هل حل الدولتين هو المضمون الفعلي للسياسة الأمريكية … أم أن هناك حالة من التردد… وما البديل … ؟


 

هل حل الدولتين هو المضمون الفعلي للسياسة الأمريكية … أم أن هناك حالة من التردد… وما البديل …
هل من أجل ظهور فيدرالية تقودها إسرائيل باعتبارها الدولة المركزية؟

هناك جدال سياسي حول قضايا مصيرية مثل الاعتراف بالقرارين 242 و 338 ومحاولة البحث عن حلول مباشرة للقضية الفلسطينية.

في زمن الحرب الباردة كان كل طرف يسعى لتوظيف الصراع العربي الإسرائيلي لتعزيز نفوذه ومواقعه في المنطقة، وقد أعطى وزير خارجية ريغان الكسندر هيج الضوء الأصفر لإسرائيل بتصفية منظمة التحرير عندما غزت إسرائيل لبنان في عام 1982.

محاولات مبكرة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بقيادة أمريكية لكنها فشلت:

ريغان هو أول من أطلق أول حوار رسمي مع الفلسطينيين عام 1988، إلى أن أطلق الرئيس بوش الأب في عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مبادرة يطلب فيها الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية إلى مغادرة ميادين الحرب واعتماد طريق السلام من خلال التفاوض المباشر عن طريق وزير خارجيته جيمس بيكر، وبوش الأب هو أول رئيس يربط المساعدات الكبرى لإسرائيل بوقف الاستيطان لذلك لم يحصل على فترة رئاسية ثانية مما يكشف عن مدى قوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الذي يتحكم حتى بتنصيب الرؤساء.

بالفعل حقق عام 1993 التوقيع في أمريكا على اتفاقية برعاية بيل كلينتون بين الجانبين سمي باتفاقية أسلو بعد مناقشات سرية في أسلو عام 1991 سميت بمؤتمر مدريد على أن تناقش ثلاثة قضايا خلال ثلاثة أعوام مقبلة تتعلق بالقدس واللاجئين والمستوطنات والمياه والحدود، لكن تم إغراق الجانب الفلسطيني في معالجة التفاصيل بدلا من معالجة هذه القضايا الجوهرية، رغم أن الرئيس ياسر عرفات وافق على مضامين الاتفاق بعد 18 شهرا من اتفاقية أسلو، وقدم تنازلات، واعترف بالسيادة لإسرائيل على الحي اليهودي في القدس الشرقية العربية المحتلة، وأعرب عن تأييد المثقفين الفلسطينيين إلى وقف العمليات الاستشهادية، يعتبر تحولا رئيسيا في موقف الرئيس الفلسطيني لكن إسرائيل لم تصدق ذلك.

أحداث 11 سبتمبر 2001 غيرت من مسار اتفاق أسلو استثمرته إسرائيل:

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 استثمرت إسرائيل الغضب الأمريكي من العرب وشن شارون ما تسمى بعملية السور الواقي، ولأول مرة كان رد الفلسطينيين على هذه العملية بالعمليات الاستشهادية، ولأول مرة جعلت العمليات الاستشهادية الإسرائيليون يصوتون بنسبة 54 في المائة بأن المشروع الإسرائيلي لا يمتلك حل لأي من الأزمات العصية التي تواجهها إسرائيل منخفضة من أعلى تصويت حصل عليه رئيس وزراء إسرائيلي في مايو 2002 بنسبة 74 في المائة لشارون، في المقابل دلت نتائج الاستطلاع عن تأييد فلسطيني للعمليات الاستشهادية بنسبة 86 في المائة مقابل جدال داخل الساحة الفلسطينية حول بيان المثقفين الفلسطينيين الداعي لوقف العمليات التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين، وهو ما يؤكد فقدان الأمل لدى الجانبين.

مستشاري بوش الإبن المقربين من إسرائيل أقنعوا بوش بأن الصراع العربي الإسرائيلي لا يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بل العراق هو الذي يهدد المصالح الأمريكية:

في ظل هذه الأحداث ألقى بوش الإبن خطابا طالب الفلسطينيين بالتخلي عن الرئيس ياسر عرفات كزعيم لأن مستشاري بوش مثل نائبه ديك شيني ووزير دفاعه رامسفيلد لا يعتبران النزاع الفلسطيني الإسرائيلي يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للمصالح الأمريكية، فيما تم تركيزهم على العراق بأنه هو الذي يهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بل والغريب أن أيهود باراك أعتبر أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يعرقل جهود الإطاحة بصدام حسين، واعتبر أن المبادرة السعودية التي تنادي بإعادة حدود عام 1967 بدلا من إقامة حدود آمنة لإسرائيل ومعترف بها وأن المبادرة لم تذكر الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية إلى أن تم التخلص من ياسر عرفات في نوفمبر عام 2004 في باريس بجانب التخلص من العراق كقوة إقليمية عربية.

رفضت إسرائيل في عهد شارون التنازل للفلسطينيين، لكنها كانت تطالب بوقف العنف أولا وضمان ألا يكون أي إيقاف للعنف مؤقتا، وهناك مطالبات حول إصلاح جوهري للسلطة الفلسطينية، وكان الجسر الذي يربط بين الطرفين بعد التوقيع على معاهدة أسلو في واشنطن عام 1993 هو الجدول الزمني الذي يعتمد على الأداء، والذي لعبت عليه إسرائيل، وجعلت هذه الساعة تتوقف لفترة طويلة من الزمن ولم تسمح بتحققها، أي أن الفلسطينيون يحققون تعهداتهم والإسرائيليون لا يفعلون ذلك، ما يعني أنها لم تكن جادة نحو السلام والسماح بإقامة الدولتين جبنا إلى جنب.

