شيرين ملا .. دوائرها عاصمة لإختزال الوجود


 

أن تفكر بدراسة الفن في إيطاليا فهذا بحد ذاته تحدّ كبير مع الذات ، و الثقة بقدراته ، هذا ما فعلته الفنانة التشكيلية شيرين ملا فما أن تخرجت من جامعة دمشق / كلية الفنون الجميلة في العام 1983حتى بدأ طموحها بالنمو فلم يتوقف هذا الطموح هنا فما تحمله في دواخلها يدعوها إلى البحث و الدراسة دون سكون فكانت محطتها مع الدكتوراة في كلية الفنون الجميلة في كرارا بإيطاليا عام 2006 و في إختصاص دقيق و جديد / الرسم بالمينا / و هذا عنوان أطروحتها للدكتوراة أو المينا على النحاس كما هو دارج في الوسط الفني ،

و استطاعت أن تحرز لنفسها حيزاً جميلاً من المشهد التشكيلي الإيطالي حتى أنها في عام 1996 نالت على الجائزة الإبداعية الأولى في الفن التشكيلي في إيطاليا كأحد الجوائز المهمة هناك ، و رغم تخصصها بالمينا على النحاس إلا أنها إشتغلت على القماش أيضاً و أبدعت فيه و على نحو أخص مقارباتها للدراويش كأحد المواضيع الإجتماعية المهمة في الوسط الذي ولدت و درست و كبرت فيه ( دمشق ) ،

فشيرين عبر إنحيازها للمكان التي جبلت به و أقصد دمشق تعيدنا بالذاكرة إلى غلبة التفاصيل بوصفها تجليات تفسر لا كوثيقة تاريخية أو إجتماعية بل رؤيا تضاء بجهدها و بغلبة صوتها دون أن تفشل في جر المتلقي بمصداقية حالتها و مدى تأثير ذلك في عملية البناء الجمالي لمنتجها ،

فبين تفاعلها بواقعيتها و بين فعاليتها و ضمن إضافاتها تمنح نتاجاتها قراءات فنية جمالية على ضوء منحى ما تطرحه من جدل بين حراك فكرها و بين جهدها الرؤيوي كجزء من علاقتها بإجرائية التحديد للجانب الوصفي لا الحصري كجانب مفيد لعملها ، و هنا نتحدث عن مختلف مناطق السعي للوصول لعملية ترتيب المكانات وفق مصداقية الحدس كعمود فقري قائم على الخيال و وفق معايير تجعل من عملها إختزالاً لنصوص مشهدية لا كوثيقة تاريخية لحقيقة إجتماعية ،

و هذا يساعدها في الإسهاب في عرض شخوصها / كائناتها من أكثر من جهة و كما يعطي لفضاءاتها وجوداً يراهن على ثقل في الجانب الجمالي ضمن تكونات تعيد لإدراكها روحاً بها تستعيد آفاقها الإحتمالية و هذا ما يتيح لها الدخول لسموات لم يطئها تحولاتها بعد .

شيرين ملا لا تتردد في الولوج إلى عالم الدراويش و كأنها تدخل في تكوين جمالي جديد و توظف هذا الدخول في السياق الجديد الذي سوف تنشغل عليه بلحظات مصيرية و كأنها تطلق تداعياتها في زمن محشو بكل الفصول ، و تحرص على الإمساك بتلك اللحظات التي تنزلق كثيراً بين حالات العشق و الذوبان فيه لتجعل العمل الفني رؤية و رؤيا للإستبصار العميق للوجود ،

و هذا مظهر شاق تقطفه من رحم تلك الدوائر الأسطورية التي تلتف حولها من إستعراضات شخوصها بلغة تنبئ بإزدحام إفتراضي في سمواتهم دون أي تحديد في معالمها و النتيجة حوز إعجابها أولاً ثم إعجاب متلقيها ثانياً مع محبة تتجاوز المألوف بل قد يتراءى لهما طيف الآلهة و هو يعيد الزمن لدوائره كعاصمة لإختزال الوجود ،


فهي تعتمد بالدرجة الأولى على حضور الحضور أو اللاغياب في مجمل محطاتها الكبرى منها و الصغرى مع إمكان تحديد العلاقة المعرفية بينها و بين أعمالها أولاً و بين أعمالها و متلقيها ثانياً و هذا ما ينهض خطابها التشكيلي برائحة نشم صوتها في مجمل فضاءاتها ، فهي تطلق العنان لزمن الخطاب حتى تكمل الحكاية على الأقل بالنسبة إليها .

لا تعليقات

اترك رد