الانحطاط الثقافي العربي .. سقوط أم صيرورة ؟ – 3/5


 

ومن جهة أخرى فإن القيم والأخلاق قد تلوثت وبهتت وغابت أو انزوت في العديد من المجتمعات العربية، وظهرت بدع وصرعات ثقافية غريبة عن محتمعاتنا، وكثر الجدل واتسع حول بعض المفاهيم التي كانت موضع إجماع فيما مضى ، واستولدت عشرات التفسيرات للوطنية والقومية، وتم محاربة القيم الإنسانية التي كنا نتشاركها مع العالم أجمع، وتم اعتبارها زندقة وفعل ينتقص من الولاء للوطن وينزع الإنتماء عن من يعتقدون به، وبالتوازي تمت محاولة -ومازالت- جر الأمة إلى الحزبية والطائفية والمذهبية والتعصب الفكري والتشدد الديني، وشاعت ثقافة التكفير والخروج عن الجماعة، والدعوة إلى الجهاد، بالرغم من أن دنس الإحتلال الصهيوني في قلب القدس الشريف منذ عقود ولم يستجر حمية هؤلاء صراخ الثكالى، ولا دموع اليتامى، بفعل الاعتداءات اليومية من الصهاينة على الشعب الفلسطيني- على سبيل المثال لا الحصر-، وبدأت ثقافة النبش في الماضي تعبيراً عن عجز مواجهة أسئلة الواقع، وحاولة استحضار قوالب نمطية جامدة للدلالة وتحجيم الآخرين وتكفيرهم إن اقتضت الحاجة .

وحتى تكتمل الصورة – بظني- علينا أن نلتفت ونستعرض بعض الأمراض الثقافية والظواهر التي قد تستفحل، وقد تصبح مزمنة – هذا إن لم تصبح بعد – من أجل توحيد الجهود لمعالجتها، لأنها تسبب خطورة شديدة على مجمل الجسم الثقافي برمته، وربما تقضي عليه إن تأخرنا في المعالجة، أو أخطأنا في التشخيص، وسوف نحاول هنا أن نذكر أبرز هذه الظواهر.

أولاً- المباشرة وفوراً في تحسين وإصلاح العملية التعليمية في الوطن العربي، بشكل يلحظ تبديل فلسفة التعليم من مجرد عملية تلقين وحفظ واستظهار المعلومات غيباً من غير فهم، إلى عملية تكوين وبناء شاملة للطلاب وتنمية وتحريض مقدراتهم وإمكانياتهم.

فقد أدت المناهج العقيمة إلى القضاء على التفكير الذاتي وعلى قتل الإبداع، وإلى تضخم أعداد الطلاب الذين يتخرجون من الجامعات بشهادة دون أي تحصيل معرفي حقيقي، وهذا الأمر ساهم في تحجر عقول الطلاب والمدرسين على حد سواء.

علينا تطوير التعليم بما ينهض في الأساس على تنمية قدرات المعلم وشحذ مهاراته وصقل إبداعه، والأهم منحه كافة حقوقه المالية والمعنوية حتى يتفرغ تماماً لتعليم الطلاب، ولايضطر إلى العمل كسائق تكسي في مهنة موازية، وتطوير الإدارات التعليمية، وتقوية العلاقة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع، وربط التعليم بخطط مستقبلية على كافة الصعد ، والكف عن سياسة التجريب والارتجالية في هذا الميدان المهم ، علينا الإسراع في هذه الخطوة واعتبارها إحدى خطوات تطوير أدواتنا الثقافية مما لها من انعكاس ايجابي على مستقبل المجتمع .

ثانياً- زيادة الإنفاق على مراكز البحث العلمي، في الدول العربية التي قامت بإنشاء هذه المراكز وبقيت كأماكن وظيفية يلتقي فيها أصحاب الشهادات العلمية العليا، حين لاتجد الدولة مكاناً شاغراً لهم – ياللسخرية-، والعمل على تفعيل هذه المراكز وتنشيطها لتكون رافعة التطور المستقبلي ، والمباشرة في إحداث مراكز بحث في الدول التي لم تفعل ذلك بعد .

لقد كان العرب- ومايزالون- بعيدون عن المشاركة في الإنجازات التي حققها عصر الصناعة، لهذا السبب استمر العرب في استيراد المنتجات والبضائع من الآخرين، ولم يشاركوا أيضاً في الأبحاث الذرية، وليس لهم أية مساهمة في علوم الفضاء، واكتفوا بأن يكونوا جالسين على المدرجات ويتابعون مباراة يجهلون قوانينها ، والسبب الرئيسي وراء هذا الابتعاد هو عدم إنفاق المال على البحث العلمي وكانه رفاهية غير ضرورية .

