كازو إيشيغورو ونوبل للآداب


 

ظهرت جائزة ألفريد نوبل للعالم في عام 1901، واستمرت إلى الأن، تمنح جائزتها في مجالات الطب والفيزياء والكيمياء والأدب والسلام، وقيمتها 691 ألف جنيه استرليني ( ما يعادل المليون دولار تقريبًا )، وهي أعظم جائزة دولية، يتم الإعلان عن الفائزين بها في شهر أكتوبر، والتسليم الرسمي في العاشر من ديسمبر من كل عام. ما يشغل الأوساط الثقافية دائما هو اسم الفائز بجائزة نوبل للآدب، وبرغم أن الجائزة العام الفائت قد أثارت لغطًا وإحتجاجات في الأوساط الثقافية، نتيجة حصول المؤلف والمغني الموسيقي الأمريكي بوب ديلان، صاحب المئة مليون إسطوانة، وهو بعيد عن الإبداع الأدبي والفكري، بل إن بوب نفسه، تسائل في كلمته التي قدمها للأكادمية السويدية في شهر إبريل 2017 كشرط أساسي لتسلم الجائزة “عندما منحت جائزة نوبل للآداب تساءلت ما هو الرابط المحدد بين الأغاني والأدب؟ أردت أن أفكر بالأمر واكتشاف هذا الرابط!” إلا أن تأثير بوب ديلان في الموسيقي الشعبية واقترانه بالمزاج العام لملايين البشر الذين يعشقون فنه لا ينكره أحد، ودفاعه عن حقوق الإنسان كان واضحًا، واستخدمت الحركة المناهضة لحرب فيتنام أغنياته كأناشيد حماسية لها، وكذلك حركة الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكان المطالبة بحق السود الإنساني في العيش داخل وطنهم الأمريكي. تم تعديل إتجاة الأكادمية السويدية هذا العام وحصل على الجائزة كاتب بريطاني ياباني الأصل، هو كازو إيشيغورو. رغم أنه ياباني الأصل، لا شهرة له في وطنه الأم، وكان الجميع في اليابان ينتظر فوز هاروكي موراكامي، وهو الأديب الأشهر في اليابان، ويُعرف بأنه “أديب؛ مؤلفاته سهل الوصول إليها، صعب أن تفهمها”، ومن أشهر مؤلفاته رواية الغابة النرويجية، رواية ما بعد الظلام، ورواية نعاس، ولأن إسلوبه يتميز بالروح الغريبة عن اليابان وتأثره المبالغ فيه بالحياة الغربية، فإن أدبه يلقى هجوما من النقاد في بلده. أما إيشيغورو البريطاني فإنه استطاع أن يربط عواطفه وأحاسيسه بوطنه الأم، حيث قال ” لطالما قلت على مدى مسيرتي المهنية أنه رغم نشأتي في بريطانيا فإن جزءً كبيرا من نظرتي للعالم ومن أسلوبي الفني ياباني، لأني تربيت في كنف أبوين يابانيين يتحدثان اليابانية. كازو إيشيغورو ولد في مدينة ناجازاكي في 8 نوفمبر 1954، ثم رحل مع والديه في سن السادسة إلى بريطانيا، حيث كان والده عالمًا في علم البحار، وعمل في بحر الشمال أثناء الحرب الباردة. حصل إيشيغورو على الليسانس فى اللغة والفلسفة من جامعة كنت بكانتربرى البريطانية فى 1978، ثم على

الماجستير فى فنون الكتابة الإبداعية من جامعة إيست أنجلينا فى 1980، وأصدر عددا من الروايات، أبرزها: منظر شاحب من التلال 1982، فنان من العالم العائم 1986 التي رشحت للبوكر، بقايا النهار 1989 وحصلت على جائزة «البوكر» فى العام نفسه، وكذلك روايته “من لا عزاء لهم” عام 1995، ورواية “بينما كنا يتامى” عام 2000، ورواية “لا تدعنى أرحل أبدًا” في عام 2005، وجميعهم تم ترشيحهم لنيل جائزة البوكر. وقد كرمته الحكومة الفرنسية ومنحته لقب فارس الفنون والآداب عام 1998، وصنفته جريدة التايمز عام 2008 بأنه رقم 32 في قائمة أهم الكتاب البريطانيين في الستين سنة الأخيرة، كما تُرجمت أعماله إلى ثلاثين لغة حول العالم، وترجم المركز القومي للترجمة بالقاهرة بعض أعماله الروائية مثل بقايا النهار. نال كازو إيشيغورو نوبل للآداب فأصبح ثالث ياباني يحصل على الجائزة بعد ياسوناري كاواباتا 1968، وكانزابورو أوي عام 1994، وبالنسبة لقائمة الفائزين بنوبل عالميًا فهو رقم 114. قالت سارا دانوس مديرة الأكاديمية السويدية في حيثيات إعلانها عن الجائزة: ” إنه كَشَفَ في روايات مشحونة بعواطف قوية، الهاوية الكامنة تحت شعورنا الوهمي بالتواصل مع العالم، …، روايات تمس الذاكرة والزمن وأوهام النفس،…، الروايات بديعة تمزج بين فرانز كافكا الكاتب التشيكي وبين الروائية الإنجليزية جين أوستن..” بينما قال هو تعليقًا على فوزه بنوبل للآداب: “الفوز يشعرني بإطراء عظيم، وأنه فوز يأتي في وقت يسود العالم الارتباك بشأن قيمه وقادته وأمانه، …، أتمنى أن يكون حصولي على هذا التكريم مشجعًا لقوى الخير ولو بدرجة صغيرة”. والحق أن روايات كازو إيشيغورو ليست مزيجًا بين كافكا وجين أوستن بقدر ما تمزج بين ثقافتين متناقضتين، الثقافة الشرقية اليابانية والثقافة الغربية، وتنصهر فيها صفات شخصيته الجينية مع الخصائص المكتسبة من المجتمع البريطاني الذي عاش فيه منذ صغره بجانب تأثير والدته اليابانية، فنراه يجمع بين الصفاء الروحي والتأمل البوذي وبين الهدوء والبرود البريطاني المبالغ فيه. رواياته سياسية الطابع، لا تغفل أخطر فترة مرت على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ونجد في ثناياها وجوهرها الهوية المفقودة والإرتباط بالماضي وذكرياته المؤسفة، لذلك فإننا نري الحزن سمة من سمات أدبه، والحيرة التي تضرب أبطال رواياته فتجعلهم في إرتباك دائم وصراع يدفعهم في النهاية إلى إنهاء حياتهم بالإنتحار.

