انفصال كردستان العراق : الخرائط وبرنارد ليڤي والأخطاء ؟!!


 

لا اعرف لم شاعت مؤخراً وعلى نطاق واسع قضيتان ؟ ؛ الاولى هي خرائط تقسيم مفترضة لدول المنطقة وحملت على تباين مضمونها تسمية موحدة ، خرائط مابعد ” نظام سايكس – بيكو ” ، والثانية هي صور برنارد ليفي وهو يشارك في فعاليات استفتاء أقليم كردستان مع تعليقات حافلة حول فعالياته الماضية مثل عرَّاب الربيع العربي وأمثالها بما يوحي بان هذا الرجل هو صانع ومبرمج احداث المنطقة .

الخرائط المنشورة ليست فبركات ولكنها ايضاً ليست من صناعة دوائر القرار في دول كبرى مثل الولايات المتحدة ، وهي ليست كذلك ترجمة لسياسات معلنة ، كما انها ليست جديدة ؛ هذه صور تتداولها اوساط إعلامية غربية وامريكية واسرائيلية منذ التسعينات ولعل أشهرها خارطة الصحفي جيفيري غولدبيرغ محرر مجلة أتلانتيك ذات التوجهات الصهيونية المفرطة وخارطة برنارد لويس التي نشرها لاول مرة في مقالة شهيرة له على صفحات مجلة فورين افيرز تحت عنوان ” Rthinking the Middle East ” في التسعينات من القرن الماضي بعد انتهاء أزمة الكويت . هنالك خارطة نشرتها صحيفة نيويورك تايمس عام ٢٠١٤ وهي خارطة معدلة عن خارطة برنارد لويس ويتم تداولها حالياً . مايهم في هذا الانر هو ان قضية تقسيم دول المنطقة هي موضع بحث في دوائر التفكير ولم تترجم بعد الى سياسة في اي دولة كبرى باستثناء اسرائيل التي تبنت ستراتيجية ” Periphery ” منذ مطلع الخمسينات وهي تحوي بندين أساسيين : التحالف مع دول النطاق المحيطة بدول المواجهة العربية وقد تعذر المضي في هذا البند في عموم المنطقة بعد ان توجهت ايران وتركيا في مسارات اخرى منصرفة عن التحالف مع اسرائيل ، وبقي هذا التحالف قائماً مع اثيوبيا التي قامت ، ومازالت ، بالضغط على مصر وإشغالها بأشكال شتى بغض النظر عن نظامها السياسي او الاتفاقيات التي ارتبطت بها مع اسرائيل . اما البند الثاني فهو يقضي بالتحالف مع الأقليات والعمل على تغليبها ودفعها للتمرد او الانفصال وتقديم كل أشكال المساعدة لها . هنالك بشأن ذلك تفاصيل منشورة بشكل وثائق وتقارير تحليلية حررها كتاب ودبلوماسيون ورجال مخابرات اسرائيليون سابقون . كذلك تعمل اسرائيل من خلال وسائلها في الساحة الدولية والأمريكية بشكل خاص لتعميم مفهوم ” تعزيز الامن والاستقرار في الشرق الاوسط من خلال اعادة صياغة دولها التي تشكلت بموجب نظام سايكس – بيكو ” واصبح شعار نهاية عصر سايكس بيكو سائداً كالعقيدة في الاوساط السياسية والإعلامية والاكاديمية الغربية والأمريكية دون تدقيق ، لان التدقيق سيظهر ان كل هذه المقولات التي تتسم بعمومية التوصيف على كامل دول المنطقة هي عبارة عن تزييف مبرمج ومُعمم للحقائق التاريخية ، واولها انه لايوجد شيء اسمه ” نظام سايكس – بيكو ” ، وان هذه الاتفاقية لم تصنع دولاً ولم ترسم خرائط اوطان اقتضتها مصالح كولونيالية كما هو الزعم الرائج . ان بعض دول شرق المتوسط Levant التي أقيمت بموجب اتفاقيات الصلح هي دول لها شخصيات ذاتية محلية لها عمق تاريخي معقول ومعالم اجتماعية وثقافية ، بما فيها فنون الغناء والرقص والطعام ، واضحة عند إنشائها ؛ الدليل المباشر هي انتفاضات وثورات الاستقلال الوطني التي شهدتها مناطق المدن والارياف على حد سواء فيها ، مما يعني تجذر نوع من الشعور العام بالانتماء للأرض ورفض الاحتلال . وفي حالات حصرية في اقليم شرق المتوسط تم اقتطاع وتنحيت لبنان وشرق الاْردن ، وفيما بعد اسرائيل ، لاعتبارات تتعلق بمصالح الدول الكبرى خلافاً لحالة سوريا والعراق وتركيا الحديثة وهي دول عريقة من ناحية تفردها الجغرافي وثقافتها المحلية ونظامها الاداري – الضريبي التاريخي ؛ وان كونها تضم اقليات اثنية – عرقية ودينية متنوعة الى جانب الأغلبية العربية ليس بَدعاً في نظام الدولة القومية الحديثة الذي يسود العالم بل هو النمط السائد عالمياً بشكل مطلق تقريباً .

