مطبات الخريف موسم ورق .. أم موسم نسيان ؟


 

يطيب لي أن أغني وأنا أسقي الورود والأزهار في فصل الخريف وأشذب الأشجار وأرمم سياج الحديقة وأصبغ الكتل الكونكريتية التي تشكله بألوان زاهية .. ويعجبني أكثر التلاعب بالألوان ومزجها فيغدو السياج قطعة من الحديقة .. تدهشك نظرته فتسترق العين والنفس له ..
ورد القرنفل والجوري والكاردينيا يشاكس القلب بعطره فتطيب لهم الأنفاس ، فيلتبس علي الأمر والتوقيتات وأبات لا أفرق بين خريف وربيع وأنا أتجول في حديقتي الغناء .. ما أن أفيق من عبثي ولهوي بين الأزهار حتى أدرك اني على أعتاب شهر تشرين الأول فتتقد الذاكرة التي سرحت منتشية بأقحوان الورد والالوان .. فأستجمع ذاكرتي المستفزة المتطفلة على النسيان وأتذكر بأن الأولاد قد استقلوا السيارة وقد جهزوا أنفسهم مبكرا لتبدأ رحلة العدة لموسم دراسي جديد ….
عندما تحرص أن ترى ابناءك بأجمل اناقة ووسامة وهم ذاهبون الى مدارسهم وجامعاتهم يحملون حقائبهم المليئة بالقرطاسيةوالاقلام الملونة والكتب الجديدة .. هذا يعني انك أنفقت ذخيرتك من النقود وأعلنت افلاسك وأنت تستقبل موسم الخريف .. شتان بين نشوتك وأنت تجهز الابناء وتهيئهم للمدارس بكافة مستلزماتهم التي يحتاجونها عند بدء الموسم الدراسي الجديد.. وبين خريف يدق الأبواب لينذرك أن تستنهض هممك لتستقبل شتاء قارصا فيلزمك أن تستحضر قواك ومدخراتك كي تقي برده ومطره ..
ويظل الآباء والأمهات حيارى بين بسمة أولادهم وأجراس الخريف وانذاراته المتكررة حيث اصفرار أوراق الاشجار وهجمة غير مبررة لحشود البق والديدان والدبابير دفعة واحدة .. يأتون اليك أفواجا وكأنهم لاجئين فروا من حرب شرسة الى دارك الأمان ليحتموا في بيتك فما عليك الا أن تبسط يدك اليهم مرحبا بهم .. قبل أن تحسم أمرك وتعد العدة لتتبضع بقناني السموم وتبدأ رحلة مكافحة الحشرات والديدان .
ليس بيدك أوراقا كثيرة لتساوم الخريف فقد تستنزف قوتك وقواك وذخائرك ولم يعطك فرصة لتستنهض هممك ، فيمر عليك بقصر أيامه وحلو نسائمه وصفاء الأجواء واستكانة الريح حتى يهطل عليك الشتاء بأمطاره وغسيله وسيوله وبرده الجاف ، فترتبك وتفقد صوابك وأنت حائر كيف تخزن الوقود للوقاية من برده وكسوة البلاط بالسجاد لتتجنب رطوبته … وتبقى تدور كدرويش وتمدّ يديك للسماء أن تعينك لشراء الأغطية والملابس السميكة وتتضرع مبتهلا أن لا يخرّ عليك سقف البيت أو يغرق من سيول الامطار .. وأن يجنب أولادك من أمراض الأنفلونزا والنكاف و الحمى .
هكذا هي الفصول تأتيك بغتة وأنت بلا خيارات فتتداخل لديك الأولويات لديك وتتحول الأحلام الوردية الى كوابيس لا تنتهي .. حتى تنال الفرح وأنت تسعى أن ينهي أولادك دراستهم ويصبحون كبارا مؤهلين أن يتعلموا مفردات الخريف ، وتكون قد أعوج ظهرك وتكلست ركب رجليك وفقدت بصرك .

شارك
المقال السابقالتشكيل والاتجاهات الصورية
المقال التالىحوار قصصي مع المبدعة القاصة سليمة مليزي
رياض الدليمي - العراق - كاتب واعلامي - ماجستير تربية - دكتوراء فخرية- مدرس - الاصدارات- مجموعة شعرية بعنوان تسلقي عروش الياسمين- مجموعة قصصية بعنوان - غبار العزلة- مجموعة شعرية مشتركة بعنوان - غوايات - مجموعة قصصية مشتركة بعنوان - انطلوجيا القصة- كتاب اقتصادي- رئيس سابق لمجلة الان الثقافية- نائب رئي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد