وترحل اللقالق قبل الأصيل – ذكرى رحيل الفنان أحمد الشرقاوي


 

“تستدعينا أعمال الفنان أحمد الشرقاوي وتثير اهتمامنا. فقد منح للتشكيل العربي إشراقا فريدا عبر حركة فنية خاصة به. ليس ثمة في أعمال الشرقاوي من تعبيرية تجريدية، ولا من لطخية أو حركية وإنما ثمة صرامة الخطوط والعلامة التي تغدو شكلا ولونا. إنها وحدة في التأليف وتوازن ونقاء وتعديل مستمر للمجموع في أسلوب لم يكف عن التوضيح فيما هو يعمق رفاهته.”

الدكتور عبد الكبير الخطيبي

مع شهر غشت 2017، تكون قد مرت خمسون سنة على رحيل الفنان أحمد الشرقاوي، أحد العلامات البارزة في تاريخ التشكيل الحديث بالمغرب. فاستحضار ذكرى وفاته هي بروز معالم مرحلة التجديد الحداثي الذي عرفته التجربة التشكيلية المغربية مع بداية ستينيات القرن الماضي. فالذكرى تعيد انجلاء حقيقة التأسيس الذي وطَن لبناته جيل الفنانين الرواد، أصحاب الفضل في بتر مَحاتد السياسة الثقافية الكولونيالية التي كان ينهجها المستعمر الفرنسي منذ عهد الحماية واستمر على نهجها حتى فترة متأخرة من سنوات الاستقلال.

فالفنان أحمد الشرقاوي (1934-1967)، حسب بعض المؤرخين يعد، إلى جانب الجيلالي غرباوي (1930-1971)، قامة سامقة تأسست عليها الحداثة التشكيلية بالمغرب، مع تحفظنا وضع الشخصين في نفس كفة السٌموق.

ازداد أحمد الشرقاوي في الثاني من شهر أكتوبر 1934 بمدينة أبي الجعد المغربية.

بعد الدراسة الثانوية، التحق بمدرسة الفنون الجميلة، قسم الفنون التصويرية، بباريس، حيث درس تقنيات الحرف والديكور والملصق، وتشهد رسوماته الأولى على إحساس فني مرهف، تعكسه حرية الخط، وسيولة اللون، وتنوع الخامات والأسندة، مما كون لديه فكرة بناء العمل الفني دون السير في طريق الخنوع والاستكانة والتقليد السهل لما يروج من أساليب فنية باتت متجاوزه في عصره.

بعد تتويج تكوينه الفني بدبلوم التخرج عام 1959، شرع انطلاقا من ذلك الوقت في بناء شخصيته الفنية، بتنفيذه لتراكيب تصويرية للمناظر الطبيعية المغربية، مع الحرص على مخالفة التأنق الأكاديمي الذي سار عليه بعض الرسامين المغاربة آنذاك، إلا أنه ما لبث أن غير توجهه الفني تدريجيا نحو التعبير التجريدي، إذ كان لاكتشافه أعمال كل من بول كلي Paul Klee (1879-1940) وروجي بيسيير Roger Bissière (1886-1964)، الوقع الكبير على مساره الفني. يقول أحمد الشرقاوي متأثرا، وهو يتأمل لوحات روجي بيسيير أحد أعمدة مدرسة باريس الفرنسية: «لما رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت أرى أمامي الجمال مجسدا».

أي جمال هذا الذي يراه الشرقاوي مجسدا أمامه؟ هو طبعا لا يقصد الجمال بمفهومه الأفلاطوني ولا الجمال كما تصورته الفلسفة الهيغلية، ولا جمال عصر النهضة وقواعده الكلاسيكية بمنظورها الأقليدي ونسبها التشريحية، التي باتت لقرون عديدة تشكل أساسيات معايير التقويم الجمالي. إنه جمال آخر ذلك الذي أحس به الشرقاوي أثناء لحظة الاستبصار، جمال ينبثق من “عالم الفن المستقل” حسب تعبير المؤرخ الجمالي ألكسندر ببادوبولو (1917؟ -1996).

