كيف نتكيف مع الغد

 

أتذكر منذ بعض الوقت أنني كنت أقف خارج متجر لبيع الفيديو حيث شاهدت أمّاً مع ابنتيها التوأمين في الداخل. كانت المرأة تتحدث مع صاحب متجر الفيديو بينما كانت ابنتاها ، اللواتي يتجولن خلفها بلا هدف ، قد استدارتا لمشاهدة جهاز التلفزيون المعلق على الحائط. و الشاشة المسطحة تعرض مشهدا هوليوديا شائعا لرجلين يتقاتلان حتى الموت. أنا ، من الناحية العقلية ، استحضر إعادة عرض هذا المشهد نفسه ، ولكن هذه المرة في الحياة الحقيقية. لذلك لدينا أمٌّ تقارن بهدوء خياراتها حول أقراص الفيديو وخلفها رجلان ناضجان يتصارعان ويتلاكمان ويحطمان بعضهما البعض .

الآن لو كان هذا يحدث في الحياة الحقيقية ، يمكننا أن نتوقع بشكل واع إلى حد ما رد فعل الأم لتجد طفلتيها العزيزتين داخل بيت الرعب هذا حيث تقوم بنقلهما بيأس شديد إلى بر الآمان . ربما في وقت لاحق ، ستطلب منهن إعادة رواية ما حدث لتتأكد من أنهما لم يعانيان من شكل ما من ضغوط ما بعد الصدمة. لا يوجد أم على ظهر البسيطة تريد لطفلتيها البالغتين من العمر 9 سنوات أن يمرا بنفس التجربة الحياتية .

الستائر مغلقة ، أضواء مطفأة ، الكراسي القابلة للسحب أعيدت إلى صندوقها تقريبا ، وأنا غالبا ما أفكر بمليارات الناس الشاخصة عيونهم أمام أجهزة التلفزيون (أو في الآونة الأخيرة شاشات الكمبيوتر) في الليل. في حين أن البعض الآخر يهرع إلى بيوت المشاهدة العامة ، مثل السينما ، للحصول على أجرتهم من الجنس ، والقتل، والتشويه و ما شابه ذلك . ولكن، ما استوقفني كثيرا في ذلك هو: لو أن هذه الأحداث الدقيقة حدثت فعلا في الحياة الحقيقية هل سنسمع صوت هذه الحشود نفسها ترفع صوتها بكل أنواع الشكاوى قائلة ” المتلصص” ، ” خسيس “، و “عنيف”. ويحولون فجأة نظرتهم بعيدا عن مشاهد الجنس ، ويلهثون خلف مشاهد المجازر والقسوة ، و ويشدوّن قبضات أيديهم في سخط . ولكن عندما يكون المشهد على الشاشة، يصنف هؤلاء الأشخاص تجربة المشاهدة على أنها ” مفيدة “و ” مسلية ” أو حتى نوعا من ” الفن”.

ويبدو أن الإجماع العام هو أن الأحداث التي نشاهدها على الشاشة تختلف بطريقة ما عن تلك التي نشهدها في الحياة الحقيقية. بالنسبة للمبتدئين ، في الحياة الحقيقية يمكنك العمل على شيء تشاهده . إذا كان هناك محاولة لارتكاب خطأ خارج منزلك وعليك و ربما ينبغي ، أن تفعل شيئا حيال ذلك. عندما يقاتل رجلان بعضهما البعض حتى الموت في متجر للفيديو ، يكون من واجب الرعاية الخاص بك كوالد هو إبعاد أطفالك عن الأذى .

في عام 1919، كتب المحلل النفسي الدكتور فيكتور توسك عن أصل “آلة التأثير” في مرض الفصام ، حيث يصف تفاصيل تجربة عدد من مرضى الفصام. وكان مرضى الفصام لدى توسك مقتنعين بأن مشاكلهم سببتها ” آلة مؤثرة” أو “صندوق أسود صغير” ، كان قادرا على طبع صور مسطحة في أدمغتهم . ووفقا للمرضى ، فإن “آلة التأثير” هذه يمكن أن تنتج الأفكار والمشاعر وكذلك يمكن أن تزيل تلك الأفكار والمشاعر التي تولدت داخليا .

وكانت الصعوبة التي يواجهها مرضى الفصام هي الفصل بين المشاعر والأفكار والأحاسيس التي تم إنشاؤها شخصيا ، بدلا من تلك التي دخلت إليهم بواسطة ” الآلة” وبطبيعة الحال ، فإن “صندوقهم” من اختراع خيالهم ؛ ونجد أن 99 في المائة من الأسر اليوم معفاة من عبء هذا الإبداع.

الذكريات الشخصية هي منبع الإبداع والشخصية والفردية والسمات العامة للشخصية. ذكرياتنا وأفكارنا ومشاعرنا هي ما يجعلنا على ما نحن عليه . أتذكر بوضوح الأيام البطيئة الماطرة أيام دراستنا الابتدائية ،فقد كان الأطفال يتجمعون تحت ملاجئ من التنك عند سقوط المطر. وتنبعث الرائحة النفاذة من القفازات الصوفية الرطبة وآثار اختمار الغداء لا يزال يعشعش في خلايا دماغي ، استذكر ذلك بسهولة – الذاكرة الشخصية لطفولتي تربطني بالشخص الذي أصبحت عليه اليوم. هذه الأيام ، في الأيام الممطرة ، يضع المعلمون الكسولون الأطفال في مواجهة الصناديق المسطحة لمشاهدة فيلم فيديو لحين توقف المطر . وبدلا من التفكير في المطر، يحدق الأطفال في الصور على الشاشة ، التنين ينفث النار والبطريق يرقص . يتسلى الأطفال ؛ لا يحاربون من أجل أي شيء ، بالكاد يتحركون، يقبعون في أماكنهم مثل الغيبوبة ، ويحصل المعلمون على لحظة من الراحة من ضغط اليوم و يحلقون ذقونهم . ولكن كيف يمكن أن يعرف الأطفال كيفية فصل أفكارهم عن الصور التي يطبعها الجهاز على أدمغتهم؟

شيء واحد مؤكد وهو : أننا نعلم أن البنية المادية لا يمكن أن تخبرنا الفرق بينهما. هل تريد خلق رياضية بطلة ؟ ثم تعليمها كيف تتصور الأشياء. وأن تساعدها لتؤدي عرضا رياضيا ناجحا، وأن تجتاز عملا روتينيا خطوة خطوة داخل دماغها ثم تشخص وتتخيل الأشياء بقدر ما تستطيع .

في مقال عام 1976 في مجلة علم النفس اليوم ، يصف الدكتور ريتشارد سوين الطريقة التي أعد بها المتزلجين عقليا للأولمبياد. حيث قال ” لقد أمرت المتزلجين بممارسة مهاراتهم الرياضية باستخدام الصور العقلية “، وكتب قائلا : ” يروي جان كود كيلي ، وهو متزلج حاصل على ثلاث ميداليات ذهبية ، أنه استعد لسباق تزلج واحد وكان التدرب على التزلج عقليا. كان في فترة نقاهة يتعافى من إصابة في ذلك الوقت ولم يتمكن من ممارسة التزلج على المنحدرات ويتابع كيلي قائلا : لقد اتضح أن هذا السباق حقق أفضل النتائج “.

يتابع سوين “خلال تجربة واحدة سجلت ردود الاستجابات الكهربائية من المتسابق المتزلج على جبال الألب وهو يسترجع الصور من سباق على منحدر لحظة بلحظة ظهرت تقلصات على العضلات أثناء قفز المتزلج وقد أظهرت تسجيلات ردود الاستجابة تصورا كاملا للمضمار نفسه “.

وتبين البحوث أن الصور التي تحدث في العقل تنتج الاستجابات الفسيولوجية. وبعبارة أخرى ، يستجيب جهازنا العصبي للصور التي نحملها في رؤوسنا.

حتى أواخر 1920 ، كانت معظم الصور في رؤوسنا من ابتكارنا وتخيلنا . في الواقع ، تنقلنا الكتب في الخيال إلى عصور وأماكن مختلفة – ولكن الصورة التي نستحضرها من القراءة ونحتفظ بها في الدماغ من قراءة النص يتم امتلاكها والسيطرة عليها من قبلنا . نحن مخرجو ” الفيلم ” في عقولنا على الرغم من أننا قد لا نكون الرواة .

في ثلاثينيات القرن العشرين ظهرت الصور الملونة على الساحة ، ولكن الجودة كانت سيئة ولم تكن التكنولوجيا متاحة على نطاق واسع . بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك تحول . تم إغلاق الأبواب على منتجات الصور الجبارة في المنازل ، وبدأ التصنيع ، الثانية تلو الثانية ، وتم إنتاج مجموعة واسعة من الصور، بشكل متكرر وواضح ، و مغر لجمهورها المتعطش لها . وبفضل التليفزيون ، بدأ الناس في حمل الصور التي تنتجها الآلات ، فضلا عن الصور المنتجة داخليا في رؤوسهم . وكما نعلم جميعا ، متى ارتسمت الصورة داخل العقل ، تبدأ الصور الاصطناعية – تماما مثل تلك الصور الحقيقية التي نعيشها في حياتنا – في النشوء والتكون لأهداف خاصة بها . أيمكنك مسح صورة شخص مشهور أو قارئ الأخبار ليلا ، أو الشخصية الرئيسية من فيلم شاهدته مؤخرا من عقلك ؟

وبطبيعة الحال ، فإن الأم في متجر بيع الفيديو هذا قد لا تكون قد اهتمت بما شاهدته ابنتاها . في الواقع ، ربما فكرت أن طفلتيها ستشاهدان الكثير من هذا النوع وربما أسوأ بكثير. وباعتبارهما شابتين بالغتين ، ستشاهد ابنتاها على هذا “الصندوق ” الكثير من الحروب المتعددة والكوارث الطبيعية وتعطل السيارات وتحطم الطائرات والهجمات الإرهابية وأعمال الاغتصاب والاختطاف والاعتداء وسوء المعاملة. ومع مرور الوقت ، يبدأ التخدير بالاستيطان في عقلها ، ويتراكم على ذهنها مثل الغبار . أما الأشخاص الحساسون و المرهفون سيعانون من مشاكل أسوأ من ذلك مثل : صعوبات التركيز و فرط اليقظة والتهيج والكوابيس والتذكر بطريقة الخطف خلفا – والجميع ، إلى حد ما ، سيواجهون فقدان الاهتمام في اللحظات الصغيرة والخاصة في الحياة.

إذا عدنا إلى عام 1978، فقد كتب جيري ماندر كتابا جدليا بعنوان ” أربع حجج للقضاء على التلفزيون” يقول ماندر: “عندما تشاهد التلفزيون ، فأنت تعاني من الصور الذهنية … هذه الصور الذهنية لا تخصك . إنها تخص شخصا آخر. ونظرا لأن ما تبقى لديك من قدراتك قد خَفُتَ ، وحيث أن ما تبقى من العالم خافت ، لذلك من المرجح أن يكون لهذه الصور درجة غير عادية في التأثير عليك . هل لي أن أخبرك ما هو غسيل الدماغ أو التنويم المغناطيسي أو التنصت على العقل أو أي شيء من هذا القبيل؟ حسنا ، ليس هناك أدنى شك في أن أحدا يتحدث إلى عقلك ويريد منك أن تفعل شيئا ما وهو :

أولا- استمر في المشاهدة. ثانيا- حمّل الصور المعروضة في ذهنك . ثالثا- اشتر شيئا ما . رابعا- تكيف مع الغد

ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

مراجعة سوسن علي عبود

العنوان الأصلي للمقال مع المصدر:

The tune of Tomorrow , New Philosopher , 2017

لا تعليقات

اترك رد