملكه من رصيدٍ كبير يملئ وجدانها وكيانها بمشاعر الحب والحنين والإخلاص،
* وقلوب تنتسب إليك ولكنها لا تنتمى..
ففى نظرها القاصر وعقلها المريض:
“ما الوطن إلا حفنة من ترابٍ عَفِن”
_ وإن عاشت تلك القلوب أعماراً فوق أعمارها لن تدرك أبداً أن فى عرف و دستور الأوطان..تظل هناك أشياءٌ ثمينة صعبة المنال..وأن الإنتماء والوفاء والنبل والإخلاص لم تكن يوماً بالأوراق الثبوتية الدالة على حمل الجنسية أو ببطاقات الهوية.. وإنما بالبذل والعطاء والإيثار.
_ حقاً.. “هى أشياءٌ لا تُشترى”

لا تعليقات

اترك رد