باب الحارة


 

الفنان عموما يبدع لينتج الفن و الذي هو عبارة عن فكرة يريد ان يوصلها الفنان إلى المتلقي بشكل لطيف، متحدثا بهذه الطريقة مع أحاسيس الإنسان اكثر من عقله المفكر.

و لقد كان الفن ملازما للإنسان منذ نشأته على كوكب الأرض، ليتطور الفن مع الإنسان. و قد اجزم بالقول باننا لا نستطيع ان نعرف ما اذا كان الإنسان هو من طور الفن ام ان الفن هو من طور الإنسان؟

حسب وجهة نظري، أرى بأن الفن هو من يطور الإنسان، ولذا فإني أرى أن الفنان هو اقدس فرد في المجتمع، لأنه هو من يزرع التطور عن طريق بذر الافكار و الحلول الجديدة.

طبعا الفن و الحديث عن الفن يعتبر من الكماليات التي تنسى بكل سهولة في عالمنا العربي، فالفنان عندنا كعرب هو شخص “متعافي” و لا يقدر صنيعه بشكل لائق و لا حتى مقبول.

حتى الحديث عن الفن، فذلك يعتبر من مضيعة الوقت، بالمقارنة مع الحديث عن المستجدات السياسة او حتى النقاش الازلي بين العلمانيين و المتدينين.

على كل حال، الفن هو المبتدأ في صناعة الثقافة، لتأتي بعدها الفلسفة لتصقل الفن إلى نظريات. و من بعدها تأتي العلوم المختلفة لتصقل الافكار الفلسفية إلى تقنيان و ادوات عملية و هنا يستفيد المجتمع من المحصلة النهائية.

هذا نمط حياة المجتمع الصحيح الذي لا يشكو من مرض.

أما عن مجتمعنا العربي، فنحن نشكو من آفات عدة، أولها الجهل و الاصرار على العيش في عالم موازي نكون نحن العرب فيه “احسن” الناس مهما كانت حياتنا مزرية.

ولكن مهما كان المجتمع متخلف، فالحاجة للفن حتمية، فلا غنى عن الفن كما لا غنى عن الطعام و الشراب.

و لما كنا متخلفين و جهال، يصنع الفن من نفس المعدن الاجتماعي المتخلف و ذلك لمواكبة الطلب في المجتمع للمنتج الفني الرخيص و الخالي من المحتوى. فعلى سبيل المثال، صناعة دبلجة المسلسلات التركية و غيرها اصبحت رائجة لأنها تلبي حاجة المستهلك العربي الذي يتوق إلى الطريقة التركية للحياة، فحتى لو لم يأتي الفن التركي بحلول ناجعة لمشاكل الدول العربية الراهنة، إلا أنها تعلب دور إضافة الجمال إلى الحس العربي.

بالإضافة إلى التليفزيون، هناك الانتاج الفني السينمائي و أيضا الانتاج الفني الموسيقي، و التي تعتبر من الفنون التي يوضع عليها علامة استفهام لدا مجتمعاتنا المتدينة و التي تحرمها لأسباب غير معروفة. و على هذا الحال، لا نستطيع أن نبحث عن الفكرة داخل الاغنية او الفيلم السينمائي لأن الاغنية و الفيلم لا ينتشر بسبب التحريم لاستهلاك ذلك الفن.

و أخيرا يأتي فن الرسم و النحت، و هما بدون شك من اصناف الفن التي تكاد تشبه فرد من افراد الاسرة المعوق و الذي لا يسمح له بالخروج كثيرا لكيلا يأتي بالفضيحة لأسرته.

و بعد هذه المقدمة الطويلة، اريد ان اصل إلى أن الفن المؤثر في العالم العربي و الإسلامي هو فن انتاج المسلسلات. لأنه منتشر و مقبول بجملته. فحتى اكثر المتدينين تشددا، يستهلك فن المسلسلات عن طريق مشاهدة احد المسلسلات التاريخية الإسلامية.

على كل حال، المسلسلات اذا هي المحرك الفني الذي يجب ان نتمعن به.

