من ذاكرة سبتمبر


 
(لوحة للفنان غفور حسين)

إنه الثلاثون من سبتمبر ، هلّت دقات ساعاته معلنة تجديد يوم منتظر ، تفكر الثواني فيه بذلك الفجر المطلِّ من بعيد ، و يراجع الفجر خطواته في ألف ميل على بعد مستقبل يزخر بالفرح الناجم عن تجديد الصباح ، أو الألم القادم مع الرياح ، أو يجمعهما معاً لتسير قافلة حياة محمَّلة بالأسرار ، يستمع قلبي إلى هذا المشهد العظيم ، تخفق دقاته ليتناول علبة التبغ المُلقاة على يد الأريكة ، يأخذ منها قطعة حان أجلها ثم يرشفها حتى يبلغ عنان حثالتها و يوزعها على أوردتي و شراييني عبر خادمه المطيع . . دمي ، هذا القلب الذي أحمل علمني الكرم أحياناً ، فهو لا يحصُر ( النيكوتين ) على نفسه بل يجعله صدقاتٍ لجهاز عصبي فقير ، لا يتفاعل و تغريدات المطر ، حتى يثور على طبيعة مُلئت بالغوغائية و الضجر ، فيختلط أول الكربون مع ملوثات الشوارع المُقصَّبة في جلدي ، و يختم على رئتيْ الصبح فلا تعودان للتنفس كما أُمرت به منذ عهد الطفولة ، و ينال الحظ فنون التشعب الأخير ، تقودني ذاكرتي إلى أيام الدراسة ، تلك الأيام التي أسماها جدي أيام المصير حيث نُبعث مكلَّلين بالغار أو نجرُّ أذيالاً في خيبة السفر ، نعم . . هذا مفترقُ طرقٍ يَظهر كأهداب تلك الرئتين القاتمتين ، فيستحيل أن يستجيب لك القدر إلا إذا كنت ذا قصبة لا تُغرس في الأرض و لا ينبت لها جذور ، إنما يستجيب لمن يملك قصبة هوائية ترسل الورد إلى مكتب السماء لتحظى من النجوم بالتبجيل فتعود مغلغلة بوسام مع مرتبة التحقير ، لأن الغيوم لا تتزاوج مع الطيور ، ثم تعود عيناي لتقلِّب ألبوم صور السنين فلا يجد الورق إلا الحياء خُلقاً يستجدي دورته الدموية ، فيتساقط من شجري منهمراً على أرض تشرين ، و يحمرُّ حدس أوراق المذكرات تتبعها شهقات دفينة و زفرات حزينة وهي تخالط ألاعيب أحفادي و أنا أجلس أمام المدفأة في كانون ، عسى أن يتذكرنا آخرون .

لا تعليقات

اترك رد