اذن نحن امام طرف إقليمي واحد يتبنى رسمياً قضية الانفصال وهي اسرائيل في إطار ستراتيجية لانهاء عزلتها ، الشعبية خاصة ، في المنطقة ؛ اما الدول الكبرى فلازال موقفها هو تأييد وحدة وسلامة دول المنطقة ؛ لعلها تخفي اجندات اخرى ، ولكنها تدرك حجم الجهد والتكاليف التي ستنجم عن فرض خارطة جديدة ، وهذا امر اخر .

ليس غريبا ان تظهر هذه الخرائط وهذه الروايات التاريخية المصنّعة في العقود الثلاث الاخيرة حيث تزامنت مع ما بدأ ينوب المنطقة من أزمات وخاصة الاحتلالات والحروب الأهلية واعادة فتح ملفات شرعية أنظمة الحكم القائمة وماينجم عن ذلك من ثورات وثورات مضادة ؛ لقد إختلط الحابل بالنابل حتى لم يعد ممكناً التمييز بين الثورة وضدها . كانت هذه فرصة من لديهم مشاريع في المنطقة لاصطناع تاريخ مزور ورسم خرائط مفترضة والترويج لاعادة توزيع جغرافيا دول قائمة وانهاء مايسمى بنظام سايكس بيكو المزعوم على اساس فشل تجربة الدولة الوطنية . لقد اختفى اسم سايكس – بيكو من التداول منذ عشرينيات القرن الماضي بعد ان تمت تنحية الاتفاق الذي يحمل هذا الاسم جراء انسحاب احد أطرافه منه ، وهي روسيا القيصرية جراء قيام نظام الثورة البلشفية فيها من جهة ، وجراء دخول الولايات المتحدة الحرب الى جانب الحلفاء عام ١٩١٧ وفرضها مبادئ الرئيس وودرو ولسن التي تم تجسيدها بموجب اتفاقيات الصلح التي اعقبت الحرب وتداعياتها ، واهمها سقوط ثلاث إمبراطوريات كبرى هي الامبراطورية العثمانية والإمبراطورية الروسية وإمبراطورية النمساوالمجر وولادة عشرات الدول – القومية الجديدة قامت معظمها وفق معيارين أساسيين : توازنات القوى المحلية والدولية والهويات ” الاثنو – ثقافية ” المميزة التي منحت اقاليم هذه الدول شخصياتها المميزة . فرض العامل الثاني الصورة الجغرافية العامة فيما فرض العامل الاول شكل الحدود النهائية لهذه الدول والتي ظلت عرضة للاهتزازات حتى مطلع سبعينات القرن العشرين حين قرر مؤتمر الامن والتعاون الاوروپي إغلاق ملفات المطالبات الاقليمية في اوروپا بشكل نهائي ، لكن النمط المشترك العام بين جميع هذه الدول هو التنوع العرقي والديني مع وجود أغلبيات عرقية تاريخية في معظمها تكون لغتها هي لغة الحياة العامة المشتركة والتعليم .

لقد تم اجراء مسح احصائي واتضح ان مصطلح سايكس – بيكو لم يعد يستخدم منذ عشرينيات القرن العشرين ولم يعد الى التداول الا في العقدين الاخيرين وللأغراض التي اشرت أليها ومن قبل دوائر محددة ترتبط جميعها بمشاريع اسرائيل وتوسعها على حساب دول الإقليم .

من المؤسف ان تقع القيادات الكردية في مصيدة الاوهام وضحية مشورات خاطئة تحركها اجندات سبق لاصحابها ان ورطوا الاكراد . لكن خطأ الحسابات هذه المرة قد تكون أثمانه رجعية الأثر ولاتتوقف عند عدم تحقيق بقية الاماني بل قد تتعداها لتطال ماتحقق منها فعلاً .