في المقابل، من الوهم أن تقوم دولة فلسطينية في ظل سلطتين وهو ما تتذرع به إسرائيل، وهناك مليشيات متعددة كل مليشية مدعومة من دولة أجنبية مثل حماس قبل أن تسيطر على غزة، والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى ببرامجها الخاصة قد تكون سياسة عندما تحل الدولتين تنتهي هذه المليشيات وهذا التقسيم.

ضعف العرب اقتصاديا لم يتمكنوا من فرض أجندتهم على أمريكا في حل الصراع:

لم يكن العرب في عام 2002 يمتلكون الإمكانيات الاقتصادية والعلمية، وكان ناتج الدول العربية كافة من دون البترول نحو 230 مليار دولار، أي أقل من دولة صغيرة في أوربا مثل هولندا ناتجها المحلي يصل إلى 360 مليار دولار، وثلث ناتج إيطاليا وخمس ناتج فرنسا، وهي المعضلة الحقيقية بأن العرب لا يمثلوا قيمة حقيقية يدعمون قضيتهم المركزية.

كان بوش الإبن بعد أحداث 11 سبتمبر يبحث هو ومستشاروه عن إجابة لسؤال لماذا يكرهوننا أي العرب والمسلمين، لكن مستشاري بوش كان من أبرزهم كارل روف ونائب الرئيس ديك شيني ووزير الدفاع رامسيفلد أشاروا عليه باحتلال العراق بدلا من إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيلية، ولم يكترث في البحث عن إجابة على السؤال الذي تم طرحه، فيما زادت الكراهية من جانب العرب والمسلمين لأمريكا بعد احتلال العراق.

في الجانب الآخر كان الشعب الإسرائيلي يعيش في حالة من القلق، وسبق أن كتب كسفيت في صحيفة معاريف عام 2002 عن قضية المستوطنات، فيقول يجب قول الحقيقة بأن الجيش لا يستطيع أن يدافع عن كل الكرافانات المنتشرة في الضفة الغربية، ومن أجل توفير رزمة الدفاع يجب أن نستورد الجيش الصيني، وهو من الأشخاص الذي يدعو إلى نهاية الأمر، ويقول لن يكون هناك مناص من التوصل إلى حل مع الفلسطينيين، فالمستوطنون يعرضون حياتهم للخطر، ولم يكن هناك حل سوى بناء جدار فصل مادي على ضوء فشل الخيار العسكري في ظل غياب حل سياسي من قبل الطرف الإسرائيلي.

هذا نوع من الجدل الذي يدور داخل المجتمع الإسرائيلي، ويرونها مثل الجدار الواقي، ألاعيب يروج لها السياسيون من أجل مصالحهم، فحتى المجتمع الإسرائيلي هو أيضا يدور في دائرة الوهم بسبب سياسييه الذين لا يرون حلا سوى في حملة عسكرية شاملة، خصوصا بعدما جرب الفلسطينيون انتفاضة الحجارة فكانت الخسائر آحادية

الجانب تحملها الشعب الفلسطيني وحده، إلى أن اندلعت انتفاضة الأقصى في 29 سبتمبر 2000 ( العمليات الاستشهادية ).

تأخر حل الصراع أوجد العمليات الاستشهادية التي حولت من الخسائر الآحادية إلى خسائر ثنائية التي انتقلت بعد ذلك واتسعت دائرتها إلى العالم:

لأول مرة في تاريخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تتحول الخسائر من آحادية الجانب إلى ثنائية الجانب، جعلت العالم يطالب بضرورة إيجاد حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن العمليات الاستشهادية لم تكن مقتصرة على الثكنات العسكرية، بل كانت تستهدف حتى المدنيين والتي استنكرها حتى المسلمون، وكانت هناك وثيقة المثقفين الفلسطينيين التي ترفض استخدام العمليات الاستشهادية التي تستهدف المدنيين والتي أصبحت فيما بعد أداة الإرهاب العالمي وكيف أن الظلم يولد أخطاء.

منذ ذلك الوقت بعد أحداث 11 سبتمبر يبدو أن هناك سقوط عملية التسوية السياسية وهي استراتيجية دولة عظمى، يعيد المسألة الفلسطينية إلى إطارها الصحيح، أي إلى إطار الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما حاولت الولايات المتحدة أن تلغيه منذ مدريد 1991 وأن تحوله إلى مفاوضات ثنائية بين إسرائيل وكل دولة عربية على حدة يدور حول قضايا جزئية، ولكنه لا يدور حول القضية الفلسطينية وقضاياها الأساسية.

التهيئة لهيمنة إسرائيلية على المنطقة:

جعل كل دولة عربية تواجه مصيرها ومستقبلها، وهي إما أن تبدأ وتتهيأ بإعداد نفسها لمواجهة نتائج هيمنة إسرائيل أو تنهار سيناريو لم يتوقعه ويصدقه العرب، مع أهمية أن البحث السياسي الاستراتيجي من خلال الإعلام ليس الوسيلة المثلى، خصوصا بعدما نجح الشارع العربي في الضغط على الحكومات العربية والإسلامية وفي الضغط على أمريكا في نزع الصفة الأخلاقية عن إسرائيل وتحويل هذه الصفة إلى النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال، وخسرت إسرائيل لأول مرة ساحتها الأوربية الشعبية وبدأ مجلس الأمن يشكل لجان تحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل.

