الفكر التّربوي ونظريّة السّعادة لابن مسكويه

 

لا يخلو أيّ فكر تربويّ من فلسفة يرتكز عليها المفكّر ليطلق أفكاره ويقدّم تصوّراته ، ولذلك نجد عديد الفلاسفة مفكّرين تربويين ، والمفكّرين التّربويين فلاسفة ، لهم إسهامات متنوّعة ونظريات تربوية عبر مراحل التّاريخ ، ولمّا كان غرض الفلسفة طلب الحكمة ، وغرض التّربية تنشئة الطّفل والتّرقي به في سلّم الكمال الإنساني ، فإنّنا سنبحث في النّظريّة التّربوية عند الشّيخ أبو علي أحمد بن محمّد ابن يعقوب بن مسكويه {320/ 421 } ، الذي عاش قرنا هو عصر النّهضة في الإسلام كما سمّاه المستشرق الألماني السويسري آدم متز. نهتم بذلك في كتابه الموسوم ب{ تهذيب الأخلاق } ، وقد أشاد به عديد العلماء وقال فيه أحدهم :

بنفسي كتاب حاز كلّ فضيلة     وصار لتكميل البريّة ضامنا

مؤلّفه قد أبرز الحقّ خالصا      بتأليفه من بعد ما كان كامنا

ووسمه باسم الطّهارة قاضيا      به حقّ معناه ولم يكن نائيا

لقد بذل المجهـــــــــــود لله      فما كان في نصح الخلائق وانيا

ولكن لابدّ من الإشارة إلى أمرين مهمّين :

الأوّل : أنّ ابن مسكويه لا يُصنَفُ من المربيّن عند مؤرّخي التّربية { المربّين : ابن سينا ، الغزالي ، الإمام سحنون ، القابسي ، و ابن خلدون … و غيرهم من الأعلام }} .

والأمر الثّاني : أنّ ابن مسكويه يبني فكره التّربوي على نظرّية فلسفيّة هي نظريّة السّعادة ، ويعود سبب ذلك إلى تأثّره الشّديد بأفلاطون ممّا حدى به إلى ذكره في كتابه الفوز الأصغر واعتمد عليه في كتابه تهذيب الأخلاق فأورد أقوالاً له . وهذا وجه من وجوه تأثّر الفكر الفلسفي العربي الإسلامي بالفكر الأفلاطوني .

يقول ابن مسكويه معرّفًا بكتابه ومبيّنا الغرض منه {{ تهذيب الأخلاق }} ص69 / : {{ غرضنا من هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنّا الأفعال كلّها جميلة و تكون مع ذلك سهلة لا كلفة فيها و لا مشقّة و يكون ذلك بصناعة و على ترتيب تعليمي ، والطّريق في ذلك أن نعرف أوّلاً أنفسنا وماهي وأيّ شيء وجدت فينا }} . ولعلّ هذا التّعريف يدفعنا إلى طرح السّؤال التّالي :

ما هي علاقة النّفس بالتّربية والأخلاق والسّعادة ؟

نشير إلى تعريف ابن مسكويه للنّفس في كتابه الموسوم بــ{{الفوز الأكبر }} : {{إنّ الكلام عن النفس وتحقيق ماهيتها وقسطها من الوجود وبقاءها بعد مفارقتها البدن أمر مستصعب غامض ولكن أقول : لمّا كان طريقنا إلى المعاد معلقا بإثبات النفس وأنّها ليست بجسم ولاعرض ولا مزاج بل جوهر قائم بنفسه وذاته غير قابل للموت ، وجب أن أبدأ بالكلام في ذلك}} أنظر ابن مسكويه : الفوز الأصغر/37 . ويتّبع ابن مسكويه أفلاطون فيقسّم النّفس إلى ثلاثة أقسام دقيقة ويقدّمها للقارئ واضحة فيقول :{{و قد تبيّن للنّاظر في أمر هذه النّفس و قواها أنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام وأعني القوّة التي يكون بها الفكر و التّمييز و النّظر في حقائق الأمور ، والقوّة التي بها يكون الغضب والنجدة والإقدام عن الأهوال والشّوق إلى التّسلط والتّرفع عن ضروب الكرامات ، والقوّة التي تكون بها الشّهوة وطلب الغذاء والشّوق إلى الملاذّ التي في المآكل والمشارب و المناكح وضروب اللّذات الحسيّة }} أنظر ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص/18/19 . ويتجلّى كمال التّربية في جعل القوّة النّاطقة / العاقلة تسيطر على قوّتي النّفس الأخريين ، فالنّفس تكمن قوّتها في قدرتها على إيصال الإنسان إلى المعقولات ممّا يُنجِحُ المسار التّربوي ، ويجعل هذا الإنسان مُتَرَبٍّ متخلّقٍ وسعيد وهو يحثّ الخطى بتأنّ و فهم للمراقي العرفانية ، ولكن ماهي نظريّة السّعادة ؟ يبيّن لنا ابن مسكويه أنّ هذا الإنسان كائن في باطنه {{ فضيلة روحانية يناسبُ بها الأرواح الطّيبة التي تسمّى الملائكة ، وفضيلة جسمانية يناسبُ بها الأنعام }} أنظرابن مسكويه : تهذيب الأخلاق ص/99 . فالسّعادة تتحقّق بترويض النّفس والسّلوك بها في مسار الفضيلة الرّوحانية ، وتطوير القوّة النّاطقة و الترقّي بها إلى عالم المعقولات ، ممّا ييسّر التّمتع بالنّظر إلى الخير المطلق فــ{{صاحبُ المرتبة الأخرى في السعادة هو السعيد التامّ ، وهو الذي توفّرَ حظّه من الحكمة فهو مقيم بروحانيته بين الملإالأعلى يستمد منهم لطائف الحكمة و يستنير بالنور الإلهي و يستزيد من شعائله ،، وهذه المرتبة التي من وصل إليها فقد وصل إلى آخر السعادات و أقصاها }} أنظر ابن مسكويه تهذيب الأخلاق ص/92 .

