الاصلاح المفقود بين الصدر والدعوة

 
الصدى - تظاهرات

رمى زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بأخر أوراقه في مواجهته مع حزب الدعوة وشركائه عندما فاجأ خصومه ومؤيديه باعتصامه داخل أسوار المنطقة الخضراء معتبرا نفسه ممثلا للشعب ومنهيا أسطورة الاقتحام الشعبي للمنطقة المحصنة ! في تحرك قد ينبئ بوصول الأمور لنقطة اللاعودة ، لأن السيد الصدر يدرك جيدا بأن خطوة التراجع بعد هذه المرحلة تعد انتحار سياسيا له ولتياره في مقابل ذلك يعي حزب رئيس الوزراء هو الأخر بأن الرضوخ لمطالب رجل الدين المثير للجدل يعني انتهاء حكمه (السيء الصيت) عمليا وبين هذا وذاك تبدو هذه المواجهة أساسا بين رؤيتين تحظى الأولى منها بتأييد ضمني من مرجعية النجف فيما تمثل الثانية خيارا ايرانيا لارجعة عنه مؤكدة لاختلاف سابق في وجهات النظر دفعت التظاهرات المطالبة بالاصلاح لظهوره علنا وللمرة الأولى بين النجف وقم ، فيما ينفرد المجلس الأعلى بموقف رمادي “ان صح التعبير” يستهدف اضعاف حزب الدعوة دون تمكين الصدريين مع السعي لقطف ثمار حراكهم في اللحظة المناسبة .

وسط هذا المشهد المعقد يبنغي القاء الضوء على جوهر الأزمة السياسية الحالية وهو “الاصلاح” والذي لايزال مرفوضا من قبل الكتل السياسية لتعارضه التام مع مصالحها ولخشيتها من تقليص نفوذها في حال تحققه ففي الوقت الذي تحتفظ به كل كتلة سياسية برؤيتها الخاصة للاصلاح يطالب السيد الصدر بحكومة تكنوقراط مستقلة بعيدا عن المحاصصة الحزبية والطائفية غير ان هناك عقبات عديدة تحول دون تحقيق تلك الرؤية منها تمسك حزب الدعوة “تحديدا” باستحواذه على الدرجات الخاصة والمفاصل الحساسة في الدولة ممايمكن تسميته ب “الدولة العميقة” واستعداد صقور الحزب لخيار المواجهة الشاملة واحراق الأخضر واليابس مع اللعب الدائم على الورقة الطائفية دفاعا عن مكتسبات يستحيل تعويضها ، بالاضافة لمعارضة شخصيات ذات تأثير كبير مثل ابراهيم الجعفري وحسين الشهرستاني لخروج مهين بهذه الطريقة من الكابينة الوزارية ، ويزداد الأمر تعقيدا اذا ما علمنا بجملة اشتراطات سنية وكوردية بعدم المساس بالاستحقاق الانتخابي لهذه المكونات بحجة الاصلاح مروجا بعضهم وبشكل غريب بأن مايحصل هو صراع شيعي – شيعي ، وهنا تجد أحزاب التحالف الوطني نفسها بموقف لا يحسد عليه لكونها قد تضطر منفردة لتقديم تنازلات أمام ضغط الشارع الشيعي الغاضب في الوقت الذي يهرب فيه السيد البارزاني الى الأمام من أزمة الاقليم السياسية مستخدما شعار “الاستقلال” لتخفيف حدة الاحتقان الشعبي فيما يفتقد اتحاد القوى السنية لجمهوره الناقم عليه أيضا و المقسم بين من باتت المخيمات موطنا لهم ومن يعيشون تحت سيوف سلطة الخليفة ، ودون أن ننسى الترقب الأمريكي لمآلات الأحداث والسعي للاستفادة من مجرياتها عبر الدفع بأسماء تكنوقراط محسوبة على واشنطن لشغل مواقع حساسة في منظومة الدولة العراقية ومن هنا يبدو ان الاصلاح بحد ذاته يعد تحديا كبيرا ومهمة جسيمة قد لايستطيع السيد الصدر اداءها وحيدا .

ان الخطوة التي أقدم عليها السيد الصدر قد جعلت منه أسطورة في نظر أتباعه وبطلا شعبيا في نظر الكثيرين حتى ممن كان لديه جملة تحفظات على الراديكالية الدينية للتيار ودوره السياسي باعتباره جزءا لايتجزء من العملية السياسية وهو مايذكرنا بحجم الدعم السياسي والشعبي والاقليمي والدولي الذي حظي به الدكتور حيدر العبادي العام الماضي للسير قدما في طريق الاصلاحات قبل أن يخذل الجميع ويثبت انه الحلقة الأضعف في حزب الدعوة والذي عجز الرجل ولايزال عن خلع عباءته عنه ولا يبدو ولغاية الآن انه بوارد الاستفادة من هذا الضغط الشعبي وللمرة الأخيرة لتحقيق تقدم ما في مسيرة الاصلاح عموما ، ان الأيام وحدها كفيلة بالأجابة عن مدى قدرة السيد الصدر (المعروف بتقلباته) على الذهاب بعيدا في تحديه ومحاكاة سيرة الشهيدين محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر أو ان تغيرات مفاجئة قد تطرأ تجعل الرجل يعيد حساباته مع عدم نكران موقفه الشجاع هذا وحكمته ومرونته والتي جنبت البلاد الفوضى بالغاءه لخيار اقتحام الخضراء لما لذلك من رمزية سقوط الدولة ومايترتب على ذلك من تبعات سلبية وتداعيات خطيرة ، سوى ان المواقف الشجاعة الآنية لا تكفي لتحقيق الاصلاح المنشود بمقدار مايحققه الثبات حتى النهاية بصرف النظر عن التبعات خصوصا ان السيد الصدر قد أقترب كثيرا من الواقع الشعبي والذي تجاوز مصطلحات (العملية السياسية ، البرلمان ، الكتل السياسية ، الدستور) مطالبا ب”اصلاح على الطريقة الثورية” وهو ما لم يدركه الدكتور حيدر العبادي وجميع الطبقة السياسية العراقية على اختلاف مكوناتها التي تبدو في حالة انفصام نفسي كامل عن واقع الشارع في بلد يحتاج لتغيير شامل وجذري لا مجرد اصلاحات ترقيعية وهو يمر بمخاض مرحلة جديدة مجهولة الملامح قد تولد في خيمة الصدر الخضراء .

محمد علي

لا تعليقات

اترك رد