هذه منجزات الشارع العربي والإسلامي والعالمي، لكن لم يكن يوازيه منجز سياسي عربي إسلامي، رغم جهود الرباعية عن إعلان قيام دولة فلسطين في يناير 2003 بعد اجتماع وزراء خارجية السعودية ومصر والأردن مع كولن باول وزير خارجية أمريكا في 16 يوليو 2002 في نيويورك.

رغم أن هذا الطلب أقلق إسرائيل وأرسل شارون مستشاريه إلى بوش الذي بدوره طمأنه من أن أمريكا ستحاول تنفيذ جزء من المقترحات العربية بعد دمجها بكثير من المطالب الإسرائيلية، خصوصا وأن اقتراح اللجنة الرباعية جاءت بتوصية من الوحدة الأوربية التي تريد المشاركة في الحل السياسي في منطقة الشرق الأوسط من تحت قبة مجلس الأمن لتمنع تفرد أمريكا بالحل، لكن أمريكا كعادتها لن تقبل بأي طرف عالمي يشاركها المكاسب خصوصا وأنها هي التي تحمي الوحدة الأوربية، وهي التي تدعم تمددها على حساب روسيا، هذا بجانب الرباعية التي شكلتها الأمم المتحدة عام 2007 يمثلها بلير وتضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة وروسيا، وهمشت الرباعية العربية، وزار بلير الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية نحو 90 مرة منذ توليه المهمة للوساطة في الشرق الأوسط لكن لم ينتج عنها أي فرصة سلام.

أفشلت إسرائيل حل الدولتين بسبب مواصلتها الاستيطان:

أفشلت إسرائيل حل الدولتين عن طريق سياسة الاستيطان الإسرائيلية فأحبطت إسرائيل أي أمل لحل الدولتين بسبب مواصلتها بناء المستوطنات تجعل الشعب الفلسطيني بسبب الجدار العازل يعيش في مناطق جغرافية معزولة ومتقطعة.

ولكن هل تقبل إسرائيل بدولة واحدة لشعبين؟ كما كان يدعو القذافي وهي نفس فكرة المفكرين اليهود الذين هم أول من اقترح إنشاء دولة ثنائية القومية في مطلع العشرينات حينما جاءوا فلسطين واكتشفوا وجود شعب فيها، لكن هذه الرؤية اليهودية الاستراتيجية انهزمت أمام التيار الصهيوني الفاعل بقيادة حاييم وايزمن وكذلك بقيادة جابوتنسكي الأب الروحي للإرهاب، وهو الآن حل مرفوض من جميع التيارات السياسية الفاعلة في إسرائيل لأنها ستخشى إسرائيل من الخطر الديمغرافي الفلسطيني الذي تعتبره القنبلة الموقوتة التي تهدد مستقبل إسرائيل ويتحولون بعد عقود إلى أقلية.

محاصرة اللوبي الصهيوني في أمريكا جهود أوباما:

لم يكن رئيس أمريكي وعد بالأكثر وأنجز الأقل مثلما فعل أوباما، رغم دعوته لوضع حد للبناء الاستيطاني، والعمل على إعادة الأطراف للمفاوضات، لكن الأمور بدأت بالانحدار، بعد توقف مفاوضات أولية بقيادة الولايات المتحدة بسبب الاستيطان، وابتعد عن القضية رغم الجهود التي بذلها كيري إلا أنه كان لا يملك أفكارا، فقط كان يدعو إلى بناء الثقة والاستماع للأطراف، ورغم الجهود التي بذلها بين عامي 2013-2014 فقد حافظ الرئيس أوباما على مسافة بشكل ملحوظ بينه وبين هذه الجهود.

أبعد مسافة قطعها أوباما الإشارة إلى إقامة عاصمة فلسطينية في القدس، وكان هناك احتمال أن ينضم أوباما إلى 136 دولة حول العالم تعترف بالدولة الفلسطينية، وقبل انتهاء ولاية أوباما كان ميله للحد الأدنى، ولم يرسل رسالة قبل نهاية ولايته عن القضية الفلسطينية الإسرائيلية، ما يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن قيام دولتين، بعد مرحلة كانت الولايات المتحدة تتولى تصفية القضية الفلسطينية من خلال المفاوضات العبثية كأنموذجا وفق لاءات لا عودة إلى حدود 1967، لا تفاوض على القدس، لا لعودة اللاجئين، لا لوقف الاستيطان، فقط ضرورة الاعتراف بيهودية الدولة.

ظل العرب منشغلون بالصراع العربي الإسرائيلي مع إهمال تنمية اقتصاداتهم لمواجهة التحديات الجديدة التي بدأت باحتلال العراق لتقسيم المنطقة وتفتيتها:

ظل العرب منشغلون بحل القضية الفلسطينية كقضية مركزية، لكن مراكز الأبحاث في المقابل لم تترك القضية الفلسطينية مركزية بل جعلتها إحدى القضايا العربية، فبعد احتلال العراق الذي أتى كردة فعل على أحداث 11 سبتمبر، توالت الخرائط وكان من أبرز مراكز صناعة الخرائط مركز راند التابع لوزارة الدفاع الأمريكية الذي كان يتناول بدوره التعامل مع المسلمين بعد دراسة شاملة ومستفيضة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وتعتبر هذه الخرائط التي تصدر عن مركز راند مرجعا أساسيا لراسمي السياسات الأمريكية وواضعي خطط الولايات المتحدة سواء في البيت الأبيض أو البنتاغون أو وزارة الخارجية.