ولمّا كانت النّفس هي السبيل لتعريف الإنسان عند ابن مسكويه ، فإنّ الطّفولة موضوع التّربية لها خصوصياتها النّفسيّة ، ولمّا كان ذلك كذلك ماهي النّظرية التّربوية عند ابن مسكويه ؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ الطّفل يتميّو في طفولته بسيطرة القوى السفلى على القوى العاقلة في نفسه ، {{ ذلك أنّ الصبّي في ابتداء نشوءه يكون على الأكثر قبيح الأفعال أمّا كلّها و أمّا أكثره . فإنّه يكون كذوبا يخبرُ و يحكي ما لم يسمعه و لم يره . و يكون حسودا ، سروقا ، نمّاما ، لجوجا ذا فضول ، أضرّ شيء بنفسه وبكلّ أمر يلابسه }} . إلاّ أنّ ذلك لا ينفي أنّ نفس الطفل تحتوي بالقوّة نفسا عاقلة تنتظر مساعدة تربويّة لإعانته على إخراج هذه الاستعدادات الكامنة فيه بالقوّة إلى الفعل ، لتتجلّى صورته عاقلا متربٍّ بنفسه العاقلة . و ذلك هو دور التّربية والمربّي ، {{ فهذه النّفس {نفس الطّفل} مستعدّة للتّأديب ، صالحة للعناية لا يجب أن تُهملَ و لا تُترك ، ومخالطة الأضداد الذين يُفسدون بالمقارنة والمداخلة ، وإن كانت بهذه الحال من الاستعداد لقبول الفضيلة ، فإنَّ نفس الصّبي ساذجة لم تنتقش بصورة بعدُ ، و لا لها رأيٌ أو عزيمة تمليها من شيء إلى شيء آخر}} أنظر ابن مسكويه تهذيب الأخلاق ص/69 . فابن مسكويه يؤكّد على توفّر أسباب التّربية ، ونقصد أساسا توفّر الجانب الايجابي في نفس الطّفل ، وتهيئه التامّ لتقبّل مراحل التّربية والتأدّب ، من أجل الارتقاء بالطّفل إلى درجة سيطرة قوّة العقل على قوى النّفس الأخرى ، وبذلك تتأكّد العمليّة التّربوية وتصبحُ ضرورية للنّشء . ويذكر ابن مسكويه لنا جملة من الأعمال التّي يجب تعويد الطّفل وتربيته عليها ، فيشبّ على الخشونة وقمع الشهوات ، ممّا يجعله قادرًا بسهولة على تغليب القوّة العاقلة على قوى النّفس يقول :{{ كأن يُمنع من الشّرب والنّوم الكثير و الفراش الوطيء ، وجميع أنواع التّرف ، حتّى يصلب بدنه و يتعوّد الخشونة و لا يتعوّد الخيش و الأسراب في الصّيف و لا الأوبار والنّيران في الشّتاء للأسباب التي ذكرناها ويعوّد المشيء و الحركة والرّكوب و الرّياضة حتّى يتعوّد أضدادها }}. أنظر ابن مسكويه {{ تهذيب الأخلاق}} ص73 .

والحاصل أنّ الفكر التّربوي يأخذ من الفلسفة عند ابن مسكويه ، ممّا جعل نظريته التّربويّة نيّرة الأصول الفلسفيّة .