فعلى سبيل المثال، عرضت مسلسلة “عمر” في سنة 2012 و التي عرض فيها مشاهد دموية و بطولية للسلف الصالح. فلم يكن من العجيب أن تظهر بعدها داعش و كل المشاهد الفظيعة لقطع الرؤوس و الأطراف، و ذلك لأن المستهلك العربي استوحى أفكاره “البطولية” من الفن الذي عرض عليه بشكل مسلسلة تاريخية و هنا وصلت فكرة الفنان بجملتها و تفاصيلها، ولكنها كانت فكرة فاسدة، استفحلت و تغلغلت في المجتمع العربي الذي كان حينها يغلي وسط معمعة الربيع العربي. وهذه الفكرة وصلت للأسف للأشخاص الأقل قدرة على التمييز و استعمال العقل و كان النتاج هو اعادة احياء السلف الصالح بثوب جديد يسمى ب داعش.

و كما قلت سابقا بأن الفنان هو من يحرك المجتمع، فإن اثر فنه على المجتمع، ظهر حينها تغير في الثقافة و السلوك و ايضا زاد الطلب الشعبي على هذا المنتج.

و هنا لا يسعنا ان نتجاهل واحدة من اكثر المسلسلات التلفزيونية نجاحا، ألا و هي مسلسلة “باب الحارة”.

فتلك المسلسلة وصلت إلى قمة النجاح الدرامي و الشعبي الى درجة أن الاعلام الإسرائيلي صار يشير إليها بتعجب. ولقد صارت جزء من التراث الشعبي المعاصر و هذا ما اكتب عنه اليوم.

ما هي الفكرة التي تصل لنا من مسلسلة باب الحارة. في الحقيقة هناك افكار عدة اعرض لها أدناه:

1. غياب الحكومة. نحن نتعلم ان الحكومة هي كيان استعماري عميل و لذا فإننا يجب أن نلعب دور الحكومة في اصغر الأحياء السكنية

2. الرجولة و الأنوثة المشوهة. الرجل يجب أن يكون مفتول العضلات و سميك الشاربين، معتدل الظهر، سوي و لا يشكو من عيب خلقي او شكلي، يتكلم بصوت عالي و اهم من كل هذا و ذاك ان يكون صاحب الكلمة الفصل حتى في اتفه الامور. أما المرأة، فيجب ان تقر في بيتها، تتجمل و تتبرج و تنزع عن وجهها و جسدها اي شعرة ليس مرغوب بها، و تكون ذات قوام أنثوي، نهود منتصبة، افخاذ منتفخة، بيضاء، طويلة الشعر، كبيرة العينين و اهم من كل هذا تحمر خجلا لمجرد الحديث عن الرجال. تلك المرأة المثالية تنتظر الرجل المثالي عند رجوعه الى البيت ليضاجعها و تنجب أولاد اصحاء اقوياء يكونون نسخة طبق الاصل عن أهلهم

3. السلفية. و هنا لا اعني بالسلفية الدنية فحسب و انما بالسلفية الثقافية، فباب الحارة تدور احداثها في مطلع القرن الماضي، في الوقت الذهبي (ايام زمان) حيث الاخلاق والقيم التي تعرض بالمسلسلة هي التي يجب ان تقوم و تتبع، فلا مجال هنا للواقع و الحاضر، فالماضي هو بالتأكيد احسن

طبعا هناك افكار أخرى تعرضها المسلسلة و لكني لا احتاج الى ان اتطرق للتفاصيل، فانا لا اهاجم عمل فني بعينه، و انما اهاجم الفن العربي المعاصر ككل.

طبعا هناك اعمال في غاية من الروعة و الإبداع و الفائدة مثل مسلسل “سلفي” السعودي.

الفن الذي نحتاجه يجب ان يلائم واقعنا و يعطينا اشارة إلى الحل الناجع. طبعا هذا يتطلب جهد مضاعف، لأننا نحتاج إلى اخراج الفنان الذي يقبع في داخلنا لنجعله ينتج عمل فني يحمل فكرة التنوير. و هنا ليس المهم نوع الفن و انما فن جميل و منير لعقولنا.

لا تعليقات

اترك رد