نقص المناعة الوطنية


 

الوطنية مفهوم أخلاقي ومبادئ شعورية مثل الانتماء و الارتباط بالأرض، وهي ذات ارتباط وثيق بمفهوم بالحرية كما يقول جان جاك روسو الذي يستبعد ان تنمو الوطنية في مجتمع مستعبد ، اي مجتمع يقدس الأصنام السياسية، فلا إنسانية دون وطنية ولا وطنية دون حرية .
الوطنية ليست رداء نرتدية وقت الحاجة لـ يقينا من التهم ويبعد عنا الخيانة ، بل هي فيوضات من الحب تتفجر دون ارادة او سابق تصميم. ويبدو ان فقدانها يسبب نقص حاد في المناعة والممانعة الانسانية . ولكننا في الوقت نفسه يجب علينا ان نقول ان الوطنية مفهوم نسبي ومعقد في آن واحد ، نسبيته تكمن في ارتفاع منسوبه لدى بعض الاشخاص وهبوطه لدى البعض الاخر ، اما تعقيده فيتحدد في عدم وجود مقاييس نظرية متكاملة له. لذا تتعدد تفسيراته ، لكن كل هذا لا يمكن ان يتجاوز مبدأين أساسيين في الوطنية وهما الانتماء والهوية ، وهما العنصران المفقودان لدى اكثر القادة السياسيين في العراق ، فجل الذين يحتلون مناصب رفيعة في الدولة العراقية يحملون جنسيات اجنبية، وغير مستعدين للتنازل عنها، والبعض منهم احتمى بها وقت اصطكاك الأسنة وتراشق الرماح في المماحكات السياسية ، فكانت طوق نجاة لكثير من الفاسدين ، والبعض يحمل الجنسية العراقية باعتبارها اوراق ثبوتيه ليس إلا، فكان الوطن معروض في سوق النخاسة الاقليمية والدولية ، وهذا بحد ذاته اظهر إصابة هؤلاء بمرض فقدان المناعة الوطنية ، أما الهوية والارتباط ، فقد يبدو ذلك جليا في عدم نقل الكثير من القيادات التي تحكم البلد لعوائلهم الى العراق ، أو اخراج البعض الاخر لعوائلهم من العراق لـ يتخذوا من عمان والامارات وقطر وطنا بديلا وأصبحوا مواطنين مزدوجي الهوية ، وكأنهم موظفون في بلد اجنبي يرجعون لموطنهم حين انتهاء مدة العقد او عند الطرد او الفضيحة .

مشهدان مرا في العراق أضهرا أعراض المرض بوضوح .
الاول هو الاستفتاء الذي سلط الضوء على مجاميع من حاملي الاوراق الثبوتية ووقوفهم بقوة مع تمزيق الوطن وتقسيمه ،وراحوا يقدمون فروض الولاء والطاعة للبرزاني، وهم يغلبون الحس العبثي على الوطنية . ولم يكن لهم موقف واحد موحد من الحدث .
بل ان قسم من السياسيين امتنع عن الإدلاء بأي حديث عن النزعة البارزانية في الانفصال.
والحدث الآخر هو وفاة السيد جلال طالباني الذي مات وهو يخجل ان يكون عراقيا ، وليكن من يكون وهذا حقه كمناظر كردي لمدة أربعين عام ورئيس للجمهورية لثمان سنوات ، وهذا ليس مهما بقدر رمزية الطالباني والثقة التي منحها له العراق في تسنمه المنصب لكنه اعتبر ذلك حصة الكرد وليس تفويض شعبي من خلال مجلس النواب ، وكل ذلك لا يساوي شيء امام فاقدي المناعة الوطنية الذين تسابقوا دون خجل ان يساهموا في إهانة وطنهم وحضروا منكسرين امام نشيد وطني مختلف وعلم مختلف ولغة ذليلة .

إن من أخطر الفايروسات التي تصيب الدول وقادتها هو فقدان الانتماء والهوية الوطنية ،وشعورهم بأنهم موظفون بعقد مؤقت في دولة اجنبية سيعودون يوما ما .
لقد حدد منظروا السياسة مجموعة من الأعراض لهذا المرض الخطير وهي :
* فقدان الحرية والإنسانية حسب تعريف روسو
*عدم الاستعداد للتضحية من اجل الوطن حسب تعريف ميكافيلي
والتعريف الـ ميكافيلي للوطنية لا يعني ان المواطن لا يمكن ان يثبت انتمائه للوطن الا بالموت من اجله ، بل التضحية تعني ان يعيش المواطن ويحيا من اجل البناء الأعمار .
لذا ينطبق تعريفا روسو وميكافيلي للوطنية في نقطة مهمة وهي إنسانية المشاعر الانسانية اتجاه الوطن وكذلك شرط الحرية والتضحية. وهذه الصفات هي المفقودة في وطننا ( العزيز )

لا تعليقات

اترك رد