شيزوفرينيا المواقف


 

أشك تماما بأن كرديا واحداً تسأله عن رغبته في إقامة دولة مستقلة ويرفض ذلك . كما أستغرب تماما من أن كرديا تسأله عن انفصال مناطق كردستان عن العراق الآن ويوافق على ذلك .

ليس هذا لغزا ، وليست لغة زلقة للايقاع بالحقائق ، بل هي قراءة تستند الى الواقع الكردي قبل العربي والى سماع الاصوات غير المتشنجة بعيدا عن لغة الكراهية والتحريض التي قامت بها أطراف كردية وعربية بصورة بدائية غبية سواء باستعراض وجوه الصهاينة وبيرق دولة خرافتهم على أرض كردستان الأصيلة الطاهرة أو من جهة العرب الذين تعاملوا مع الأمر وكأنه طلبٌ للطلاق خارج ضوابط العصمة.

وقد كتبتُ مقالات عدة باتجاه واحد حول هذا الموضوع أفرّق فيه بين الاكراد كأمة عظيمة لها الحق في دولة مستقرة تساهم في توازن المنطقة والسلام الدولي ستقام عاجلا أم آجلا كونها تاصيلا عرقيا تاريخيا وليست وعدا دينيا وهميا . وبين انفصال جزء من شعب تاسست دولته عليهما معا، فالدولة العراقية صممت خارجيا من العرب والكرد والقوميات الاخرى بمكوناتها وحدودها والالغام القابلة للانفجار فيها وليست دولة مستقلة احتلت التركمان والاكراد وفرضت الجزية عليهما .

في العراق الان تتصاعد شيزوفرينيا المواقف كالتالي :
اولا : الذين يرفضون انفصال كردستان لأنهم يرونه انتصاراً لمسعود البرزاني وانقاذاً له من استحقاقات دستورية بتخليه عن رئاسة الاقليم ، هم انفسهم يتمنون الانفصال ويقترحونه على قادتهم لان الانفصال سيحرج البرزاني اذا ماوجد ان الدولة المنفصلة محاولة للطيران بلا اجنحه وخروج الى عالم بلا ضمانات امنية واقتصادية كما يتصورون. .

ثانيا : الذين يقفون مع شعب كردستان وحق في تقرير مصيره ، ويرون الاستفتاء استحقاقا انسانيا ودستوريا ، هم انفسهم لايتمنون انفصال الاكراد الذين حصلوا على امتيازات سياسية ومالية وصلاحيات وحظوة دولية وضمانات ، لن يتمكنوا من نيلها بانسيابية لزمن طويل في حال تحولوا الى دولة.

ثالثا: الكثير من الاكراد الذين صوتوا مع خيار الدولة ، هم انفسهم وجدوا ان السيد البرزاني وضعهم في مأزق الخيار الوجودي وليس التقييم السياسي للموقف، وانه استخدم ثوابت الكرامة القومية في غير محلها ، ويرون ايضا ان مافعله السيد البرزاني قد أوقع اكراد العراق في حرج تاريخي ،واعاد ماحصل عليه الكرد من امتيازات وادوار وحالة مستقرة الى مئة عام او اكثر. لاسيما مع اكتشافهم عدم توفر اي مستوى للتفاهم الدولي او الضمانات المطلوبة لقرار اسطوري كهذا .

رابعا : مراهنون من الجانبين على الحوار لحل الازمة ، هم انفسهم ايضا خائفون من أن يكون الحوار مجرد الحوار هزيمة.
خامسا : حتى مناسبة رحيل السيد جلال الطالباني التي يفترض ان تُحدث صمتا تنافسيا نسبيا ، دخلت هي الاخرى على مسار شيزوفرينا المواقف بين من يراه فرصة للوئام والتذكير بكردية نصف الدولة وعراقية كل الاكراد ، وبين من يطالب باستغلال الحفاوة العالية بالفقيد لاشعار مسعود البرزاني بالعزلة السياسية كرديا وعربيا .

الحل ببساطة شديدة هو مساعدة الاكراد لاتخاذ القرار السياسي الصحيح دون محاصرة او ابتزاز مع احتفاظهم بخيارهم الوجودي وتصويتهم الطبيعي لكرامتهم القومية ، وهذا ترجمة لما قاله رئيس الوزراء حيدر العبادي في البرلمان يوم استضافته من أنّ ايّ عرق أو قومية تستفتيها لقيام كيان خاص بها ستقول (نعم )، في تذكير ضمني الى علوية التفاهمات والدستور والتوقيتات الصحيحة .

على العرب من جانبهم ان يستفيدوا من التجربة ، ويعترفوا بأن العراق ليس لهم وحدهم وانما صنع بهم وبغيرهم ، وان تقاتلهم وانقسامهم الطائفي وتبعياتهم الخارجية أضعفته وأضعفت الشعور الوطني بالانتساب له ، ففي ظل مسؤولية الجميع عما حصل للجميع ، لم يعد من السهولة في العراق أن تكون على حق .

لا تعليقات

اترك رد