ما هو الوجه الحقيقي لأزمة كوريا الشمالية ؟


 

تصاعدت الأزمة بين واشنطن وبيونغ يانغ في الآونة الأخيرة , مع تبادل ترامب وكيم الشتائم . وبات العالم بأسره يتابع ما يتبادله الرجلان من تهديدات , حيث بلغت “الحرب الكلامية” بينهما تصعيدا غير مسبوق ووصل ٍالى حد التلويح بالحلول العسكرية . لهذا صدرت دعوات عدة للتهدئة من الأمم المتحدة وروسيا والصين وحتى من كوريا الجنوبية . فهل من الممكن أن تصل تلك الحرب الكلامية ٍالى المواجهة المسلحة وشن حربا ضد كوريا الشمالية في صورة مواصلة عملها في تطوير البرنامج الصاروخي ونصب الصواريخ العابرة للقارات في اتجاه الولايات المتحدة ؟ وهل التهديد الأمريكي لكوريا الشمالية حقيقي أم لعبة سياسية وخدعة ؟ وهل هذه التهديدات المتبادلة بينهما هي مفتعلة وزائفة ولها أبعاد أخرى ؟ وما موقف الصين من كل هذا التوترعلى حدودها ولاسيما وأن كوريا الشمالية محسوبة عليها ؟ .

لعل أن تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية , أتى بعدما كشف تقرير سري من من المخابرات الأمريكية , في الأيام القليلة الماضية , عن نجاح كوريا الشمالية في تطوير رؤوس نووية مصغرة , يمكن تركيبها في صواريخها الباليستية بعيدة المدى أو العابرة للقارات . ومن ثم أضحت القنبلة النووية , على ما يبدو , توقض مضجع الأمريكان , مع العلم أن هؤلاء تعاملوا في ما مضى مع كوريا الشمالية , حيث تمت بينهم مبادلات سرية في عهد الرئيس “جورج بوش ” , وحصلت بالتالي كوريا الشمالية على نظير الاورانيوم وأعلنت نجاحها في اختراع قنبلة نووية سنة 2009 , واليوم بلغت القوة النووية لديها ذروتها وباتت تمتلك سلاح حراري نووي دقيق منصهر , يلقى عبر صواريخ الكروز والغواصات الحربية , وهو السلاح الشائع الاستعمال في القوات الحربية الأمريكية , كما تمتلك صواريخ كروز قادرة على التحليق بمسافة 1000 قدم دون أن يتم كشفها . حينئذ كيف يمكن لأمريكا أن تهدد كوريا الشمالية وهما تبادلا الاورانيوم وأعانا بعضهما على تخصيبه ؟؟! والسؤال الذي يطرح نفسه هل فعلا تعد هذه التهديدات المتبادلة حقيقية أم هي فقط مفتعلة وزائفة ولها أبعاد أخرى ؟ .

لا يخفى على أحد أن هذا التوتر بين أمريكا وكوريا الشمالية لايعد جديدا على المنطقة , فهي تشهد تواجدا دائما للغواصات والطائرات القاصفة الاستراتيجية وحاملات الطائرات الأمريكية عند الحدود الكورية الشمالية , وكل مرة يتكلم المسؤولون الأمريكيون عن احتمال شن حرب على كوريا الشمالية , كما قامت أخيرا حكومة ترامب بفرض عقوبات جديدة ضد بيونغ يانغ وكشفت عن نيتها في نشر نظام ثاد للدفاع الصاروخي في كوريا الجنوبية , مما قد يؤثر بصورة مباشرة على الأمن القومي الصيني والروسي ! ومن ثم نتبين القلق الصيني والروسي ازاء هذه الأزمة الكورية , فهل لأمريكا أهدافا أبعد من مواجهة صواريخ كوريا الشمالية ؟ وهل بذلك تضع هذه الأزمة رقبة الصين تحت سيف أمريكا ؟
لاشك أن الصين وجدت نفسها في موضع حرج جدا بسبب كوريا الشمالية , فهي صاحبة أكبر اقتصادفي العالم وتعد الحليف السياسي والاقتصادي الأكبر لبيونغ يانغ , وبالتالي تجد نفسها أمام الطوفان وغير قادرة على تخفيف حدة هجوم الزعيم الكوري على العالم , بسبب التجارب النووية والتي تهاجمها بشدة الولايات المتحدة الأمريكية وتعتبرها تهديدا لأمنها ! فهي تخشى من ناحية أن تجد نفسها عرضة للعقوبات الدولية , بعدما لوحت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض عقوبات على الدول التي لها علاقات تجارية وعسكرية مع كوريا الشمالية , ومن ناحية أخرى تخشى انهيارنظام الحكم هناك وظهور نظام موالي لأمريكا , بما يجعل بكين محاطة بمجموعة من حلفاء أمريكا ! من هنا يمكن أن نتبين الوجه الحقيقي لهذا التصعيد بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية , فهل هو ناجم عن سباق القوة بين واشنطن وبكين ؟

