من أين جاء كُل هذا الحُزن ؟


 

في طريقي إلى المنزل.. بعد يوم عملٍ شاق، مُثقلًا بضيقتي، أسيرُ نحو محطة القطار، أقفُ في طابورٍ طويل، أقطع تذكرتي بعد طولِ انتظار، أندسُ وسط الناس، كُل المقاعد شاغرة، أتكأ على أي جانب، ينطلق بنا، وتنطلق معها فضفضات الناس وهمومهم، ارتفاع الأسعار، نقصُ الدواء، قلةُ الدخل، أصمُ أذني، لا أريد أن أسمع، لا أتحمل المزيد، يخفت صوتهم، مستمرون في الكلام، مُتعبون من الحياة، ولا يتعبون من الحديثِ عنها.

أُحكم ضغط سبابتي على أذني أكثر، تتحرك شفاتهم، لا أسمع شيء، تأتي دور الرائحة، لكل منها قصة، أغلق أنفي، بينما أرى ملامحهم، قاسية لمن يرى، ويشعر، أبلغ من الكلام، صور شاحبة، وابتسامات هزيلة، أُغلق عيناي، فلا أرى ولا أشم ولا أسمع.

وصلتُ حيث أريد، أكملُ الطريق سيرًا على الأقدام، وإذ تلمح عيني بطاقة أنيقة، مرميًا على جانبِ الرصيف، التقطها، وإذا هي لحفلٍ يُسمى الأمل، مكتوبًا خلفها، لمن فقد الشغف.. وأضاع الحلم، ونسي حياته.. مكانك معنا!

عندما تشعر بأنك فقدت حالتك، توقف لديك الشغف،غادرتك الدهشة، غمرك الحزن، غير قادر على المضي، تتحرك بسرعة لتستعيد نفسك، تسمع الموسيقى، تذهب إلى السينما، تُسافر لمكانٍ هادئ، تقرأ كتاب يحرك ما بداخلك، تُمارس طقوسك المنسية، تصلي وتسهب في الدعاء والرجاء، تلتقي من تحبهم، تفعل كُل ما يمكن فعله، لتعود كما تود، لتواصل.. وتُكمل، أما اليوم، وصلنا لدرجة ندفع المال لنحضر عروض من هذا النوع، الأمل.. والحياة.. والشغف..

أمام العقار، أوقفني صاحبه عن الصعود، وهددني بالطرد إن لم أدفع أجرة الغرفة التي أسكنها أعلى السطح، تعجبت من غضبه وحدة كلماته، كُل هذا من أجل حجرة صغيرة لا تساوي رشة من عطره النفاث، لا بأس، حاولت أن أتجاوز، صعدت غرفتي، وأخذت أبحث في الإنترنت عن المهرجان، وجدتُ آلاف التعليقات التي تتحمس للعرض، عرفت أن شخصيات شهيرة ستحكي تجاربها، وكيف تغلبوا على ظروفهم الصعبة، ليحققوا أحلامهم.. بينما آلاف أخرى، تذمروا من نفاذِ التذاكر، ويتسألون عمن يود بيع تذكرته بضعف الثمن!

بينما أنظر لتذكرتي وأسأل نفسي، يا ترى أي صدفة جمعتني بها، ولمن تكون، أهربت من صاحبها لتأتيني على طبقٍ من ذهب، أم فقدها لحظه السيء، أم بائس فقد أمله سريعًا، رماها بعد أن اشتراها.

ليلة العرض.. ذُهلت من عدد الحضور، أكُل هؤلاء بحاجة لمن يمدهم بالأمل! خُيل إلي أنني سأجد من أراهم كل يومٍ في القطار، لكن معظمهم من الشباب، في مُقتبل العمر، مُتأنقون ويلمعون، لا تبدو مشاكلهم مُتعلقة بارتفاع الأسعار، وبنقص الطعام والدواء، أشياءٌ أخرى.. ربما لا تجلبها المال.

الأرجاء تعج بأغاني الأمل، الأحلام.. إكسير الحياة، يتفاعل معها الرواد بحماس، قبل أن يشتعل المسرح، بقصص مُلهمة، تحكي سنوات من الصبر والكفاح، فتاةٌ أخبرتنا كيف تغلبت على مرض السرطان، أبكتنا معها، وشاب أُغلقت الحياة في وجهه، لكن حُلمه دفعه ليفتش عنه، إلى أن أدركه، ورجل أعتقل لسنوات، رغم ذلك لم يفقد الأمل في ظُلمة السجون، وامرأة حرمت من الإنجاب، فصارت اليوم، أمٌ لأكبر دور أيتام لمئات الأطفال.

ثلاث ساعات من الحكايات، انتظرتُ فيها أن يجيب أحدهم على سؤال يجول بخاطري، لماذا أضحى عالمنا حزينًا إلى هذا الحد، من أين جاء كُل هذا الحزن، من وراءه؟ بت أخاف من سماع كلمة الأمل، التي صارت تتردد كثيرًا هذه الأيام، والتي تعني أن القارب قد شارف على الغرق، والناسُ ما عادت تأبه.

انتهى الحفل، وأوهمت نفسي أني أصبحت أفضل الأن، إلى أن التقت عيني بعين صاحب العقار الذي أسكنه، فدهش من وجودي، ومسك بياقة قميصي، وصاح في وجهي، لديك المال لتدفع على العروض والحفلات، بينما تتأخر في دفع الإيجار.. هات.. هات.. لن أتركك.. إلى أن تدفع!

لا تعليقات

اترك رد