اما قضية ليڤي فهي قضية سادها التباس كبير . لقد عرضت صور الرجل وكانه صانع أقدار المنطقة ، ومنها صور له مع الاكراد في ميدان القتال ضد تنظيم الدولة واُخرى مع مقاتلي الجش العراقي ومع الفريق الساعدي ؛ ولكن الصور التي لم يتم التركيز عليها تظهر شخصيات وحضور دولي ومنه امريكي بشكل خاص ضم من يمكن ان أسميهم هيئة أركان انفصال كردستان من أمثال غولبريث وديڤيد بولوك الامريكيين وكوشنير وزير الخارجة الفرنسي الاسبق والشخصية الاشتراكية البارزة . هؤلاء واخرين ظهروا في الصور هم بمثابة هيئة استشارية فضلا. عن كونهم عاملين وناشطين في عدد من مراكز التفكير المؤثرة وفي إطار اللوبيات الصهيونية في الغرب والولايات المتحدة بكل خاص .

نحن اذن امام موجة من الترويج والتبرير وصناعة قصة تاريخية لا اساس لها تقوم بها مؤسسات تفكير ولوبيات وشخصيات عامة سابقة تحركهم جميعاً قضيتان : العقيدة الصهيونية التي يؤمنون بها وأغلبهم من اليهود ، والمال ؛ وهنالك ما يؤكد ان الكثير من المال الموظف في هذه القضية مال قادم من الخليج وعبر مؤسسات اصبحت معروفة ومعلنة ، خاصة بعد فضائح الرشوات التي تقدم للشخصيات السياسية العامة والأكاديمية والإعلامية ومراكز الأبحاث ، وأظهرتها تداعيات أزمة الخليج .

ظهور ليڤي المتكرر وهو يحشر نفسه في كل حدث منتحلاً صفات عديدة ، مراسلاً صحفياً تارةً وثورياً عالمياً محترفاً تارة اخرى ؛ الواقع ان كل فعالياته تقع في خضم احداث الاضطراب التي تفقد خلالها الموازين المعتادة فيتسلل الرجل من خلالها لبذر الشكوك وعدم اليقين .

لكن ذلك كله لم يشكل العامل الحاسم في إيصال قضية الاستفتاء في كردستان لتكون واقعاً ثم تتحول الى مشكلة آمن خطيرة تتهدد دول المنطقة لولا الأخطاء والالتباس الذي وقعت فيها مختلف الاطراف المعنية والمؤثرة في الموضوع .

في تقديري المتواضع ان الاستفتاء كان سيقع في يوم من الأيام ، وهو قد وقع سابقاً عام ٢٠٠٥ بادرت به منظمات مجتمع مدني في حينها ، وكان التصويت فيه لصالح الانفصال اكبر من الاستفتاء الحالي . المهم في تقديري فهم الذي جرى وماهي الأخطاء التي قادت ليكون الاستفتاء اصلاً . هذه الأخطاء ارتكبتها جميع الاطراف الدولية والمحلية المعنية .

من اهم الأخطاء التي ارتكبتها القيادة الكردية ، وتحديداً القيادة البارزانية هي الزعم بان نتائج الاستفتاء هي ذات طبيعة استرشادية وليست ملزمة قانونياً وهذا خطأ له اكثر من وجه . نعرف بداهة ان الشعب هو مصدر الحقوق في المجتمعات الحديثة فكيف لايكون رأيه بالانفصال ملزماً حتى لو قيل غير ذلك ؟! ان الاستفتاء قد نقل القضية من الناحية العملية اصلاً من دائرة الحقوق الى دائرة السياسة وان اي قيادة كردية ستجد نفسها مكبلة سياسياً واخلاقيات بنتائجه ، كما انه رساله تحذير وإنذار للطرف الاخر وهو حكومة بغداد بما يدفعها للمباشرة باجراءات وقائية لأداء واجبها الاول المتمثل بالمحافظة على وحدة وسلامة أراضي البلاد وفق الدستور : عملياً وضعت القيادة البرزانية نفسها وشعبها والعراق امام تحد وازمة ربما لن تكون قادرة على التحكم بمآلاتها ونتائجها . بعث الاستفتاء ايضاً برسائل إنذار وتحذير لحكومات القوى المحلية مثل تركيا وايران مما دفعها للتحرك وفرض اجراءات وقائية بسبب وجود اقليات كردية لديها ، رغم انها ليست على ذات الدرجة من نضج الفكرة والاستعداد الذي توفر لاكراد العراق . هذه الأقليات اما انها ليست في وضع الجهوزية وهو حال اكراد ايران حالياً ، او انها اتجهت لخيار الاندماج الوطني مثل حالة تركيا بسبب نجاحات الدولة على مستويات عدة . ستجد هذه الأقليات نفسها امام تحديات ليست من اختيارها سواء من حيث الموضوع او التوقيت وقد تقع بعض قياداتها في سوء تقدير يكون على حساب تقدمها نحو بلورة هوية قومية واضحة او تقدمها باتجاه الاندماج الوطني في بلادها .

هنالك مايشبه الاجماع بين المراقبين على ان السيد مسعود البرزاني اساء بشكل واضح قراءة الموقف الدولي المتحمس للاشادة بدور الاكراد في محاربة تنظيم الدولة وربما اوحى له هذا الحماس بان التوجه نحو الانفصال سيحظى بالتأييد الدولي ، لكن الامر لم يكن كذلك ، كما لاينبغي المبالغة في الدور الكردي في الحرب على تنظيم الدولة التي تحملت القوات العراقية العبء الأكبر فيه وقدمت عشرات الالاف من الضحايا ، وهذه حقيقة تفهمها الدول الكبرى المعنية ولاتفيد توجهات الاعلام الدولي في اخراجها بشكل مختلف . تبقى الدول القائمة القوية هي الضمانة الأفضل لمواجهة موجات الاٍرهاب والتطرف وليس الكيانات الصغيرة الناشئة التي قد تكون عرضة للحصار والمقاطعة بما يجعلها كيانات هشة وربما فاشلة وتصبح اهداف مثالية للارهاب ، علماً ان هنالك فصائل سلفية ناشطة وربما تكون كامنة بانتظار الفرصة المناسبة .

اساءت القيادة البرزانية حساباتها بشأن الموقف الداخلي للأكراد انفسهم . لقد عارضت حركة التغيير ” غوران ” ومجموعة كردستان الاسلامية ” كومال ” الاستفتاء رغم انها غيرت موقفها وشاركت في اللحظة الاخيرة . لقد انعكس ذلك بشكل مباشر على نسبة المشاركة في السليمانية . هنالك انقسامات واضحة بشأن الموقف داخل حزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني حيث اعلنت واحدة من اهم قياداته وهي السيدة هيرو ابراهيم عقيلة المرحوم الطالباني معارضتها لموقف السيد مسعود البرزاني مما يعني ان إجماعاً شاملاً بشان الاستفتاء لم يكن متوفراً .

مقابل هذا التقدير الخاطئ للموقف من قبل القيادة الكردية فقد وقعت بغداد في اخطاء كثيرة ايضاً .

الخطأ الأكبر كان في إقرار مبدأ الحقوق القومية والحكم الذاتي للأكراد العراقيين في وقت مبكّر نسبياً وإفراغه في ذات الوقت من محتواه على الارض . لقد ظلت حكومة بغداد تتحكم في تشكيل هيئات الإقليم وسياساته ، اي انها وضعت في فم الاكراد لقمة منعتهم من مضغها او بلعها . هذا الموقف العام عزز موقف القيادات القديمة وخاصة القيادة البرزانية رغم طابعها العشائري الأوتوقراطي .

بعد الاحتلال واقرار الدستور سادت الروح السنيكالية الانتهازية في اداء الحكومات المتعاقبة وقبلت المساومة على قضايا مبدئية وتم تاجيل ألَّبت في القضايا الاساسية ومنها قضية المناطق المتنازع عليها لصالح صفقات سياسية تضمن لبعض أطراف العملية السياسية الاستمرار في السلطة مقابل منافع ، وخاصة مالية ، تمنح لقيادة البرزاني على وجه التحديد . ان اتفاق أربيل بين المالكي والبرزاني الذي جددت بموجبه الولاية الثانية للمالكي خير دليل على ذلك ؛ ان كان هنالك مايبرر للبرزاني هذا السلوك فانه مامن شيء يمكنه تبرير موقف رئيس الحكومة الاتحادية الذي يفترض به ان يكون مسؤولاً مسؤولية مبدئية عن مصير وطن باكمله بعيداً عن المساومات الرخيصة حول قضايا وطنية مصيرية .

