عاطفيون بالاسم


 

ومن الأخطاء الفكرية الشائعة، والتي التصقت بأهل الشرق أكثر من غيرهم، هي إنهم عاطفيون جداً، ويتوهمون أن هذه الصفة كانت سبباً في تراجعهم في المضي نحو التقدم. والانطباع السائد أن الغربيون لا يملكون عاطفة جياشة وبأنهم يحكّمون عقولهم أكثر من عواطفهم؛ لذلك هم أكثر نجاحاً فيحياتهم من الشرق.

نعم، عاطفيون جداً لأنهم إذا جاء الابن يشتكي لأبيه من المدرس يتفاعل الأبعاطفياً مع ابنه ويهاجم المعلم دون أن يستفسر عن السبب؛ إن كان ابنهم قصراً في دروسه أو في سلوكه.

نعم، عاطفيون جداً لأنهم يعطون الوظيفة والمنصب الرفيع لمن تربطهم به صلة قرابة من طرف الزوجة أو الأم؛ لا للشخص المناسب ومن يملك خبرة أكثر.

نعم، عاطفيون أكثر، لأنهم ينصرون أخاهم ظالماً كان أم مظلوماً وينصروا نابناء طائفتهم من غير هدى ولا سراج منير.

نعم، ليسوا عاطفيين، لأنهم لا يتعاطفون مع أولادهم ويستمعون إلى الطرف الآخر ليفهموا أين تكمن المشكلة.

نعم، ليسوا عاطفيين، لأنهم يعتمدون على الخبرات العالية، لا على التوصيات العائلية، ولأنهم يحترمون العقل الذي ينتج لهم أكثر.

نعم، ليسوا عاطفيين، لأنهم لا ينحازون إلى جنس ولا عرق ولا دين؛ لكنهم ينحازون إلى من يعطي ومن يخترع ويبدع لهم من أجل حياة أجمل.

إن العاطفة موجودة في الإنسان بوجه عام، والشعور وشدة الإحساس ليست محصورة في شعب دون الآخر، لأن العاطفة ليست طبعاً أو فلكلوراً شعبياً هي جزء من التكوين البشري عربياً كان أم غربياً. لكن الفارق هو أن الغربيون قد فهموا ماهية العاطفة أكثر مما فهمها الشرقيون واستطاعواتوظيفها في المكان المناسب دون إفراط ولا مبالغة بها.

طالما أن الشرقيين عاطفيون إلى هذا الحد؛ فلمَ الحرب على أرضهم أكثر من الحب؟ ولم القتل وسفك الدماء؟ ولا نراهم يتبنّون ثقافة الحب ويعتنقون طقوس الورد؟

إن كانوا بهذه العاطفة السخية، فلماذا إذاً هم أكثر الأمم عنفاً أسروياً؟ وإن كانوا يمطرون بالعاطفة كيف تطاوعهم قلوبهم الرقيقة أن يتبرأوا من أنثاهم ذنبها الوحيد إنها أحبت شاباً من غير طائفتها؟

ومن الاعتقادات الخاطئة أنهم يتوهمون بأن العقل يأخذ بصاحبه إلى النور، والقلب يورط صاحبه ليأخذه إلى التهلكة. والغالبية العظمى، تعتقد بأن الذي يستخدم عقله أكثر من قلبه يحقق نجاحاً أكبر، ويكون في منأى عن المشاكل والاضطرابات النفسية؛ ودليلهم القاطع أن أهل الغرب تفوقوا على الشرق بإقصائهم القلب واختاروا سيادة العقل.

بينما الحقيقة هي” أن الحب الجميل، والمشاعر المهذّبة يولدان الاسترخاءوالشعور بالارتياح فتعم في الجسم حالة هدوء ورضا تجعل الإنسان في حالة اتصال أوسع مع العالم الخارجي، ويكون تعامله بلياقة أعلى من الشخص الذي يعيش بعاطفة كامنة؛ الحب هو ولادة لكل إبداع، لا كما يتوهمون إنه حالة ألم وأرق وسهد ولوعة. حين لا يفهم الإنسان عاطفته ويحمّلها فوقطاقتها، تنفر منه وتمشي بطريق مختلف عن مسارها التي خلقت من أجله”

وما لا يعرفه الشرقيون العاطفيون جداً ” إن القلب بإمكانه التصرف وكأنه دماغاً آخراً، يساعدنا ويرشدنا بأسلوب آخر من أساليب الذكاء، والتواصل العميق ما بين القلب والدماغ. يجعلنا نفهم العالم من خلال الإحساس؛ إذيمكننا فهم حقيقتنا بشكل كوني؛ والقلب يملك مفتاح توحيد البشر فيسهُل علينا فهم الآخرين ويكون من السهل علينا بناء عالم جميل مبني على عواطف ونبض ودقات قلوب متناغمة مع موسيقا العقل.

الذين ملكوا الذكاء العاطفي، والذين فهموا بأنه لا يمكن الاستغناء عن العقل والانفراد بالقلب، أو الاستغناء عن القلب والعواطف المرهفة والانفراد بالعقل الرزين. استطاعوا أن يخلقوا لأنفسهم عالماً هادئاً وأبدعوا في مجالات عديدة وتفوقوا على الذين انحازوا لطرف على حساب الآخر.

هل من المعقول أن نصدق بأن الأم الغربية لا تملك عاطفة اتجاه طفلها ؛ ووحدها الأم العربية هي من تنفرد بمثل هذه العاطفة؟

وهل هناك اختلاف خلقي وفيزيولوجي ما بين نساء الغرب ونساء الشرق؟

ألا توجد قصة حب اسطورية حدثت في الغرب؟ أم وحده الشرق من يحتكر قصص الحب الجامحة؟ إن العاطفة أكبر محفزاً للإيداع وأكبر منشطاً لدقات القلب؛ لكنها تحتاج لذكاء، وهذا الذكاء العاطفي لا يتم إلا حين نتلمس مسامات عواطفنا ونخلق حالة توأمة ما بين القلب الذكي والدماغ العاطفي.

“إن القلب هو من يملك البصيرة؛ يبصر في الجوهر الذي تعجز العين عنر ؤيته. فلننظر بعيون قلوبنا نرى الكون أجمل، ولنترك عواطفنا حرة ولا نلقيفي نهرها أحجاراً كبيرة تعيق مجراها. ولنفهم بأن العاطفة خلقت للبشرية جمعاء لا شرقية ولا غربية لا دين لها ولا جنسية”

شارك
المقال السابقانتفاضة بلبل
المقال التالىالربيع العربي، بريء افترّى عليه، فاهدر دمه !
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد