البناء السينيمائي ولعبة الدين والسياسة .. قراءة في رواية بارقليط لعمرو صلاح

 

تأتي هذه الرواية والتي صدرت عن دار روافد ،بعد روايتين سابقتين للكاتب هما (خداوند ) و(زهزهة).
رواية تحتشد بالأماكن محليا وعالميا والأحداث العامة والخاصة لشخوصها ،تتداخل فيها الأزمنة، وتتعدد فيها الأصوات الراوية فضاء الرواية رغم مركزيته في الاستهلال ،إلا أنه يتعدد طبقا للمشاهد وطريقة البناء السينيمائي التي اعتمدها الكاتب.
قسم الكاتب روايته إلي مقاطع روائية طويلة،أشبه بفصول سينمائية بلغة مصورة ،فتجد(مبني وزارة الأوقاف المصرية-مدينة فيرجسون ولاية ميزوري الأمريكية-استانبول تركيا -تل أبيب اسرائيل-مقر قناة الحقيقة بالقاهرة-مدينة الرقة علي الحدود السورية العراقية.مركز قيادة داعش-باريس فرنسا-الضفة الغربية-فلسطين المحتلة-فيلا القاهرة الجديدة ) وهكذا وتحت كل مقطع ينساب السرد جيئة وذهابا مع المحكي عنه شخصا أو حدثا بنفس حيل وأدوات السينما
ويتم ربطها ببعض دون تسلسل منتظم أو تصاعدي مباشر.
تنهض الرواية سرديا علي فكرة حوار أو صراع الأديان، من خلال برنامج تقدمه قناة الحقيقة (مناظرة) بين رموز تمثل الأديان السماوية الثلاثة”هيتصرفوا ويعيشوا حياتهم لمدة سبع أيام 24ساعة ،كاميرا مفتوحة ومناقشة وحوارات حول موضوع ،كل واحد هيقول رأيه فيه،في فندق بعيد علي أطراف القاهرة “ص60
– إنها اللعبة المذهلة ،مسلم ومسيحى ويهودى يجتمعون في مكان ما ،لمدة سبعة أيام ،يناقشون موضوعا هاما ،وفي النهاية مناظرة بينهم .ص40
علي مدي 270صفحة من القطع المتوسط وباهداء إلي الذين يملكون ولا يحكمون ،تناقش الرواية هذه القضية الحيوية المعاصرة ،وهي قضية أحسبها شديدة التعقيد.
فما هو الموضوع ?ومن هؤلاء الثلاثة ? ومن هو عادل يحي مقدم البرنامج ? ومن هم ملاك قناة الحقيقة ? وهل هم يحكمون أم خلف ستائرها قوي أخري تتحكم وتهيمن علي العالم ،وتري في تأجيج الصراع الديني ملاذا لتحقيق مصالحها ووجودها الكوني.
بارقليط:
وهي تعني قبل ميلاد السيد المسيح ،في الكتابة الأدبية الكلاسيكية اليونانية”شخص يستدعى للمساعدة في المحكمة أي “محامٍ” قانونى أو مستشار للدفاع، كما استخدمت أيضا بمعنى شفيع أو وسيط. وبعد ميلاد السيد المسيح ،وردت الكلمة حرفيا في العهد الجديد ،وبالتحديد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا وهي بمعنى “المُعزّى”(الروح القدس الذي سيرسله الآبُ باسمىParakletos )،ثم استخدم القديس يوحنا بعد ذلك تعبير الباراقليط عن الرب يسوع نفسه ،كالشفيع أو المحامى فقال (يا أولادى ،أكتب إليكم هذا لكى لا تخطئوا.وإن أخطأ أحدُ فلنا شفيع (parakleton) ،وبذلك يكون الباراقليط الأول هو الرب يسوع المسيح نفسه،والباراقليط الآخر هو الروح القدس.
الممثلون الثلاثة للأديان : القس توم جونز راعي كنيسة سانت ماركس بمدينة فيرجسون بولاية ميزوري- ( جاء بعد “خراب ودمار حلّ بالمدينة التي طالما سار بها ليمنحها البركة وينشر المحبة والسلام فيها “ص24
) علي أثر اقتتال عنصري بين السود والبيض ،قتل فيه الشاب الأسمر مايكل،فيما تراه السلطات الفيدرالية حادث شغب سوف تفضه قوات الأمن الوطنى، يتعرض القس لضغوط سياسية ،يقبل بعدها المشاركة في المناظرة ،بعد عرض من ممثل الحكومة الفيدرالية ،في مقابل الحصول علي مليون دولار في فترة أسبوع المناظرة.
ويقبلها أيضا الشيخ عبد الواسع صديق من علماء الأزهر ،إمام وخطيب جامع الخازندار بشبرا قبل ثورة يناير ،الذي يصبح قائدها ورمزها في ميدان التحرير ،وبعد وصول الإخوان للحكم ،أصبح عضوا لمجمع البحوث الاسلامية ،وبعد 30يونيه ، وفيما كان يردد في كل مناسبة “أنا لست إخوانيا ” كانت السلطات تلغي عضويته وتعيده إلي مسجد الخازندار ،علي خلفية زواج ابنته بطة برشاد الاخواني ،وانضمام ابنه حسني لداعش.