ولكي ندلل هلى أهمية الإنفاق على مراكز البحث العلمي فإننا نسوق بعض المعطيات والأرقام الصادرة عن هيئات دولية، فالولايات المتحدة تنفق 400 مليار دولار على الأبحاث العلمية سنوياً، الصين تنفق 300 مليار، اليابان 160 مليار .

أما إذا أردنا النظر قائمة الدول وترتيبها في الإنفاق على البحث العلمي من حيث احتساب نسبة الإنفاق من الناتج القومي لهذه الدول فلا تتفاجأ إن كانت اسرائيل على رأس تلك القائمة، اسرائيل التي تنفق حالياً 4,2في المائة من دخلها على الأبحاث والتطوير، وهي نسبة تبلغ أكثر من 9مليار دولار سنوياً، تليها كوريا الجنوبية 3,74 من دخلها بماقيمته 55مليار دولار، بينما في الدول العربية – ياللعار- فإن نسبة إنفاق الدول العربية على البحث العلمي تبلغ 0,3 من دخلها القومي !!

ثالثاً-البدء بالإهتمام بقطاع الترجمة، فالابحاث الدولية تُظهر ضعفاً ووهناً وعدم كفاءة في السعي إلى المعرفة واكتشافها في العالم العربي، وهنا تظهر قلة الترجمة كمؤشر على ذلك، فبينما يتم ترجمة عشرات آلاف الكتب سنوياً في الغرب، لايتم في العالم العربي سوى ترجمة 3000 كتاب،ولم يعد خافياً أهمية الترجمة كونها أحد أهم أدوات التبادل الثقافي والمعرفي، وتلعب دوراً مهماً في بناء الجسور بين الشعوب، وردم الهوة بينهم، وتبرز في هذه المرحلة أهمية استثنائية لترجمة الآداب العربية إلى اللغات الأجنبية، لما تحمله من مضامين ثقافية وحضارية خاصة في ظل الوضع الراهن حيث ترتبط صورة العربي بالعنف والتشدد، فالعرب قديماً كانوا أصحاب رؤى عميقة حول أهمية الترجمة، لذلك نلاحظ أن أهم مراحل الحضارة العربية، هي المراحل التي اتربطت بالاهتمام بالترجمة واعتبارها جزءاً من النظرة السياسية والعلمية والاستراتيجية الشاملة للدولة .

رابعاً-التخلص من ظاهرة تعليب التجارب وتسطيحها، فكثيراً من المثقفين العرب والمفكرين يميلون إلى نزعة تبسيط التجارب العلمية والثقافية والحضارية والمعرفية لنا ولغيرنا من الشعوب، ويقدمون لنا أنماط الحياة في قوالب جاهزة معدة مسبقاً، فنظرتهم للتراث مثلا توحي على أن تراثنا العربي بكافة مكوناته عبارة عن مجموعة من الصناديق والكتب والرموز والقادة، وكل مانحتاجه في الحقيقة أن نقوم فقط بكشف الغطاء عن هذه الصناديق واجتراع الحلول، وكأننا لانهتم بالعنصر الزمني الذي يؤكد معنى النمو والتطور ولايلغيه كما يرى هؤلاء ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينظر اصحاب منهج التعليب إلى الحضارة الغربية أيضاً كما لو كانت كيان واحد ومكونات واحدة تصلح لكن الأماكن والأوقات، ويتجاهلون الاختلافات المهمة التي تنشأ من اختلاف الأمكنة والأزمنة وتعاقب العصور، فلا يمكن بحال نقل تجارب الآخرين نقلاً ميكانيكياً لايأخذ بالحسبان ما تتعرض له النظريات والنظم في حال تطبيقها ونقلها من الورق إلى الواقع ، وفي حال نقلها من بيئتها إلى بيئة أخرى ، ما تتعرض له من تغير وتبدل في مكوناتها ومفاعيلها .

ومن سوء حظ هذه الأمة أن هذا المنهج الصبياني قد وصل إلى الخطاب الديني، فدعاة العودة إلى الشريعة الإسلامية السمحاء، ينظرون لشعاراتهم من خلال تقديم التجربة الإسلامية كمنتج جاهز للإستخدام الفوري، دون أن يلحظوا جملة المتغيرات الكبيرة والعميقة التي شهدها المسلمون والدول الإسلامية، وعلى كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والشرعية أيضاً والتي لم يكن لها شبيه في عهد نشأة الفقه الإسلامي الذين يريدون هؤلاء أن يعيدونا إليه .

يتبع

لا تعليقات

اترك رد