شموخ الأهل

 
الصدى-الاهل
للفنانة عاتكة الخزرجي

تكاد السنين تختنق وتهمُّ بالفرار من فرط الازدحام الوقح فوق هامته النزرة إلا ما بقي من شعيرات بيضاء تقف شامخة لفقدانها ما تستند اليه ، أتعبتها النكبات المتعاقبة و عاث عليها الزمن وتكالبت فوقها الظروف وما بقي منها يعد بأصابع اليد……..يضرب الأرض بمعول متكاسل كقطرات ماء من أنبوب معيوب ،ويتحامل على نفسه ويجاهد كثيراً لينتصب ، آلام الظهر والمفاصل والسكر و الضغط وتصلب الشرايين وأمراض القلب تجتمع لتحتفل فوق هذا الجسد المتهالك والمعتق بمرارة الزمن وغدر الأيام ، تغرز أظافرها في تلك البنية العتيقة، تغزو الخشونة أطرافه وضعف البصر يملأ بالظلام ما تبقى من شعاع يطل من ربع نافذة بقيت لديه بالكاد تحتفظ بخارطة اتجاهات بيته…..! بادرته التحية:

–“أعانك الله على ما أنت فيه ، ياعم…..!”

ردها بصوت متعب وهو لا يزال منكباً على ما هو فيه كأنه لا يستطيع رفع جسده منها إلّا بمساعدة شخصين أو أكثر ، يحفر أساساً لبيت في قطعة الأرض الملاصقة لداري ….! جلست فوق دكة في عتبة بابي أراقب مجموعة الوجع المتعب وهو يحفر ، وكأنه يحفر قبراً لنفسه من شدة ما ألمّ به من التعب ، وهو في عمر لا ينتمي مطلقاً لما يقوم به من عمل منهك كهذا……..سألته:

– “يا عم ، هل لديك أولاد…؟”
– “نعم أربعة أولاد وبنت…”
– “ألم يساعدك أحد منهم…؟”
– “لقد أخذهم الله جميعاً ، إلا من بنت واحدة معوقة وأمها العاجزة..”
– “كيف..؟
– “الأول عريف في الجيش واستشهد في بسوسنا الشمالية، والثاني جندي احتياط استشهد أيضاً في بسوسنا الشرقية ، والثالث استشهد في احتلال الكويت، والرابع كان ضحية لانفجار إرهابي…!”….كتمت ضحكة بسرية تامة بحجم قهقهة بعد غطيت وجهي بذراعي ، ضحكة تجمع بين الفرح والحزن وكأني أقف أمام متعهد لتجهيز الشهداء، وأنا ألعن الزمن وأخاطب نفسي بهمس:

– “يا لوقاحة الزمن و قسوته…!”

أظنّه أحسّ وشوشتي مع نفسي وتفاعلي معه، فتوقف عن الحفر وبدأ كلامه يتغير نحو حشرجة تكسرت في حنجرته المتعبة لتكتم عبرة كادت تخرج عنوة، واغرورقت عيناه بالدموع وسال نزر منها حتى بلل لحيته البيضاء ، مسحه بيده المرتعشة وقال بصوت متقطع:

-” يبدو أنك فاض و لا شغل لديك وتحب التسلية وقضاء الوقت في أوجاعي…” قلت :
– “لا والله ، يا عم … أحببت فقط التعرف عليك وعلى وضعك الغريب هذا….!”
أجاب:
– ” وما الغرابة في وضعي ، أنا رجل فقير ولدي مسؤولية عائلة أسعى للحفاظ عليها من الجوع والعوز….؟”

قوله هذا دق إسفين الصمت بيننا ، وشعرت أن الدم قد تجمد في عروقي ، ناضلت كثيراً من أجل إخفاء مشاعري الهائجة والتي تكاد تفرض نفسها بالخروج عنوة رغم الضغط الثقيل الذي يولده تحفظي وقاري على منعها من ذلك ، على الأقل أمام قمة الآباء تلك ، التي ترفض الخنوع والذل وتأبى التذلل وتضحي بما تبقى من رمق حي بالكاد تملكه ، من أجل الدفاع المستميت وبكبرياء وتحفظ عن تطلعات عائلته التي لا تملك من أسباب الحياة سواه…….

أخذني هذا المعنى الكبير بعيداً و تساءلت ، ماذا لو كان هذا الإنسان أبي….نعم هو أبي تماماً أو يشبهه بكل شيء، شجاع ،عنيد ،حريص ، مخلص لدمه وجلدته….تذكرت كل شيء فيه كان ، رحمه الله ، يحملنا فوق كتفه صغاراً وكباراً، يخفي ألمه أمامنا وحين ينفرد بنفسه يهاجمه الالم من كل جانب ، لا يفضي ذلك لأحد حتى لأمي ، رفيقة دربه ، سألتها مرة عن امتناع أبي عن الأكل معنا فأجابت ، إنه يخشى أن تسبق يده يد أحدكم للقمة قد وصل نظره إليها قبله ، لذلك فضل تناول الطعام بعدنا أو بعيداً عنا … يجوع هو حتى نشبع نحن… أيقظني الرجل من غفلتي تلك حين سألني عن الوقت فأجبته:

– ” الساعة الثانية ظهراً”

لملم حاجياته بصمت ووضع المعول عل كتفه ورحل وهو يترنح في مشيته من جور الزمن وثقل المسؤولية وصورة والدي ووطني المتعبين لا تزال تغزو ساحات مخيلتي وأراها وهي معلقة في طرف معوله….!

لا تعليقات

اترك رد