منذ أول تقرير صدر عام 2004 كان يبحث عن محاربة المتطرفين الإسلاميين عن طريق تقديم دعم مباشر إلى العلمانيين تحت بند الإسلام المدني، لكن تطور هذا التقرير في عام 2007 الذي بدأ يبحث عن شبكات مسلمة معتدلة بحيث يضع لها مواصفات خاصة تتماشى مع ثقافتهم وطبيعة شعوبهم، وهم يرون أن المسلم المعتدل يجب أن يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وتم تقسيم المسلمين إلى ثلاث مجموعات.

ويعتبرون المسلم المعتدل الذي لا يعترض على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، فقط يؤدون الصلاة دون أن تكون لهم اهتمامات أخرى، وهم يرون في التيار الصوفي وكما ورد في تقريرهم الذين ليس لديهم مانع أن يؤدون الصلاة في المقابر، وأن يكون هذا التيار على خلاف ويعارض ما يسمى بالتيار الوهابي الذي يعتبر الصلاة في المقابر بدعة تصل أحيانا عند البعض إلى الشرك، أي رفع التقرير شعار ضبط الإسلام ليكون متماشيا مع الواقع المعاصر، وهم يريدون هدم بناء الإسلام كما حدث للشيوعية.

اختيار التشيع في نسخته الصفوية لتطبيق ما في الخرائط لتقسيم وتفتيت المنطقة:

ووجد التقرير ضالته في التشيع في نسخته الصفوية، خصوصا وأن مضامين التشيع أنتج في إيران في القرن الخامس عشر وهو يختلف عن نسخته العربية، وهو مزيج من عقائد صوفية إسلامية وهندوسية ومسيحية ويهودية نشأت في آسيا الوسطى على يد الطرق الصوفية الحروفية، انتقلت لاحقا إلى العراق في منتصف القرن التاسع عشر من قبل جالية فارسية بعد انهيار الدولة العثمانية ودخولها مرحلة الضعف ولم تعد حارسة كما كانت من قبل لمواجهة تمدد التشيع الصفوي إلى الدول العربية خصوصا إلى العراق، والتي اختارت أن تسكن حول المراقد المقدسة وخاصة حول كربلاء، وشاركت في تأسيس حوزة النجف لنشر مذهب التشيع بنسخته الصفوية بين القبائل العربية مستثمرة مظلومية آل البيت بديلا عن النسخة العربية بل اتجهت إلى إضعافها كمذهب ديني وتحويله إلى مذهب شيعي سياسي لاستثارة مظلومية آل البيت وربطها بالثورة على الظلم.

حاول الشيعة العرب تصحيح هذه النسخة الصفوية، لكنهم عجزوا بسبب قوة التشيع الفارسية الصفوية المدعومة بموارد الخمس المقدمة لآيات الله القادمين من إيران إلى العراق.

استطاع الخميني تأسيس ولاية الفقيه التي بدأت بالانتشار فعليا قبل الخميني على يد مجتبي مير لوحي الشهير بلقبه الحركي نواب الصفوي يلقبه قادة الثورة بأبي الثورة الإسلامية، لكن الجديد استطاع الخميني تأصيل الجهاد من اجل ولاية الفقيه أمر مقدس وجزء من عقيدة الشيعي المؤمن بولاية الفقيه، وربطه بالباطل الذي ثار سيد الشهداء الحسين رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد من أجل منع إقامة الباطل، فقد ثار ودعا جميع المسلمين إلى الثورة لكي لا يخضعوا لولاية عهد يزيد ولا يعترفوا رسميا بسلطنته، والتي لا تختلف ولاية الفقيه عن الحاكمية عند جماعة الإخوان المسلمين التي تقابل ولاية المرشد عند فكر الإخوان المسلمين.

تتزايد صعوبة ما يجري من تحولات في المنطقة، لكن من يتتبع التقارير والخرائط يدرك أن الواقع في المنطقة هو تطبيق لما في هذه الخرائط، بل أن هذه الخرائط حولت اليقينيات في السياسة إلى سيل من الجزئيات التي أشغلت سياسي المنطقة فيها بعيدا عن المصالح الكبرى لبلدانهم الذي ولد تسوناميات لا حصر لها في المنطقة، أربكت الدول والسياسيين، ولا يعرفون ماذا يناقشون، وما هي الأولويات، وهناك تجاذبات واختلافات

بينهم لا يمكن أن يتوافقوا على أمور مهمة، وعن ماذا يبحثون، هل عن تحولات اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية التي أدت إلى تفكك الدولة الحديثة.

قبل منطقة الشرق الأوسط حدث في شرق أوربا، لكن الدول العربية لم تأخذ العبرة وكأنه شئ لا يعنيها، وأنها ستكون بمنأى عن مثل هذا التفكك، تزامن هذا التفكك مع منظرين جدد في الجغرافيا السياسية يؤمنون بعالم بدون حدود سياسية استنادا إلى أطروحة تفكك الدول لمصلحة بناء اتحادات مناطقية أكثر اندماجا، فبعد أن ساهمت 50 دولة في تأسيس الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبح عددها اليوم أكثر من 200 دولة، وهناك توقع بأن تصبح ألف دولة أو يزيد.

فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينات القرن الماضي شهد العالم موجة تغيير كبيرة في الخرائط، فعلى سبيل المثال كانت كل من استونيا ولاتفيا وليتوانيا ترتبط برابطة سياسية واحدة، لكنها تحولت إلى ثلاث دول مستقلة انحلت عن بعضها البعض في هدوء، وعاشت التشيك وسلوفاكيا ضمن وحدة قرابة نصف قرن انتهت بطلاق مخملي، وكذلك انحلت يوغسلافيا على خلاف السابقة بعد حرب أهلية دامية انقسمت إلى كيانات متعددة، مثلما انفصلت إريتريا عن إثيوبيا في ماي 1993، وانفصلت تيمور عن اندونيسيا في عام 1999، واستقلت كوسوفا عن صربيا عام 2008، وفي 2011 انفصل جنوب السودان عن السودان، والتي كانت عصية على الفهم وأنها مرحلة بدأت بالعرب، رغم ذلك لم يتنبه العرب لهذا الانفصال وما هو القادم بالنسبة لهم.

