حسبي الله ونعم الوكيل


 

مرأة شابّة ترافقني و تتنقّل معي .. كنتُ في معهد ثانويّ أوزّع الخبز و الحليب على تلاميذ لا أعرفهم ، الامرأة الشّابة ملتزمة الصّمت ، ولكنّها تمدّني بالخبز السّاخن و علب الحليب ، لا أعلم من أين تأخذ كلّ ذلك الطّعام ، ولكنّني فرحت كثيرًا بإطعام الأفواه الجائعة ، أذكرني أنّني اغتسلت قبل ذلك كلّه بقليل ، اغتسلتُ في سقاية جامع كبير ، ولبستُ قميصا أخضر ، ثمّ التحقت بي الجميلة الشّابة ، كأنّني أعرفها من زمن قديم ، و لم أجد في أعماقي سؤالاً حول هذا الملاك ، بيضاء عيناها زرقاوان وشعرها أسود حريري طويل ، لم يدهشني الأمر ولم يصدمني ولم يثر حيرتي ، بل وجدت سكينة وسعادة لا توصفان ، أتممت توزيع الطّعام ، جلس التلاميذ تحت أشجار مورقة وارفة الظّلال ، وانهمكوا يأكلون ويتهامسون ، وأحيانا ينفجرون ضحكًا . كلّ ذلك أمتعني و أنساني تعاسة المدينة ووقاحة الذين لا يُقبلُ منهم صرف و لا عدل ، أمثال ذلك القزم الذي يتحرّش بالجميلات في قاعة المحاضرات ، قزم شرّير يستغّل موقعه ويفعل ما يحلو له ، و الآخر ذلك الذي يبيع طعام تلاميذ خلسة ، و الثالث الذي يطفف في الكيل ، و الرّابع الذي يعرض فلفلا أحمر مخلوطا بالآجر ، و الخامس الذي يصنع الحلويات من بقايا الخبز البايت ، و السادسة التي تلبس جلبابا فضفاضا وتتردّد على السوبرماركت وتسرق المساحيق و علب الشامبو والصابون وقوارير العطور الغالية ، ألوان وأشكال خطرت ببالي لمّا بقيت أشاهد الأبرياء يسدّون رمقهم بفتات خبز و قطرات حليب .. الامرأة الشابة لم تترك طرفة عين ، بدأت أضجر منها ، فجأة رأيت أخي يُقبلُ ، صافحني ولم يعانقني ، عانقته أنا ، ورأيت حيرة على وجهه .. حال أخي كحال أهل المدينة .. يحتاج أخي إلى كثير من التّكرار ، وأثناء سفري في المدائن القريبة والبعيدة اكتشفت أنّ كثيرا من الخلق يحتاجون إلى التّكرار .. أحدّثُ الواحد منهم حديثا فينساه بسرعة فائقة .. لذلك ما عدتُ أغضب لبرودة دم أخي و لا لبرودة دم أهل المدينة وإهمالهم للرّوابط و لصلة الرّحم ولحقّ الجارّ ولحبّ الوطن .. النّسيان استبدّ بأرواحهم و عقولهم ، والزّمن تفلّت من بين أصابعهم ، أرى الواحد منهم يتحسّر، ويحرقه النّدمُ ألف مرّة في لمحة البصر الواحدة .. مصيبة ألمّت بأخي وبكلّ أهل المدينة وكلّ المدائن .. نامت عقولهم و ضعفت ذاكراتهم .. عبء ثقيل أحمله في دخيلتي .. وسرّ خطير ومحزن .. الشّابة الجميلة ترافقني ولا تعرف الكلل .. أحيانا يجوبني خوف عميق يكادُ يدمّرُ عافيتي .. و ما إن أنظر في وجهها حتّى أطمئنّ .. كأنّ قصّة حبّ تجمعني بها .. ولكنّني لم أفهم لا حبّ ولا قرابة .. كلّ ما فهمته هو توزيع الخبز و الحليب .. الشابّة جميلة طويلة رأسها ملفّع بخمار.. ولكنّني استطعت بسرعة اكتشاف شعرها الطّويل النّاعم .. عاد أخي مرّة أخرى مرعوبا وجهه مصفرّ لكنّه كان حذرًا من الامرأة الجميلة التي ترافقني .. تملّكه خوف وارتعد كأنّه ارتكب فعلا شنيعا .. لعلّه سرق .. لعلّه كذب .. لعلّه زنا .. غمغم .. صرخت : تكلّم ما بك ؟ انطق ؟ كلّ شيء هاج وماج .. الوقاحة تخيّم على المكان .. مزابل كثيرة متناثرة..جدران سوداء بعبارات جنسية و سبّ و شتائم .. تغيّر كلّ شيء ، نكّس أخي رأسه وقال : إنّني أحسدك وكدت لك مرّات ومرّات ، ووشيت بك إلى .. .. قاطعته ماذا ؟ ماذا ؟ غفر الله لك أمازلت على قبحك كأهل المدينة .. سامحتك .. سامحتك .. وماذا تـُراك فاعل بهذه الرّذائل الشّنيعة ؟ الله أقدر منك ومن أهل المدينة .. كادت الشّابة أن تضربه .. بصقت في وجهه ووعدته بالدّمار .. تسرّب شعاع الشّمس إلى غرفتي .. فأفقت مذعورة أردّد حسبي الله ونعم الوكيل .. أين الشّابة التّي كانت معي ؟ يا إلهي كنتُ نائمة وأحلمُ .

لا تعليقات

اترك رد