الثابت أن مسألة كوريا الشمالية في الاستراتيجية الأمريكية لا يضعها على رأس أولويتها , ٍالا من باب أنها جزء من كل ٍاسمه الصين . فأمريكا تنظر بخطورة كبيرة لتصاعد نمو الصين وخاصة وأن مراكز القوى الاقتصادية في العالم ستتغير بحلول العام 2050 وفقا لتقرير شركة المهنية المتخصصة بالشؤون الاقتصادية , حيث ستكون الصين في المركز الأول وقد أزاحت الولايات المتحدة عن عرش الاقتصاد الأكبر في العالم , ولن تكون في المركز الثاني بل في المركز الثالث بعد الصين والهند ! لذا تسعى أمريكا ٍالى تحجيم القوة الصينية بصفة غير مباشرة , من خلال خيار توتير الأجواء على حدود الصين ومنها كوريا الشمالية . ففي عهد أوباما قد نشطت في بناء التحالفات حول الصين , وكانت علاقاتها تزيد بشكل ملحوظ مع الهند واليابان وفيتنام والفلبين , بالاضافة ٍالى كوريا الحنوبية , من أجل تكوين طوقا حول الصين يحد من اندفاع السياسة الصينية لٍاستثمار بحر الصين الجنوبي وتعزيز طرق تجارتها الكثيرة مع العالم . وبالتالي كان هذا التوتر الأمريكي مع كوريا الشمالية اليوم , يعد واحدا من التوترات التي تثيرها أمريكا حول الصين , مثل نزاع الحدود بين الصين والهند ومسائل الجزر بين الصين من جهة واليابان والفلبين والفيتنام وماليزيا من جهة أخرى .

ولا غرو في ذلك , ما نشاهده اليوم من تهديدات أمريكية وتصاعد الضغوط التي باتت أكثر سخونة على كوريا الشمالية , هي جزء من استراتيجيتها ضد الصين . وما نشر نظام ثاد لمواجهة الصواريخ الكورية , هي في حقيقة الأمر لعبة وخدعة لتوفر لها ٍامكانية المراقبة الدقيقة لجانب من الأجواء الصينية وبالتالي مراقبة الصين ! وهذا ما يفسر مدى ٍاصرار الولايات المتحدة على نشر هذا النظام الصاروخي وربما نشر أنظمة أخرى في المنطقة بحجة المواجهة مع كوريا الشمالية والدفاع عن حلفائها في المنطقة ! ومن ثم تقترب أمريكا استراتيجيا من الحدود الصينية والمضي قدما في مخططاتها , وذلك بجعل الورقة الكورية ملعبا للسباق بين روسيا والصين وتوريط كل منهما في هاته المعضلة !

ولاريب فيه أن هذا التوتر له أبعاد أخرى وناجم عن تخطيط محكم, يحكمه سباق القوة بين واشنطن وبكين . فالحقيقة أن أمريكا لا تريد حربا نووية مع كوريا الشمالية , بل المقصود من ٍاشعال هذا التوتر هي الصين من أجل تحجيم نفوذها وتكبيلها لمنع صعودها . فهل تنجح الاستراتيجية الأمريكية في كبح جماح النفوذ الصيني أم ينتهي الصراع ٍالى قيام حرب عالمية ثالثة في جنوب شرق آسيا تدمر الاقتصاد العالمي ؟

لا تعليقات

اترك رد