سوء التقدير لم يكن بعيداً عن حكومة العبادي هي الاخرى . لقد ساد التذبذب موقف الحكومة الحالية ، فهي تارة تتحدث عن خيارات قوة على لسان العبادي او أطراف مليشياوية محسوبة على التيار العام لسلطة الحكم ، ثم يعود العبادي للتحدث عن خيارات دستورية . ان عدم مركزية القرار في بغداد وتوزع مراكز القوى وعدم وجود رؤية واضحة فضلاً عن الثقة المفرطة ببعض المواقف الدولية والإقليمية قد بعث برسائل واضحة وشجع خيارات التوجه نحو الاستفتاء ، خصوصاً وان القيادة البرزانية تتلقى تطمينات مساندة لموقفها من ذات الاطراف او من قيادت اللوبيات .

المطلوب حالياً هو التوجه فوراً الى خيار محدد من خلال فرض سلطة الاتحاد على المناطق المتنازع عليها بالتفاهم او بالقوة ان تعذر التفاهم وإفهام القيادة الكردية بشكل لالبس فيه ان هذا خط احمر قولاً وفعلاً ، وما عدا ذلك فانه قابل للتفاوض بما في ذلك الانفصال وفق شروط متفق عليها وليست مفروضة من جانب واحد . يجب ان يتم ذلك بلغة منتقاة بعناية بعيداً عن لهجة التهديد والمواجهة وبعيدة بذات القدر عن روح المساومة ، وينبغي ان تصدر عن جهة مسؤولة واحدة . لغة مسؤولة واضحة وتقرن القول بالفعل خاصة وانها تتم مع طرف سيظل اما مواطناً او جاراً ابدياً .

الطرف الاخر الذي شارك في مسلسل الأخطاء هي الولايات المتحدة الامريكية . ان موقف القيادة البرزانية بشأن الانفصال موقف معروف بشكل جيد من قبل الامريكيين وقد عبر عنه البرزاني باستمرار منذ ٢٠١٤ لكن الاستفتاء بشأنه قد تأجّل بسبب ظهور تنظيم الدولة الذي فقد حالياً معظم الاراضي التي استحوذ عليها ، ولم يعد يشكل خطراً كبيراً ، لذافقد كان واضحاً ان البرزاني سيعاود العمل لتحقيق هدفه . لقد مضت ثلاث سنوات على اعلان نوايا الانفصال ولم تتحرك الولايات المتحدة او تبدي رأياً واضحاً برفضه او قبوله ، كما لم تقم ببذل اي جهد واضح لمحاولة رأب الصدع بين بغداد واربيل رغم نفوذها الحاسم لدى الطرفين . لقد جاء الموقف الامريكي الرافض للاستفتاء متأخراً لذا لم تفلح جهوداللحظة الاخيرة في الحيلولة دون تطور الموقف نحو الأسوأ رغم التهديدات المبطنة الموجهة للأكراد بقطع المساعدات الامريكية . يبدو ان الاكراد قد أدمنوا على قضية افتراق الاقوال عن الأفعال من الجانب الامريكي بشأن القضايا التي تكون فيها اسرائيل او الشركات الامريكية طرفاً بشكل من الأشكال . لقد سبق ان أصدرت الادارة تعليمات تقضي بمنع شركات النفط الامريكية من الدخول في تعاقدات مباشرة مع اقليم كردستان او تنفيذ المشاريع النفطية دون موافقة بغداد ؛ هذا القرار الذي صدر ايام ادارة اوباما تحداه ريكس تيلرسون رئيس شركة إكسون موبايل في حينها ووزير خارجية الولايات المتحدة حالياً !! لمَ يُراد للقيادة الكردية ان تأخذ الموقف الامريكي موقف الجد هذه المرة وقد احتشد في كردستان ، تأييداً ومشاركةً في عملية الاستفتاء ، فريق كبير من قادة اللوبيات والناشطين في مراكز التفكير المؤثرة من اليهود الامريكيين وقد كان بوسع الخارجية الامريكية منعهم بقوة القانون الذي يمنع المواطن الامريكي من المشاركة في اي نشاط خارجي يسبب ضرراً للبلاد ؟! من الواضح ان السلطات الامريكية لم تنظر الى الموضوع من هذا الباب ، وهذا بحد ذاته يمثّل رسالة تشجيع للأكراد . أن موقفاً امريكياً حاسماً قد يخدم كل الاطراف ويمنع صداماً محتملاً من خلال ضغط حقيقي على بغداد واربيل للعودة الى الوضع القائم في المنطقة المعنية يوم وقوع الاحتلال في نيسان عام ٢٠٠٣ وإناطة انهاء القضايا المعلقة بهيئة قضائية دولية مثل محكمة العدل الدولية على غرار ماتم في قضية ” ابيي ” بين جمهوريتي السودان وجنوبه او من خلال التفاوض المباشر بروح الحسم والحل وليس على غرار المنهج الذي سبق وأدى لكل هذه التعقيدات .