سبق أن صرح ونستون تشرشل أن قال بأن الشرق الأوسط حدوده غير عادلة وهي تولد مشكلات أكبر من أن تحل محليا، العرب لم يتنبهوا لمثل تلك التصريحات التي تشجع على التقسيم ولم يأخذوها بمحمل الجد وأن القضية الفلسطينية لن تكون القضية الوحيدة.

لذلك نجد الولايات المتحدة تتذرع بحقوق الأكراد، وحق تقرير المصير لدولتهم، لكن كل الدول الإقليمية تعارض هذه الدولة بما فيها إيران وتركيا والعراق وسوريا التي هي الأخرى دولة مفتتة حتى الآن غير قابلة للعودة إلى دولة موحدة، والغريب أن إيران أداة الغرب في تفتيت المنطقة، ولكنها ترفض حق تقرير المصير لدولة الأكراد ازدواجية واضحة.

علينا أن نستحضر مشروع برناد لويس وتنظيم داعش ومخطط تقسيم العالم العربي والذي يجب أن يظهر عام 2018 بعد مرور مائة عام على تقسيم سايكس بيكو التي

قسمت الدول العربية بحدودها الحالية الذي يرمي إلى تقسيم المنطقة العربية وتحويلها إلى دويلات صغيرة وممزقة على أساس طائفي ومذهبي بنحو أكثر من ثلاثين دويلة حتى تظهر فيدرالية تقودها إسرائيل باعتبارها الدولة المركزية التي تتحكم في دول المنطقة سعيا لتحقيق حلم إسرائيل ومشروع برناد كان يسمى بوثيقة برناد التي أقرها الكونغرس الأمريكي سنة 1983 أي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، يخدمها وجود بيشمركة، وحشد شعبي ومليشيات حزب الله في لبنان، لكن إيران فشلت في تأسيس حزب الله في الحجاز وفي البحرين والآن أنصار الله في اليمن يواجه حرب لإنهائه كل هذه مقدمة للانقسام والتجزئة لصالح المشروع الإسرائيلي كدولة مركزية تتحكم في دول المنطقة.

لم تعد القضية الفلسطينية قضية مركزية بعد ثورات الربيع العربي:

كان برناد المنظر للرئيس بوش الابن وحربه المزعومة ضد الإرهاب، وتم تطوير مخطط برناد إلى خريطة الشرق الأوسط الجديد عام 2006، ثم الكبير، وهكذا لن تتوقف المشاريع المعدلة، كما يظهر كيفية تعامل الإدارة الأمريكية مع ثورات الربيع العربي، حيث مضامين مخطط برناد لويس تلعب على إشعال النعرات الإثنية والعرقية والدينية المتواجدة في العالم العربي، نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية مرفوقا بمجموعة من الخرائط التي توضح تقسيم كل دولة ومجلات أميركية عديدة.

كانت فرضية برناد التي يجزم بأن العالم العربي لن يتمكن من تكوين دولة بالمعنى الحديث بسبب أنهم مؤسسون على مجتمع محكوم بالنظام القبلي الطائفي، وأنهم يدينون بدين الإسلام نتيجة توقف اجتهاد الدين مع متطلبات العصر، وينصح أمريكا أن تلعب وتستثمر هذه المتناقضات، خصوصا وأن أمريكا وجدت إيران دولة جاهزة ومستعدة لتنفيذ هذا المخطط، رغم أنها هي الأخرى مستهدفة وسيأتي عليها الدور بعد انتهاء دورها.

لذلك يتفق برناد كثيرا مع المشروع الفارسي الذين يريان معا أن العرب هم قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات ويستدلون بداعش ومن قبل القاعدة رغم أنهما صناعة مشتركة بينهما، وتقوض المجتمعات، وأن الحل معهم إعادة احتلالهم، ومن الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم، أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم،

وما بات يعرف بتنظيم داعش هو حجر أساس لبداية تنفيذ هذا المخطط الذي يلعب على الوتر الديني.

التحالف الإيراني الروسي أربك خطط الولايات المتحدة وهدد مصالحها في المنطقة:

عندما وجدت الولايات المتحدة أن إيران تحاول الهيمنة على المنطقة على حساب المصالح الأمريكية خصوصا بعدما استدعت روسيا اللتان يمكنهما إبعاد الولايات المتحدة من المنطقة، ما جعل مسؤولون في وكالة الاستخبارات الأمريكية تكشف أن إيران تدعم الجماعات الإرهابية السنية والشيعية على السواء وأنها تستخدم الإرهاب وتمارسه لتحقيق مصالحها التوسعية في المنطقة كما ذكر البروفيسور دانيال بيمان أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون.

واعتبر دانيال أن الأجهزة الأمنية عن الأنشطة الإرهابية لإيران في تفعيل قواها الناعمة، والتأثير على صنع القرار الأمريكي رغم انف معلومات الاستخبارات، واستطاعت بحرفية، ودراسة وتخطيط وتنفيذ يجب الاعتراف به والوقوف عنده وعدم تجاهله، استطاعت الوصول إلى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، والتأثير عليها، سواء عبر جماعات الضغط والمصالح، أو عبر مراكز البحث والتفكير، أو وسائل الإعلام وصناعة الرأي العام.

استخدمت إيران القوة الناعمة بكل احترافية الذي ابتدعه جوزيف ناي والتي تقوم فكرتها في الشؤون الخارجية على أنها القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الجاذبية والإقناع والإغواء وليس الإكراه دون الحاجة لأن تدفع باتجاه سياسة العصا والجزرة لتحريك الآخرين في الاتجاه الذي تريد، ويحقق مصالح دولتك وأهدافها السياسية الخارجية.

هنا نجد نجاعة إيران في استخدام قواها الناعمة والخشنة على حد سواء وهو ما يظهر جليا في الاتفاق النووي، خصوصا وأن هجرة الإيرانيين إلى أمريكا بدأت قبل الثورة الذي يعد المجلس القومي الإيراني الأمريكي أحد أبرز مكوناته ونجاحهم في التغلغل، وهم لا يزالون على صلة وثيقة بموطنهم الأصلي وتربطهم مصالح اقتصادية وعرقية وثقافية وطموحات تاريخية فارسية أكثر منها دينية، رغم حرصهم على الجانب الديني الذي يعد حصان طروادة لاختراق الشعوب المسلمة باسم حب آل البيت، وهي ما تسمى بالدبلوماسية الشعبية الإيرانية التي تعمل بنجاح ليس في أمريكا فقط بل في العالم أجمع،

خصوصا وأن هذه الفئة تغازل إسرائيل وتسعى لكسب ودها رغم العداء الظاهري وهي تعلم أن أمن إسرائيل مفتاح كلمة السر لأمريكا وأوربا على عكس العرب.

رغم أن جماعة الإخوان المسلمين يتقنون نفس اللعبة التي يتقنها اللوبي الإيراني في أمريكا بل وبينهما التقاءات عديدة في كثير من المواقف الفكرية والأيديولوجيا وحتى في الآليات والتنظيم، خصوصا وأن هناك أصوات في الولايات المتحدة تطالب بالتعامل مع أصوات معتدلة ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين، وأنها هي الفاعل الحقيقي داخل المجتمعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويعتقدون أن التفاهم مع حركيي هذه الجماعة في مختلف الدول العربية والإسلامية سيؤمن مصالح الولايات المتحدة وسيؤمن السلام.

صحوة أمريكية في استعادة مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط عبر إعادة رسم تحالفاتها وترميمها من خلال تشكيل تحالف عربي:

أصبح هناك جرح مفتوح في جسد الشرق الأوسط نتيجة التجاهل الذي زاد الوضع سوءا، يبدو أن أمريكا تدفع ثمن استجابة سياساتها في العقود الماضية لضغوط جماعات الضغط الموالية لإسرائيل ولمشروع برناد لويس والتي تشكل الجزء الأهم من السيطرة على المال والثروة المسيطرين في الولايات المتحدة والتي تمكنت من توجيه السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تبعا لما تمليه مصلحة إسرائيل التي أغفلت مصالح وأهداف الولايات المتحدة.

هناك صحوة أميركية في استعادة مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، التي تركت إيران تستثمر عدد من الأزمات في المنطقة في التمدد، بدأ من غزو العراق عام 2003 وتسليمه لإيران على طبق من ذهب، حتى مجئ ما يسمى بالثورات العربية التي ركبت إيران موجتها التي تتقاطع مع دعم الولايات المتحدة لتيار الإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين.

بدأت إيران بالبحرين لكنها فوجئت بدخول القوة الخليجية المشتركة المسمى بدرع الجزيرة بقيادة السعودية لحماية البحرين من التدخل الإيراني، ولم تتوقف إيران عند هذا الحد، بل بدأت تستعد لمرحلة جديدة من الانتشار عبر وكلائها وأعطت الحرس الثوري الإيراني وعلى رأسه قاسم سليماني قائد فيلق القدس، وحزب الله بتشكيل مليشيات كوكلاء لها في المنطقة ودعمها في العراق وسوريا واليمن مستثمرة فترة المفاوضات حول النووي الإيراني مع الدول 5+1.

ومن أجل حصول أوباما على توقيع اتفاق تاريخي مع إيران ترك اليد الإيرانية تتمدد في المنطقة، وحينما تعثرت إيران ووكلائها في سوريا بسبب الدعم والتنسيق الخليجي التركي، استعانت إيران بروسيا بعدما أرسلت قاسم سليماني موفدا إلى روسيا لإقناعها بالحضور إلى سوريا، وهي أيضا وجدتها فرصتها التاريخية.

لم يكن أمام المملكة العربية سوى تشكيل تحالف عربي إسلامي والبدء بعاصفة الحزم في اليمن لمواجهة إيران في اليمن البوابة الجنوبية بعد حماية أمنها في الشرق في البحرين وكذلك في المنطقة الشرقية ولأول مرة يثبت العرب أنهم قوة حقيقية مؤثرة في المنطقة.

مرحلة جديدة لتهدئة المركز المضطرب في الشرق الأوسط الذي أربك العالم:

بعد مجئ ترامب الذي لم يقتنع باستراتيجية أوباما الذي ترك منطقة الشرق الأوسط غنيمة لإيران ولروسيا التي تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، فعاد إلى توثيق التحالف التقليدي السابق مع أبرز حلفاء أمريكا في منطقة الشرق الأوسط وهي السعودية التي تكفلت بمحاربة جميع أشكال الإرهاب سواء كان منبعه سني أو شيعي، وتشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب الذي اعتبرته الولايات المتحدة يمثل بالفعل بادرة كبيرة ومهمة من قبل المملكة التي تقود هذا التحالف إلى جانب التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بل اعتبرته الولايات المتحدة أحد أهم الابتكارات السعودية المفيدة للأمن والسلام الدوليين، وهو يمثل فكرة رائدة من شأنها مساندة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب والعالم أشد ما يكون لمثلها لأنها أصبحت ضرورة ملحة وتستدعي تضافر كل الجهود الدولية ومن المؤكد سيكون للعمل المشترك السعودي الأميركي الدور الأعظم في مثل هذه الحالات.