ومسار النّظرية التّربوية عنده هو مسار للنّفس وليس مسارا للطّفل ، لأنّ اهتمامه بالطّفل ليس للطّفل ولكن لأنّ الطّفولة هي مرحلة من مراحل نمّو النّفس ، ولها سماتها وتركيبتها المغايرة و الخاصّة بقوى النّفس .

بيد أنّ ثمّة تجانسا بين التّربية والفلسفة عند ابن مسكويه ، ويصعب فكّ هذا الارتباط بينهما لأنّه نسيج علائقيّ محكوم بالفلسفي و الدّيني . يجعلنا نشير إلى أنّ التّربية مهمّة و ضرورية في حياة الطّفل ليصل إلى الحكمة والسّعادة ، فالتّربية تدرّب الطّفل على التّفكير والقراءة . إلاّ أنّ نظريّة ابن مسكويه تسقط في الشمولية وتنأى بعيدا عن الطّفل إذا نزّلناها في وقتنا هذا ، فهي أعمال يُطلب من كلّ الأطفال القيام بها بلا مراعاة للفوارق بين طفل وطفل ، فكلّ طفل له خصائص فرديّة لابد من التّعرّف عليها ، حتّى يختار المربّي الطّريقة التّربوية الّتي تلائم طبعه المختلف عن غيره ، يقول روسو {{ من الضّروري أن تعرف الخصائص الفردية للطّفل حتّى تختار له الطّريقة التّربويّة التي تلائم طبعه . ذلك أنّ كلّ فكر يمتاز بتركيبة خاصّة يجب أن يُربَّى على ضوء خصائصها . ولكي نضمن للتربية أكبر حظوظ النّجاح ، لابدّ أن نُـعلّم الطّفل حسب طبعه . اتركه يسلك السّلوك الّذي يمليه بكلّ حرية ، و لا تتسلّط عليه بصفة أو بأخرى حتى ترى ما هي عليه نفسه }} . و يضيف : {{ كما أنّ للانسان مكانته في نظام الكون فإنّ للطفولة مكانتها في نظام الحياة الانسانية ، لذلك وجب احترام الانسانية في الإنسان و الطّفولة في الطّفل }} أنظر ترجمة نظمي لوقا { أميل أو تربية الطفل من المهد} نشر الشركة العربية للطباعة القاهرة 1958 . ويردفُ : {{ احترموا الطّفولة ولا تتعجّلوا بالحكم عليها سلبا أو إيجابا . اتركوا الخاصيات تبرزُ وتفرضُ نفسها قبل أن تتّخذوا طُرقا عمليّة }} . نفس المصدر .

فالمربّي في منظومة التّربية الجديدة ليس هو ذاك المربّي في منظومة التّربية القديمة ، فهو يضطلع بدور العالم النّفساني، الخبير بالمتعلّم عن طريق تحليل حاجياته و امكانياته و قدراته ، وذلك فسح المجال له ليتحرّك ويعبّر ويكشف عن عالمه الخاصّ ، فيصغي إليه مليًّا ، ويحلّل مواقفه وآراءه وردود أفعاله و سلوكه ، و بمهارة المربّي يستطيع أن يستكشف عالم كلّ طفل منفردا ، ويحدّد سماته ، و ساعتئذن يتعرّف عليه ويعرف عنه الكثير ويمدّه بالمعرفة التي تلائمه ، يقول روسو في هذا السيّاق :{{ ابدؤوا بمعرفة أطفالكم إذ أنّكم تجهلون عنهم الكثير }} . و المعرفة كذلك أصبحت وفق منظومة التربية الجديدة تدور حول الطّفل و تتلاءم مع خاصياته النفسيّة و طلباته في كلّ مرحلة من مراحل النّمو الذّهني ، فلا توجد ثقافة عالمية تصلح لكلّ المتعلمين ، بل إنّ المعرفة تساعد المربّي في إعانته للطفل ليطوّر ملكاته و تتبلور شخصيته ، وذلك في ضوء الحاجيات الفردية لكلّ متعلّم . يقول فيريار:{{ كلّ ما يأتي من الخارج ، كلّ ما يأتي سابقا لأوانه أو متأخرا أو خارجا عن اهتمامات الفكر النّامي للطّفل ، فهو شرّ }} . إلاّ أنّ ربول يؤكّد على السّلطة ركيزة التّربية التّقليديّة ، يقول :{{ لا يمكن أن نتصوّر تربية لا تعتمد على السّلطة . فكلّ عمل تربوي ينبني أساسا على السلطة التي يمارسها الكهل على الطّفل ، و العالم على الجاهل ، والمسؤول على غير المسؤول }} أنظر ربول ، كتابه ” فلسفة التربية ص 33 .

والحاصل أنّ النظرية التربوية لابن مسكويه لا تخلو من طرافة وأهميّة لأنّ صاحبها جمع فيها بين تأثّره بالفلسفة

لا تعليقات

اترك رد