حسب تقديري ان الولايات المتحدة لم تعد كما في السابق تمتلك رفاهية تعدد الخيارات او تأجيج المشاكل والحروب ثم تعزيز النفوذ من خلال التدخل الى جانب احد الاطراف . هذه سياسات لم تعد الولايات المتحدة تمتلك تكاليفها المادية او البشرية مما يستدعي تدخلاً واضحاً لمنع تدهور الموقف الى ما هو أسوأ تضطر معه الولايات المتحدة لابعاد نفسها عن الموقف برمته وهذا هو الأرجح وسيكون وبالاً على الاكراد .. اللهم الاّ اذا كانت الضغوط الصهيونية هي عامل الحسم النهائي ، رغم ان المراقبين يرجحون افتراقاً واضحاً بين مواقف اسرائيل والولايات المتحدة بشأن هذا الموضوع في المرحلة الراهنة !!.

لقد شاركت كل من ايران وتركيا بقدر من الأخطاء لايستهان به لايصال الموقف الى ماهو عليه ،،

ان موقف التشدد المفاجئ الذي اتخذته الدولتان كان عامل ضغط دفع القيادة الكردية للتصلب في موقفها . لقد كانت تركيا وعلى مدى سنوات طويلة شريكاً اقتصادياً رئيسياً لاربيل الى الحد الذي زاد من استقلال اقليم كردستان اقتصاديا عن بغداد ، كما سهلت تركيا تصدير النفط والغاز من الإقليم وهو امر اوحى لقيادة أربيل بان حجم المصالح النفطية والتجارية الناشئة بين الطرفين ستكون عاملاً مؤثراً في تحجيم ردود الفعل التركية ازاء خطوة الاستفتاء . لم تمضي بعد سنتان على تصريح شهير لأردوغان يقول فيه ان قضية استقلال اكراد العراق شأن عراقي داخلي ، لكنه اليوم يبدأ مقاطعة اقتصادية وتقوم قواته بمناورات عسكرية مشتركة مع قوات عراقية اضافة الى ايقاف الرحلات الجوية والتهديد بالمزيد . هذا التذبذب ثم التصعيد المفاجئ وضع قيادة كردستان في مكان حتمي واحد وهو الزاوية ، الامر الذي يدفعهم للتصلب وربما الى خيارات تبتعد عن حسابات المنطق .

اما ايران فقد لعبت ذات الدور تقريباً مع السليمانية وشهدت السنوات الاخيرة تنامٍ سريع للعلاقات الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية مع الاتحاد الوطني ومناطق نفوذه . يختلف حجم نفوذ ايران على الاتحاد الوطني عن حجم النفوذ التركي على قيادة البرزاني ؛ موقف ايران ونفوذها أقوى من الموقف التركي ، وقد بدا ذلك واضحاً في معارضة أطراف من داخل حزب الاتحاد الوطني لخطوة الاستفتاء ، لكن ذلك لا يلغي الصورة العامة التي تكونت لدى جمهور الإقليم بان لدى ايران وتركيا من المصالح مع الإقليم اكثر مما لهما مع بغداد . لقد شكل هذا الموقف الملتبس موقفاً ملتبساً اخر في الإقليم تجاه الإجراءات الايرانية الاخيرة مثل المقاطعة والمناورات العسكرية وهو ما يشكل عامل ضعف في موقف ايران وقد يدفع سلطات الإقليم الى حسابات خاطئة تبدو ملامحها واضحة في تعليقات السياسيين الاكراد الذين لم يأخذوا على محمل الجد مواقف ايران وتركيا الاخيرة وأعربوا عن اعتقادهم بانها مواقف ناجمة عن الصدمة وسوف تتجه الى القبول بالأمر الواقع .

اذن هنالك سيل من المعلومات التاريخية المضللة وسوء التقدير للمواقف الحالية والأخطاء في هذه المواقف قادت الى وقوع هذا الاستفتاء ، ويبدو ان القراءات الخاطئة للمواقف وخطأ المواقف ذاتها ترسم صورة قاتمة لاتساعد على رؤية واضحة لحل معقول يجنب الاطراف خسائر لاتتحملها الاوضاع الراهنة التي يمر بها الجميع .. في النهاية فان الجميع خاسرون في قضية لم تعد من سمات العصر او من قضاياه

لا تعليقات

اترك رد