اعتبر ترامب أن إيران دولة راعية للإرهاب فلابد من مواجهتها لتقليص نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، واعتبر كذلك أن إيران لم تلتزم بروح الاتفاق حول برنامجها النووي.

المعركة المضحكة فئران وزوارق البحرية الإيرانية تتحرش بالسفن الأميركية في الخليج وأي معركة بحرية أمريكية إيرانية مشتركة ستفقد إيران أسطولها بالكامل، لكن البعض يعتبره مجرد استعراض سياسي وليس حقيقي حيث يريد خامنئ أن يكذب على الشعب الإيراني بأن إيران تتحدى أمريكا.

فقد ادعت إيران أن الأسطول الذي تقوده الولايات المتحدة قد انتهك مياهها الإقليمية الدولية وهو ما نفاه المسؤولون الأمريكيون، وردا على البحرية الإيرانية نشرت القوات الأمريكية طائرات هليكوبتر حربية من يو إس إس جورج دبليو بوش لتحوم فوق زوارق التدخل السريع الإيرانية وفقا للقائد ويل بينينغتون، وحاولت أمريكا تغيير مسار السفن الأمريكية في مضيق هرمز لأن أمريكا لا تريد خوض معركة مع الملالي بترتيب منه، وهو ما يعتبر احتجاج من إيران على أن القوة البحرية الإيرانية يجب أن تبقى في المياه الدولية في خليج عدن وباب المندب وهي تدعي هذا التواجد من أجل حماية ناقلات النفط والسفن التجارية وضمان أمن المنطقة.

اختارت أمريكا الرد على التحرش الإيراني بتوجيه ضربة للحشد الشعبي العراقي قرب معسكر التنف شرق سوريا التابع للتحالف الدولي بقيادة أمريكا وهو ما أدى إلى قتل وجرح العديد من عناصر الحشد بينهم 7 ضباط من الحرس الثوري الإيراني قتلوا من بينهم حسين قمي قائدهم الاستراتيجي الرئيسي، ورغم نفي قوات التحالف بقيادة واشنطن مسؤوليتها عن هذا الهجوم إلا أن متحدث باسم كتائب سيد الشهداء أكد استهداف القوات الأمريكية للرتل العسكري ما أدى إلى مقتل 36 عنصرا من الفصيل وإصابة 75 آخرين.

ليس فقط رد على تحرش إيران البحري بالسفن الأمريكية بل كذلك هو بمثابة رفض واشنطن ربط طهران بدمشق وبيروت وهو ما أعلنه وزير الدفاع الأميركي ومدير الاستخبارات الأميركية بعدما شاع في الأشهر الأخيرة سعي إيران إلى تأمين طريق بري يربطها بسوريا عبر الأراضي العراقية وهو الأمر الذي عبر عنه حيدر العبادي رفضه في أكثر من مناسبة دخول الحشد إلى الأراضي السورية بحجة قتال داعش.

يعد هذا الاستهداف الأول من نوعه لمليشيات محسوبة على إيران في الداخل العراقي، علما بأن طائرات التحالف قصفت مرات عدة مواكب عسكرية للنظام السوري ومليشيا حزب الله في الداخل السوري بالقرب من منطقة التنف عند الحدود السورية الأردنية.

إيران منزعجة من العلاقة بين الرياض وواشنطن التي تكتسب أهمية بصفتها شريكا استراتيجيا موثوقا في مكافحة الإرهاب بعدما فشلت في إلصاق تهمة الإرهاب بالسعودية، بل إن واشنطن والرياض يعملان على تعزيز قوات التحالف والقوات السعودية في اليمن بطرق مختلفة يعملان معا ضد أطماع إيران التوسعية المتورطة في دعم المليشيات الإرهابية بالتمويل والتدريب والدعم اللوجستي في سوريا بعدما اقتنعت

الولايات المتحدة أن إيران تسبب قلقا لدى كل من الرياض وواشنطن على حد سواء بسبب سياستها الرامية لزعزعة الاستقرار بالمنطقة خصوصا وأنها تفشل الحلول السياسية الممكنة للأزمة السورية.

إيران قلقة من التقارب السعودي العراقي حيث تريد السعودية علاقات قوية مع العراق في كل المجالات خصوصا بعدما التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع وزير النفط العراقي جبار اللعيبي واستعرضا الفرص المشتركة اقتصاديا وفتح المنافذ البرية وتشجيع التبادل التجاري والاستثماري وتسيير رحلات مباشرة في خطوة اعتبرها المراقبون أن الرياض تحاول لاختراق نفوذ إيران والحد من هيمنتها على بغداد ضمن استراتيجية سعودية لإعادة العراق إلى محيطه العربي.

لذلك تثير زيارة المسؤولين العراقيين للسعودية غضب إيران التي تخشى أن تهدد عودة العراق لمحيطه العربي نفوذها المترامي في البلاد وشنت هجوما كبيرا على الزعيم الصدر بلغة نعته بالخيانة بعد دعوة تلقاها من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهي الأولى منذ عام 2006 عندما التقى بالملك عبد الله بن عبد العزيز، وفي يونيو 2017 أجرى رئيس الوزراء حيد العبادي زيارة للسعودية التقى فيها بالملك سلمان وهي الزيارة الأولى منذ توليه الرئاسة منذ تسلمه منصبه نهاية عام 2014.