تناولت باستفاضة الحديث عن الروائي الفائز بالجائزة العالمية، ولكن كان لغرض التطرق إلى الأسباب التي تحول بين الجائزة وبين أدبنا العربي رغم أنه أدب عريق أثر في العالم كله، ونهل منه أدباء وشعراء إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وـتأثر به المصلحون والمفكرون في الغرب والشرق على حد سواء. الأدباء العرب ليسوا أقل موهبة أو صنعة ومهارة في الأدب عمومًا والرواية تحديدًا، وليست لغتهم العربية هي العائق الذي يقف أمام إنتشارهم وحصولهم على دعم القراء والنقاد والمحافل الأدبية العالمية. لا ينكر أحد أن جائزة نوبل دائما ما تخرج بثوب واحد في اللغة أو الجنس أو الفكر، فاللغة غالبا ما تكون هي اللغة الإنجليزية، وتتشاركها على استحياء اللغة الفرنسية، فلقد استلم من كتب بلإنجليزية تسعة وعشرين جائزة بينما استلم كُتاب الفرنسية أربع عشر جائزة، وإنتزعت على سبيل المثال لغتنا العربية جائزة واحده لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ، ومازال أدونيس يحلم ونحلم معه بإنتزاع جائزة أخرى. كما أن الرجال يكادون يحتكرون الجائزة حيث حصلوا علي 114 جائزة منذ 1901 حتي 2017، بينما حصلت النساء على 14 جائزة كانت آخرهن الكاتبة والصحافية سيفتلانا أليكسيفيتش ( 67 عامًا ) من بيلاروسيا عام 2015، ووصفتها سارا دانيوس رئيسة الأكاديمية بأنها تمثل ” لحظة شجاعة ومعاناة في زماننا”، فكانت أول صحافية تنال الجائزة، وكأنه لابد أن تعاني المرأة لتنال الجائزة!

المعايير التي تحكم جائزة نوبل ليست ثابته، والشهرة أو أرقام التوزيع ليست مؤثرة بدرجة كبيرة، وإلا كان هوراكي موراكامي الياباني والأكثر ترشيحا لنيل الجائزة، وهم من نحتفي به اليوم. اللغة ليست عائقًا أبدًا، العائق هو الترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وكيف نوزع المؤلفات خارج الوطن العربي، لا يستطع أحد أن ينكر ما يعانيه المبدع داخل وطنه كي ينشر روايته أو عمله الأدبي، ناهيك عن سيطرة دور النشر وتأثيرها على سوق الكتاب. إن العالم ملئ بالمتناقضات، وعالمنا العربي يعيش مرحلة مخاض طالت، يعاني الفقر وعدم الاستقرار السياسي والإجتماعي، وما أعظم تأثير هذه الأحداث على القارئ إ، أحسن الكاتب أو الأديب استخدامها واستثمارها فكريًا وأدبيًا. إن الصراع العالمي يأتي على دول في المنطقة ويقضي على كيانات برمتها عالميًا، كذلك النفس البشرية، في تقلبها وجنوح عواطفها إنما هي عالم كامل يتطابق تمامًا مع العالم الخارجي، قد تنهار تماما أو تسمو، الأحداث العالمية تتأجج وتتفاعل ثم تترك نتائجها على المكان والإنسان كنتيجة مباشرة لهذا التشابك المعقد،

ومن يستطيع نقل كل هذه المشاعر أدبيًا والتأثير على القارئ كبنية أساسية للمجتمع، فإنه سيدفع العالم نحو الرقي، هذا هو دور الأدب وعمل الأديب، وهو ما تسعى إليه الجوائز المحترمة تشجعه.

لا تعليقات

اترك رد