وهاهو الدكتور ديفيد شولومو أستاذ تاريخ الأديان في جامعة تل أبيب ،عضو حركة السلام الآن ،وفي نفس الوقت يصاب ابنه بنيامين بسرطان نخاع العظام ولا يجد المال الكافي لعلاجه في أمريكا ،وهو الابن ثمرة العلاقة مع جيني ،وتجده علي علاقة متعة جنسية مع “هانا” التي تعرف عليها في إحدي صالات الديسكو باستانبول ،وبعد إيقافه عن العمل بالتدريس وتحويله للتحقيق علي إثر مقال له بصحيفةيديعوت أحرونوت ،يذهب للاستجمام والراحة في أحد الفنادق المتواضعة باستانبول الذي تطل نافذته علي ميدان تقاسيم
(تعاود النظر إلي جسدها العاري وهي مستلقية فوق الفراش.
-د.ديفيد …لقد خرجت عن تقاليد الجامعة،ومجلس القسم اتخذ قرارا بإيقافك عن التدريس.
-لماذا ?هل أجرمت جرما يستحق هذه النهاية ?
– ألا يعتبر مقالا في يديعوت عن حقوق الفلسطينين جرما دكتور ديفيد.
تقترب منها ،تقبل إبطيها ،تلتهم شفتيها بنهم ،تعبث بثدييها ،تهبط إلي أسفل مع تأوهاتها .إلي أسفل
-سيجري بنيامين الجراحة في هداسا يا ديفيد.ص37
رابعهم مقدم البرنامج “عادل يحي”،هذا الشاب النحيل القصير ،يتيم الأبوين والذي شهدت مقاهي وسط البلد أول ظهور له ، وظل يعمل صحفيا بالقطعة حتي قامت ثورة يناير ،فساقته المصادفة لأن يكون في قلب أحداثها وأحد نشطائها،فلمع نجمه ،وبدأت الأموال تتدفق عليه ،وهو في نفس الوقت “فلاتي وخمورجي” ويطلق علي نفسه (العلمانى المتحرر )إثر اصطدامه بأحد رجال الدين وبمباحث أمن الدولة ( الظابط رزعني ألم وسبلي الدين وقالي يا ابن الوسخة احنا قادرين علي بتوع قال الله وقال الرسول لما هتجيلنا إنت ?!) فقرر أن يعمل لنفسه فقط ،دون أي رقابة أو سلطة . وعن طريق “أمينة “الصحفية الشابة التي تعرف عليها في
أحداث مجلس الوزراء،والتي قدمته لشهاب الدين “البغل” ،مدير قناة الحقيقة بالقاهرة ،ليعمل مراسلا صحفيا بها . وبتكنيك سينمائي يوظف الكاتب أدواته ،لينهض باللغة والحوارات التي تباينت في المستوي ،وتذبذبت صعودا وهبوطا ،فعالجها بالمونتاج وتشكيل الصور وتداخل الأزمنة ،فقسم زمن المناظرة 60دقيقة ،ليهبط بها خمس دقائق في كل مقطع (55,50,45,40….)وهكذا ،ليضبط أدواته ،وكذلك فعل في الأيام السبعة،والذي تتغير معه الأماكن ومن ثم الأزمنة ،فتقنية السرد (مطار القاهرة وفيلا القاهرة الجديدة اليوم الأول- القاهرة الجديدة اليوم الثاني وفجر اليوم الثالث ..اليوم الثالث في المستشفي ) وهكذا
وتتعدد الأصوات، والمنظورات في الحوارات التي تجمع الثلاثة وعادل يحي والتي تسير بهدوء وصفاء انساني نحو الاتفاق . (باركيلتوس ،بارقليط ،المُعزي،طاقة هائلة من النور ..الجميع عرايا في الفراش.الفراش يرحل يبتعد.الرجل الغامض يبكي ..المناظرة مستعرة.الجميع علي حق.ضوء لامع يزداد يغمر الغرفة.صرخة عالية.السماء تتلون ..نسمات هواء .زقزقة عصافير..سكون..سكون. ص176) لكن قادة الساسة في العالم ، لا يروق لهم أن تتفق الأديان علي المحبة والسلام ،فيستدعي شهاب الدين إلي باريس،وعندما يسألهم:
– وما هو الذي يجب أن يحدث?
يجد الجواب :
-ألا يتفقوا سيد شهاب …ألا8 يتفقوا ص115
فيقفذ إلي ذهنه ،هذا السؤال الحائر:من هؤلاء?من يقف وراء قناة الحقيقة اليوم ? وأين هم? ودائما كانت تأتيه إجابات مقتضبة من أشخاص متناثرين ومعلومات شبه عامة.
-مستثمرون -عرب وأجانب-المقر في لندن ص112
عندما وجه توم سؤاله لديفيد
-من منا علي حق?
كانت الإجابة
-كلنا علي حق توم ،إنت وأنا وعبد الواسع
ورغم أنف سياسة القناة ،وبمساعدة عادل يحي الذي إختفي ،ورغم ذلك نجح في إخراج البيان الختامي الموقع من الثلاثة (ما لله لاقبل لنا بتغييره،هو موروثنا نحفظه ونبجله، ونتخذه نبراسا يجمعنا ،أما ما لنا ،فينبغي علينا أن نعيد صياغته ،وأن نصل به إلي تلك النقطة التي ننطلق منها إلي آفاق رحبة من التوحيد والمعرفة واليقين )ص269.

لا تعليقات

اترك رد