تكوينه بمدرسة الفنون الجميلة الباريسية وارتباطه بمجموعة l’École de Paris، رسخا لديه توقا جامحا لبناء شخصية فنية مغربية بارزة، تحاول التوليف الشكس والصَّلِب بين موروث الفن الشعبي المحلي ومعطيات الحداثة الفنية الأوروبية. فبدأ أحمد الشرقاوي يعمل جاهدا على تطوير أسلوب شخصي يثبت ذاته في مسيرته المهنية.

تجلى تظاهره الأول ببلده في مشاركته بصالون الرسامين الشباب، معرض يهدف إلى إبراز منجزات من هم على وعي بأنفسهم، يبتغون تأكيد هويتهم من خلال لغة تشكيلية حداثية. ذلك ما كشفت عنه الرسومات التي عرفت تطورا ملحوظا إثر إقامته ببولندا واحتكاكه بفنانيها واطلاعه على أبحاثهم الفنية الطلائعية، فانضافت تلك المؤثرات إلى دروس بول كلي وبييت موندريان Piet Mondrian (1872-1944). تطور ارتقى فيما بعد إلى نضج على مستوى التقنيات واستغلال الخامات ومعالجتها وتفوق واع في توظيف لغة العلامات.

كان استقراره بالمغرب عبارة عن فترة معاناة ملؤها الشك والحيرة والتساؤلات حول “الثقافة الوطنية”، وفن يؤوب إلى جذوره، تلك الجذور التي تأصله وتساعد على تحديد مسار متنوع المتوح ومختلف المرجعيات. هذا ما جعل مقاربته الفنية/الجمالية تختلف عن مقاربة زميله في التأسيس، الجيلالي غرباوي الذي لم يكن يعتمل بداخله نفس الشجن ولا يضطرم بذهنه الوعي بتأسيس ثقافة وطنية ذات استقلالية فكرية وفنية. بل كانت مقاربته الفنية تجريدية محض، تتماهى مع أسلوبيات التجريد الغربي. ومن تم يمكن اعتبار غرباوي امتدادا لحداثة غربية أكاديمية، متجاوزة، كما هي الأساليب التشخيصية التي تعلق بها فنانو فترة ما بعد الاستقلال، مريم مزيان (1930-2009) كمثال.

من خلال ملاحظته للعلامات التي تؤثث لوحاته السابقة، وتفحص عالم الإشارات عن قرب، كرس أحمد الشرقاوي نفسه لدراسة التصميم الجرافيكي للوشم، وأثار الفخار وغيرها من الأشياء التي سعى لكشف معانيها السرية. كانت أول خطوة تتجلى في رسمها كما هي ثم إعادة تألُفها بكسر بنياتها الأولى والعمل على إدماجها بوعي في تركيبات من إبداعه، وتأخذ العلامة أهمية متزايدة في لوحاته الخشنة التي تثبت الضوء وتمجد اللون في سيولة عارمة، ومن تم يختفي أي إلهام تصويري.

عام 1962 يجد أحمد الشرقاوي نفسه بجانب خمسين فنانا من مدرسة باريس منهم بيكاسو وبراك وشغال وآخرين، في معرض “رسامو مدرسة باريس ورسامين مغاربة”، الذي أقيم بالمسرح الوطني محمد الخامس في الرباط.

لكن فجأة وفي 17 غشت 1967 خبا نور الشعلة وذَهْخَبَت حِدَّتُه.

أسلم أحمد الشرقاوي روحه إلى بارئها عن عمر يناهز 33 سنة. إنه قدر مصير فنان، في نضج فنه الكامل. فن واعد لتتويج محطة كانت في بدايتها، له معنى ودلالات قصدية عالية، غنية بتنوعاتها الأسلوبية وخاماتها، تمتح من ينابيع التقاليد العربية والأمازيغية وتتماهى مع عوالم اللوحة الحديثة الجمالية. إن قدر مصير فنان غادرنا مع أفق النقاش بين الشرق والغرب، مع راهنية تأصيل الهوية وإثبات الذات. لم يسعفه القدر في تحقيق مبتغاه الذي لخصه في كلمة جامعة شاملة: “كنت أبحث عن الشهرة بباريس، عدلت عن البحث ورجعت إلى المغرب، أريد تكوين أبنائنا. إذا أردنا الخروج من التخلف، يجب علينا جميعا أن نضع يدنا في العجين.”

لا تعليقات

اترك رد