قمة الرياض التي أسست لتحالف عربي إسلامي أمريكي لمواجهة الإرهاب:

زيارة الرئيس الأميركي للرياض وفرت فرصة كبيرة لبلورة موقف أميركي – سعودي – خليجي – عربي – إسلامي، لمكافحة الإرهاب وإطلاق رسائل محددة للدول التي تحاول العبث بأمن واستقرار المنطقة وفي مقدمتها إيران التي لابد أن الرسالة وصلتها ولكنها لا تزال ترفض التنازل عن المكتسبات التي حققتها خلال الفترة الماضية منذ تسليم العراق لها، لكن كيف تواجه التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب بقيادة السعودية الذي يطالبها بالتخلي عن السلوك الإرهابي والعدواني ودعم الإرهاب والإرهابيين في المنطقة؟.

إيران منزعجة من تعزيز الولايات المتحدة وزيادة قواتها البحرية والجوية والبرية في أفغانستان وكذلك في الموصل لأنها تعتبر إيران مشكلة كبيرة حيث ذكرت نيويورك تايمز الأميركية بأن إيران تسعى في الفترة الأخيرة عشية انفجار الأزمة القطرية إلى التمدد في اتجاه أفغانستان وصولا إلى جمهورية آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين بالاعتماد على حركة طالبان التي كانت توصف بأنها الأشد عداوة لدولة الولي الفقيه

ليس فقط السعودية تدافع عن مكتسبات الدول العربية بل كذلك أمريكا تدافع عن مصالحها في المنطقة عبر التحالف الاستراتيجي بينها وبين السعودية.

ترامب والقضية الفلسطينية التي لم تعد القضية المركزية:

كأي رئيس أمريكي يتعهد ترامب ما بوسعه بتحقيق السلام في الشرق الأوسط وأن التوصل بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي المتوقفة ثلاث سنوات من أجل الوصول إلى اتفاق سيكون مهمة في غاية الصعوبة حسب تعبير ترامب.

وكعادة الإسرائيليين في الضغط على الرؤساء الأمريكيين رغم أن ترامب جعل زيارة إسرائيل الدولة الثانية بعد الرياض، لكن الصحف الإسرائيلية وصفت الزيارة بالهستيرية بدلا من كونها تاريخية، بسبب أن البيت الأبيض استبق الزيارة عبر تصريح مسؤولين أمريكيين من أن حائط البراق بالبلدة القديمة يتبع الجانب المحتل من الضفة الغربية اعتبروه صدمة وانتظروا إجابة من البيت الأبيض لكن البيت الأبيض لم يرد، خصوصا وأن ترامب لم يفي بوعده بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس كما وعد في الانتخابات وهو يرى في أن الوقت غير مناسب الآن.

وعلى هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2017 سيلتقي ترمب بالرئيسين الفلسطيني والإسرائيلي، وكما تذكر المصادر بأن ترامب مصمم على تحريك المفاوضات سعيا منه للتوصل إلى تسوية بين الجانبين ضمن صفقة إقليمية، خصوصا وأن صهره جارد كوشنير ومبعوث الرئيس الخاص إلى الشرق الأوسط جيسون عرينبلات، وسفير واشنطن في إسرائيل، ديفيد فريدمان، لكن مصدرا فلسطينيا قال إن تسوية إقليمية ستكون مرفوضة.

أبلغ الرئيس عباس الوفد الأمريكي وأصر على حل الدولتين بعد أن امتنع موفد ترامب كوشنر حول حل الدولتين، وطلب عباس ضمانات مرجعية وفق سقف زمني، فيما اعتبرت واشنطن أن الالتزام بحل الدولتين بمثابة انحياز، كما يرى الطرف الفلسطيني أن الحل يجب أن يسبق التطبيع العربي، مع وقف الاستيطان، ولا يريد الفلسطينيون مفاوضات بهدف المفاوضات.

لكن المواقف لا تبشر بحل الأزمة خصوصا عندما صرح سفير أمريكا في إسرائيل بأن الاحتلال احتلال مزعوم الداعم للاستيطان، وقام بزيارة مستوطنة من أجل المشاركة في زفاف في خروج عن سياسة استمرت لسنوات تنص على عدم زيارة السفراء

للمستوطنات إلا في حالات استثنائية فقط، ويحث بشكل دائم على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والمبعوث جارد موشنير لا يؤيد حل الدولتين لكن هذه طبيعة سياسات الولايات المتحدة التي تبحث عن إرضاء جميع الأطراف.

أزمات المنطقة بما فيها القضية الفلسطينية لن يتمكن العالم من حلها إذا لم يتمكن العرب من استعادة قوتهم الاقتصادية والعلمية واستعادة مكانتهم العالمية وتولي حل قضاياهم بأنفسهم فلن يتولى العالم حل قضاياهم نيابة عنهم، فنواة التحالف العربي السعودي المصري الذي ينوي فرض نموذجه القومي المتسامح، سيكون القوة الناعمة القادمة القادر على اقناع العالم بأهمية هذه المنطقة، خصوصا بعدما أدرك العالم أن الصراع والعنف لن ينحصر بمنطقة الشرق الأوسط، بل سينتشر إلى أنحاء العالم بأكمله، فلا يمكن وقف العنف واللاجئين دون حل قضايا المنطقة الأساسية بما فيها القضية الفلسطينية سياسيا.

لا تعليقات

اترك رد