التغيير الاجتماعي وقيادة المرأة للسيارة في السعودية


 

ربما يرى البعض ان قرار المملكة بالسماح للمرأة بقيادة السيارة بالامر الهين اوربما يكون قراراً عاديا لا يستحق كل هذه الضجة الكبيرة التي رافقته، لكنه في الحقيقة هو قرار تاريخي سيغير الكثير من ملامح حياة الشعب السعودي كما انه سينعكس هذا القرار على السلوك الاجتماعي وأسلوب الحياة وطرق التعامل مع المرأة بعد ان كانت معزولة ، فهو تغيير اجتماعي وثقافي ، يشبه الى حدٍ ما قرار الشاه الإيراني رضا بهلوي بخلع الحجاب عن المرأة عام 1936م ، فقد انتقلت ايران من ثقافة الى ثقافة اخرى ، وأنشأت الثقافة الجديدة طبقة اجتماعية لها تقاليدها وعاداتها الاجتماعية التي تنسجم وشكل التغيير.
فـ ستتخلى المرأة السعودية عن النقاب او غطاء الوجه الذي ترتدية معظم النساء هناك ، لانه لا يتناسب وقيادة السيارة، وسيكون تقليدا ً في الأماكن العامة أيضاً ، ما دام قد تخلت عنه في السيارة ، وربما من الناحية الأمنية لا يصلح النقاب لهذا الامر كذلك ، ومن الممكن ان تتخلى عن لبس الكفوف أيضاً ، وهذا بحد ذاته يعتبر من الممنوعات في السعودية . لكن المجتمع سيعتاد عليه شيئا فشيئا وسيبدأ التغيير .
السماح للمرأة بقيادة السيارة بالسعودية ، سيجعلها تتقاسم الشارع مع الرجل وتحتك به في مواقف السيارات وعلى إشارات المرور او مهرجانات التسوق او في حال تعطل السيارة في الطريق اذ يهب الرجال لمساعدتها كما جرت العادة في دولنا حينها تتبادل معهم الحديث والنظرات والابتسامات بعيدا عن أعين الرقيب ، كما سيجلعها تستغني عن الرجل في كثير من المجالات مثل التسوق وإيصال الأطفال الى المدارس وقضاء الاحتياجات اليومية ، وهي خطوة نحو استقلالية المرأة وتبلور لشخصيتها في مجتمع ذكوري مئة بالمئة ، وهذا يعني ان ثقافة جديدة سيشهدها المجتمع السعودي، ثقافة ستتبعها خطوات نحو التغيير الاجتماعي ،وهي ثقافة تقاسم المجتمع مع الرجل ، وهو تغيير يبيح للمرأة مساحة أكبر من الحرية والخصوصية، وهي بداية تمرد المرأة على سلطة الرجل التي ستدخل معه بمعارك لتثبيت حقها بمساندة القانون.
فلم تعد المرأة بعد هذا القرار مجرد كائن ثانوي تابع يدين بوجوده للرجل ،بل صانعة حياة وشريكة له ، وذات استقلالية.
سيلقى هذا القرار بظلالة على شكل العلاقة بين الرجل والمرأة في جو من الانفتاح الذي تفرضه هذه الثقافة فمثلا سيوفر جو اكثر أماناً للحديث وتبادل المشاعر وستشعر المرأة بالأمان في خلوتها.كما سيضعف سلطة هيأت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي لن تستطيع متابعة كل السيارات ، وفي الوقت ذاته سيُسقط كل فتاوى التحريم التي أطلقها رجال الدين في هذا الشأن ويبين حقيقة ان رجال الدين وفتاواهم لا قيمة شرعية لها مقابل القانون ، فقد اسقط القرار كل الأدلة الشرعية التي تستند على مزاجياتهم وأهوائهم الشخصية ، وهذا سيعيد حسابات الكثير من الفتاوى التي يصدرها هؤلاء في التحريم والتحليل.
فهل ستبقى فتوى عدم جواز خروج المرأة بدون محرم سارية المفعول بعد هذا القرار؟
وهل يستطيع الرجل ان يفرض سلطته على المرأة بسقوط فتاوى التحريم بعد ذلك ؟
الكثير من الاسئلة سترافق هذا التغيير، لهذا لم يكن القرار عاديا ً بل هو نقلة نوعية في السلوكيات الاجتماعية والنفسية والثقافية سيتبعها الكثير من المتغيرات الاجتماعية، اذا سيظهر جيل جديد يكسر كل الحواجز السابقة وسيكفر بكل الخزعبلات الدينية ، وستنشأ معركة اجيال سينتصر بها الجيل الجديد بذكوره وإناثه ، جيل يتمرد على العادات والتقاليد . جيل يتوق للحياة المدنية والدولة المدنية .
ربما ستضطر الحكومة في بداية الامر ان تضع بعض الشروط على النساء اللاتي يسمح لهن بالقيادة ولكن هذه الشروط تسضمحل وتتلاشى بتقادم الزمن، كما حصل في قطر مثلا وهو مجتمع يضارع المجتمع السعودي من حيث المحافظة والعادات والتقاليد ، فقد سمحت قطر للوهلة الاولى بقيادة المرأة للسيارة في سن الثلاثين بأذن الولي ولكن القرار لم يصمد طويلا وسمح لها القيادة في سن دون العشرين .
ومن ناحية اخرى سيستقبل الشباب هذه الثقافة لأمرين :
الاول : تقليل نفقات المعيشة التي تثقل كاهلهم ، ومنها مصاريف النقل، فقد جاء في تقرير هيئة الأحصاء العامة السعودية ان الأسر السعودية تنفق أكثر من 25 مليار ريال كرواتب سنوية للسائقين الأجانب، إذ يعمل في المملكة أكثر من 1.3 مليون سائق أجنبي، ويبلغ متوسط أجر السائق الأجنبي في السعودية حوالي 1500 ريال (حوالي 400 دولار) شهريًا.

ثانياً : سيشعر الشباب باندماجهم في المجتمع العالمي ، اذ انهم يشعرون الان بـ قطيعة ثقافية وهذا ما لمسته من مواقع التواصل الاجتماعي السعودية .
لقد كان هذا القرار بمثابة الخطوة الاولى التي سيبدأها السعوديون نحو التغيير ، وسنشهد ذلك بعد جيل او جيلين ، لان التغيير في عمر الشعوب لن يكون بالامر الهين او السريع . كما انه سيكون بوابة لتخفيف سلطة رجال الدين عن المجتمع.

لا تعليقات

اترك رد