المخرج المعلّم كارلو هارتيون


 

بعد الحرب العالمية الاولى تم تدمير ارمينيا ,وفقد الاب الارمينيهارتيون اهله فهاجر الى فرنسا للبحث عنهم عبر منظمات انسانيةشكلت بعد المذبحة. ثم واصل رحلة البحث الى الارجنتين على باخرة التقى فيها بالفتاة الارمينية التي كانت تبحث عن اهلها هي الاخرىوتزوجها فكانت ام كارلو الذي ولد في بوينس ايرس عاصمة الارجنتينيوم 15 مارس \أذار عام 1931 .بعد مدة علم الوالد ان اهله موجودون في لبنان فواصل رحلة البحث ,ثم عاد الى الارجنتين ولم يسمحو له بذلك بفعل الظروف السياسية فذهب الى فلسطين لوجود فرص عمل بها.

في فلسطين حصل على الجنسية البريطانية لانها كانت تحت الانتداب البريطاني .في عام 1936 بدأت الحروب بين العرب واليهود فهاجر الوالد الى بغداد برفقة الصبي كارلو, وسكن الوالد في منطقة باب الشيخ مجاور مركز الشرطة حيث امتهن النجارة التي كان يجيدها بتميز, وكان من الاوائل الذين صنعوا ابدان السيارات الخشبية ,حيث استأجر بيتا كبيرا استغل الطابق الاسفل كورشة للنجارة والاعلى للسكن .كان والدا كارلو من هواة المسرح ويقومان بالمشاركة في المسرحيات التي تقدمها الجمعيات الاجتماعية, وشارك معهم وهو بعمر ثلاث سنوات , وعاش الصبي كارلو الذي وصل عمره تسع سنوات مابين صوت النجارة والاصوات التي تأتي من مركز الشرطة اذ كان يراقب الحركة فيه من شباك الدار .

اثاره الصوت واختلافه والاحداث المختلفة ودخول الضوء من مصدر واحد واختلافهحسب تأثير الامكنة فأستغل المراة العاكسة للشمس النافذة من فتحة صغيرة في البيت ليعمل منها مايشبه السينما, وصنع بذلك وسيلة لهو ومرح لاطفال المنطقة مقابل اجرة للدخول .في عام 1945 التحق في كلية بغداد وشارك في اغلب الاعمال الفنية التي تقام فيها ,وكان اولعمل له (يوليوس قيصر )برفقة زميله انذاك (سعد الوتري),اكملالثانوية ودخل معهد الفنون الجميلة المسائي وترك الدراسة ثم عاد ليكملها وتم اختياره لاداء دور في فيلم (عروس الفرات )عام 1956 لكن الدور سحب منه بعد ان رفض تغيير اسمه من كارلو الى كاظم لكنه بقي من العاملين مع المخرج, ثم قدّم الى كلية الهندسة وقبل فيها لانهيتقن اللغة الانكليزية لكنهم وبعد ثلاثة اشهر منعوه من الدوام لانه لا يحمل الجنسية العراقية .في عام 1958 حصل على الجنسية العراقية, وفي عام 1959 تم ارساله في بعثة الى هنغاريا لدراسة الاخراجالسينمائي وتزوج هناك وبقي سبع سنوات درس السينما وعمل مساعدا مع مخرجين مجريين ومنهم المخرج المشهور يانجو مكلوش.

وكان اخر عمل قدمه في المجر فيلم وثائقي عن معرض اشتركت فيةخمسة بلدان عربية وعرض في صالات عرض الافلام الوثائقية هناك ,لكنه عاد الى العراق قبل ان يعرض الفيلم بيومين حينما جاءه كتاب من السفارة العراقية جاء فيه (الوطن بحاجة اليك ).وصل بغداد عام 1966 وقدم اوراقه الى معهد الفنون والى الاذاعة والتلفزيون ودائرة السينما والمسرح وجاءه الرد (اننا لسنا بحاجة اليك) لكن والده كان بحاجة اليه في محل النجارة حيث المهنة والاتقان والصوت المنبعث من الات النجارة الذي يرن بأذن المثقف السينمائي حيث يؤوّل كل شيء الى لغة وتعبير سينمائي, وبينما كان يشاهد التلفزيون الذي يعشقه قرأ اعلان بأنهم بحاجة الى مخرج وتم قبوله, وبعد ثلاثة ايام من دوامه منع من الدخول دون ان يعرف السبب ..

قابل وزير الاعلام وتم تعينه في مكتبة الافلام مع ابتسام عبد الله وشميم رسام ثم ترك العمل وسافر الى لبنان, وهناك جاءه المخرج عبد الهادي مبارك بطلب من الصحاف مدير عام الاذاعة والتلفزيون يدعوه الى العودة وعاد كارلو وبدأت رحلة الابداع الحقيقية اذ قدّم تمثيلية (اللغز )من تأليف يوسف العاني ,وساهم نجاحها في اسناد مسلسل له من تأليف معاذ يوسف اسمه(عطارد) وتوالت اعمال كارلو الناجحة, تمثيليات وسهرات ومسلسلات منها (سيد المنزل ,تبادل مراكز ,شارع ستين ,اللغز ,عشر ليرات تركية جديدة ,ايام ضائعة ,اجنحة الثعالب ).تميز كثيرا كارلو في اعماله التلفزيونية وكان اول من قام بتصوير الدراما التلفزيونية خارج الاستوديو في السبعينات حيث استطاع ان يتجاوز مشكلة الصوت المتأزّمة انذاك .احبّ كارلو التمثيل لكنه لا يحب احترافه رغم انه كان ممثلا في اول فيلم عراقي ملون (نبو خذ نصر )لعبد الله العزاوي وكذلك في فيلم (الراس) لفيصل الياسري ,ومثل ايضا في مسلسله (شارع ستين ) واعمال اخرى لكنه يفضل ان يكون مخرجا .

ولم ينسى كارلو الحب الذي يعيش بداخله للفن السينمائي رغم رأيه الذي يجاهر به دائما بانه لايوجد فرق كبير بين السينما والتلفزيون لانهما يعتمدان على الصورة المتحركة نفسها واللقطة التي يبنى من خلالها العمل الفني في السينما والتلفزيون .لكن كارلو الذي كان يهتم كثيرا بلغة الصورة بدا انحيازه واضحا لفن السينما المتطور تعبيريا والمتجدد فساهم بتأسيس وحدة الانتاج السينمائي في تلفزيون العراق وكان فارس هذا القسم اذ قام بصناعة فلمين متميزين في كل شيء هما (اللوحة )و(البندول)من تأليف صباح عطوان.. وهما تجربتانفريدتان في الفن الدرامي العراقي اذ لم يسبقه احد في التعامل مع هكذا بنية فكرية بتقنية سينمائية ابتداءا من الفكرة مرورا بتقنيات التعامل مع المكان والزمان والكاميرا والممثل .وهو اول من صنع النجم السينمائي في العراق فأسماء مثل جلال كامل وجمال محمد امينوغيرهما ولدت من تجربة هذا المخرج الجريئة التي يقترب فيها من الواقع الذي يعتبره البعض من المناطق المحرّمة ,واكتملت خطوة كارلو المتطورة حينما اجاد التعامل مع الكاميرا التي كانت تقرأ الفعل اثناءحدوثه وتتحرك برفقته وكأنها مساندة له, لكنها ماتلبث ان تنتفض فترفض فعلااو تصرّف, وتتوقف حينها وتجبر الفعل على التوقف امامتأزّم الحالة,

ثم تنقضّ على البطل وتحثّه على اعادة المحاولة من جديد في لعبة درامية محسوبة بدقّة متناهية ومحبوكة لدرجة اقتراب قريبة جدا من الواقع, وتشتبك معه ليعاد ترتيبه وفق مايرى كارلو الذي اعادماتعلّمه من حالات رفض رافقته في معهد الفنون الجميلة ادت الىتركه الدراسة ولكن اصراره الذي دعاه للعودة انذاك تم تطبيقه على البطل في فيلم اللوحة والنوع الجديد من حالة رفض الشاب الناتجة من التغيير المستمر في البيئة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ومعرفيا..كل ذلك بكاميرا اكتسبت دور البطل وتعاطفت معه بل انها تلبست شخصيته ورافقته في جمل صورية رسمت للمتلقي الحالة النفسية التي يجب ان يتعامل فيها المجتمع مع هكذا موضوع .لقد تعامل كارلو مع الكاميرا المتحركة بطريقة لم يسبقه فيها احد في السينما العراقية.كما انه تعامل مع ممثلين يمثلون لاول مرّة ومنحهم الثقة في ان يعبّروا عن مكنونات شخصياتهم بحرية وتلقائية محسوبة ولم يسجنهم ضمن نطاق الكادر الضيق ,بل انه منحهم عالمهم وفضائهم وطلب من الكاميرا ان تصطادهم اينما يذهبوا وكيفما يتحركوا ويشترك الاثنان في عملية فن تشكيل الصورة التي غالبا مايؤكدعليها .وواصل كارلو التعامل مع الواقع بطريقة مميزة وبصنعة متطورة في فيلمه السينمائي الروائي الاول (شيء من القوة )قصة صباح عطوان وكذلك في الفيلم السينمائي (زمن الحب ) سيناريو وحوار صباح عطوانوحتى في فيلمه الوثائقي الاول (النهر الثالث ).انتصر كارلو للصوت والثيمة الواقعية وللشكل والتكوين وتعبيرية الصورة في فنه الذي تأثر بالحركة المتوافرة له حياتيا حيث اخترق مشارق الارض ومغاربها وتجول فيها ودرس وتنقل واختلفت عنده الانتماءات والجنسيات التي تغيرت اخيرا مع اول محاولة اغتيال تعرّض لها في العراق على يد مجهولين خرج منها سالما عام 2006 فهرب الى الاردن وبقي عامين ثم رحل رحلته الاخيرة الى اميركا وحصل على الجنسية الامريكية وتوفي في 25\3\2016 ..

توفي ولسان حاله يقول ..هناك من يحملون الجنسية الاجنبية وعادوا للعراق وأخذوا منه الكثير ,وهناك من حملوا الجنسية العراقية وحصلو عليها بصعوبة لكنهم طردوا وهربوا وحاولوا شراء جنسيات غريبة عليهم وسوف يموتون غرباء كالغريب المتفاني كارلو هارتيون .

لا تعليقات

اترك رد